**مرفأ**
**مرفأ**
المعراج:
{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى }

القسم :
والنجم إذا هوى: في بداية السورة وعلاقته بما قبله (سورة الطور): سبقت سورة النجم التسبيح في خواتيم سورة الطور (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ) فجاء ذكر النجوم والقسم هو بالنجم في هذه السورة. هوى: معناه غرَب ومعناه سقط فإذا كان المعنى الأول في خواتيم سورة الطور (ادبار النجوم) أي غروبها فهي إذن مرتبطة بالتسبيح ومرتبطة بادبار النجوم فأصبح هناك تناسق بين ادبار النجوم والنجم إذا هوى.

ثم ناسب افتتاح السورة خاتمتها (فاسجدوا لله واعبدوا) أولاً لأن السجود هو أهم ركن من أركان الصلاة والصلاة فُرِضت في المعراج وهذه السورة بداية رحلة المعراج وختم السوره بما فُرِض في المعراج.
ومن ناحية أخرى إذا كان هوى بمعنى سقط والسقوط هوي إلى الأرض فهي مناسبة للحركة لأن السجود هوي إلى الأرض وكأنما النجم هوى ليسجد لله تعالى والسجود أقرب ما يكون إلى الله تعالى لذا اختار سبحانه أقرب حالة إليه في أقرب معيّة وهي العروج بالرسول إلى سدرة المنتهى (أقرب ما يكون العبد لربه وهو ساجد) أقرب حالة من الله لأقرب رحلة إلى الله تعالى.

ما ضلّ صاحبكم وما غوى: نفي شيئين الضلالة والغواية. وهناك فرق بين الضلالة والغواية فالضلالة قد تكون عن قصد أو عن غير قصد (فأضلّه الله على علم) (الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا)
أما الغواية فهي عن قصد وهو الإمعان في الضلال. والضلال عام نقول ضلّت الدابة ولا نقول غوت الدابّة والغواية هي للمكلّف. والضلال نقيض الهدى والغواية نقيض الرشد (يُضلّ من يشاء ويهدي من يشاء) (وأضلّ فرعون قومه وما هدى) (وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغيّ يتخذوه سبيلا) (قد تبيّن الرشد من الغيّ) .
**مرفأ**
**مرفأ**
ما ضل صاحبكم وما غوى: نفى الله تعالى عن رسوله الأمرين الضلالة والغواية وقد ذكر كلمة(صاحبكم) ولم يقل اسمه وقد وردت صاحبكم في ثلاث مواضع في القرآن الكريم: إما لنفي الضلال وإما لنفي الجنون (ما بصاحبكم من جِنّة، وما صاحبكم بمجنون، ماضل صاحبكم ) وهذا لأن فيها معنى الصحبة فقد لبث الرسول فيهم عمراً طويلاً وخالطهم وعاشرهم وعرفوا صدقه وأمانته ولا يكذّبونه فهو صاحبهم فكيف يمكن لهم أن يتهموه بالضلال؟ وقد وردت كلمة صاحبكم دائماً لنفي الجنون والغواية وهذا فيه معنى الصحبة أيضاً

ولو لاحظنا القسم في بداية السورة هو دلالة على الهوي والسقوط، والضلال والغيّ هما سقوط في السلوك ودائماً يأتي في القرآن الضلال مع الحرف (في) (في ضلال مبين) وهذا دليل على السقوط أما عند ذكر الهداية فيأتي بالحرف (على) لأن الهدى تفيد الإستعلاء وهو متمكن من وقع قدمه وقادر أن يرى حتى الهمزة تفيد السقوط تأتي مع (في) الظرفية دلالة على السقوط (وإنا أوإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) والنجم إذا ضلّ مساره سقط.

تكرار ما في قوله تعالى (ما ضلّ صاحبكم وما غوى): وهذا حتى لا يُتصوّر أنه نفى الجمع بينهما فقط وإنما نفى الجمع بينهما والإفراد. ما ضلّ صاحبكم وما غوى تعني نفي الضلالة والغواية معاً أو كل منهما على حدة. أما القول ما ضلّ صاحبكم وغوى فهي تفيد النفي بالجمع بين الصفتين. وهذا من باب الإحتياط للمعنى نفاهما على سبيل الجمع والإفراد ومعناه أنه اهتدى ورشد فهو مهتد رشيد. إذن لماذا لم يقل (هدى ورشد) بدل ما ضلّ وما غوى؟ لو قال اهتدى قد يكون في وقت من الماضي او لفترة زمنية محددة قد تفيد أنه قد يكون قبل الهداية ضالاً لكنه مهتد رشيد لم يسبق له ضلالة (ما ضلّ صاحبكم وما غوى) تفيد أنه مهتد رشيد لم يسبق له ضلالة في أي وقت وزمن كان.

وما ينطق عن الهوى: أولاً نفى الفعلين السابقين بالماضي (ما ضلّ وما غوى) وهنا نفي بالمضارع يفيد الإستمرار والحاضر فلو قال (ما نطق عن الهوى) لاحتمل المعنى أنه نفى عنه الهوى في الماضي فقط ولم ينفه عنه فيما يستقبل من نُطقه. فقد نفى تعالى عن رسوله الضلال والغواية في الماضي كله ونفى عنه الهوى في النطق في الحاضر والمستقبل فهو إذن منفيّ عنه الضلال والغواية في السلوك وفيما مضى وفي المستقبل.

ما دلالة الحرف عن في قوله (وما ينطق عن الهوى)؟ فالنطق عادة يكون بالباء (كتابنا ينطق بالحقّ) أما هنا فجاءت (عن) ومعناها ما ينطق صادراً عن هوى يعني إن الدافع للنطق ليس من هوى وهو بمنزلة تزكية للنفس القائلة لأن الإنسان قد ينطق بالحق لكن عن هوى (حق أريد به باطل) يعني الدافع هوى (ناطق عن هوى). وهكذا زكّى الله تعالى رسوله بتزكية الدافع للقول فالدافع له زكي صادق ونطقه صادق أيضاً وعليه جاءت الآية (وما ينطق عن الهوى).

إن هو إلا وحي يوحى: (إن) هي أقوى ما في النفي وأقوى من ذلك أن تأتي (إن) و (إلاّ) معاً. مسألة الوحي هي المسألة الأساسية التي بين الإيمان والكفر فجاء سبحانه بأقوى حالات الإثبات لأن الوحي كان سبب المسألة الخلافية بين الكفّار والرسول. والإنسان قد ينطق غير صادق عن هوى لكن ليس بالضرورة أن يكون كلامه كله حقاً وصدقاً حتى ولو كان دافعه دافع إخلاص . فبعد أن زكّى سبحانه الدافع (ما ينطق عن الهوى) ثبّته أنه وحي (إن هو إلا وحي يوحى). واستخدام الضمير (هو) يعود على النطق معناه ما نُطقه إلا وحي يوحى.

علّمه شديد القوى * ذو مِرّة فاستوى: الوحي بالعربية قد يكون إلهاماً مثل الوحي لأم موسى بإلقاءه في اليم، والوحي للنحل، ولشياطين الإنس والجنّ) فأراد سبحانه أن يقطع أي فكرة فقال (علّمه شديد القوى) بمعنى أنه ليس إلهاماً ولكنه وحي علّمه إياه شديد القوى (وعلّمك ما لم تعلم) نسب العلم إلى الله سبحانه أنه هو المُعلّم. وفي ذكر الوحي يجب ذكر المسؤول عن إيصال الوحي وهو جبريل عليه السلام ، فالله تعالى هو المُعلّم الأول عندما ذكر أن كلامه وحي كان من الداعي أن يذكر من علّمه وأوصل العلم إليه. وفعل علّمه تفيد المداومة والتكثير على خلاف أُعلّمه. كل الآيات السابقة مبنية على عدم ذكر اسم الفاعل (ما ضل صاحبكم، ما ينطق، علمه شديد القوى) وذكر وصفين (شديد القوى وذو مِرّة) والمِرّة قد تأتي بمعنى العقل والإحكام والحصانة والإستحكام وتأتي بعهنى القوة أيضاً فلماذا اختار سبحانه هذين الوصفين (شديد القوى وذو مِرّة)؟
هاتان الصفتان فيهما إشارة أن الخروج إلى أقطار السموات يحتاج إلى أمرين هما القوة والعلم والرسول في رحلته في أقطار السموات يحتاج إلى قوة شديدة وإلى إحكام وعقل وهنا أشارة إلى تمكّن جبريل من حفظ الرسول في رحلته فكان قوياً في حفظ الرسول ومحكماً في حفظ الوحي وكل حفظ يحتاج إلى قوة وعقل وإحكام.
وهذه الرحلة (المعراج) في أقطار السموات والأرض أما في سورة الرحمن (إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان) لأن الخروج من أقطار السموات والأرض فيها تحدّي وتحتاج إلى سلطان القوة والعلم.

ذو مرة فاستوى * وهو بالأفق الأعلى * ثم دنا فتدلّى: تحديد مكان الإستواء. أولا استوى تعني اعتل وأستقام وتهيّأ. ينزل جبريل إلى الرسول يتدلّى إليه ويصحبه بعد أن تهيّأ لذلك من الأفق الأعلى (وليس العالي) وهذا حتى يليق بمقام النبوة وهذا فيه ثناء على جبريل أنه استعدّ للأمر قبل أن يأتي ويقوم بمهمته وفيه تكريم للرسوللأن مقام الشخصية يستدعي زيادة التهيأة والإستعداد وحسنه واستعد لذلك من الأفق الأعلى (استعد جبريل للأمر قبل أن ينزل وفيه إشارة إلى عِظم المهمة وعِظم الزائر وهو الرسول ).
**مرفأ**
**مرفأ**
هذه الآية في سورة النجم ذكرت (الأفق الأعلى) وفي آية سورة التكوير ذكر (الأفق المبين) فما الفرق بينهما؟

في آية سورة النجم يُراد بالآيات والرحلة العروج إلى الأفق الأعلى وهو المكان الذي سيعرُج إليه الرسول . أما في آية سورة التكوير (ولقد رآه بالأفق المبين) فالأفق المبين تدل على الإبانة الواضحة وهي مناسبة لما تبعها في قوله تعالى (وما هو على الغيب بضنين) على أنه ليس بضنين ولا بخيل فالرسول مبين ليس بضنين والأفق مبين أيضاً.

ثم دنا فتدلّى * فكان قاب قوسين أو أدنى: ثم دنا فتدلّى فيها تكريم للرسول لأن الدنو غير التدلي فالدنو هو القرب من أسفل إلى أعلى أو من أعلى إلى أسفل وغيره أما التدلّي فلا يكون إلا من أعلى لأسفل. ومعنى أن جبريل تدلّى للرسول فهذا في غاية التكريم له. العرب تقول في القرُب أشياء كثيرة كناية عن القرب فلماذا اختار سبحانه قاب قوسين أو أدنى؟ اختيار قاب قوسين تدل على القرب والقوس هي في حد ذاتها لا بد أن تكون قوية شديدة والوتر لا بد أن يكون قوياً شديداً والرامي ينبغي أن يكون قوياً مُسدداً فالقوس يحتاج إلى إحكام في التسديد والإنطلاق وهذه كلها عناصر الرحلة وقد سبق قوله تعالى (شديد القوى * ذو مِرّة فاستوى) والقوس شديد ويستعمله قوي شديد والرحلة وهي الإنطلاق لذا جاء استعمال قاب قوسين أو أدنى.

فأوحى إلى عبده ما أوحى: نفس الكلام الذي ورد في أسرى بعبده ينطبق على ورود كلمة عبده هنا في هذه الآية. تستخدم كلمة (عبد) على مجموع الجسد والروح وهنا إثبات على أن الإسراء والمعراج كان بالروح والجسد وإلآّ فأين المعجزة! ولو كان بالروح فقط لما كذّبه الكفار فهم عرفوا وتأكدوا أن الرحلة تمّت بالروح والجسد معاً.

ما كذب الفؤاد ما رأى * أفتمارونه على ما يرى: ما اللمسة البيانية في اختيار كلمة (المراء) ؟ ورد قبل هذه الآية قوله تعالى (ما كذب الفؤاد ما رأى) اختيار لفظ الفؤاد هو من التفؤد والتوقّد (يقال فأد اللحم بمعنى شواه) اختار الفؤاد لأن فؤاده متوقّد ليرى كل ما حوله. أما في قوله (ما كذب الفؤاد ما رأى) وهو القلب المتوقّد الحار لم يقل لبصره أنه واهم فيما يرى، فؤاده صدّق بصره يعني ما رأيته ببصرك لم يشكك به الفؤاد على توقّده فقد صدق الفؤاد البصر وما يراه البصر هو حق صادق.

المرية: فيها شك. لم يقل سبحانه أفتجادلونه إنما قال أفتمارونه لأن المِرية تختلف عن الجدال، فالكفار كانوا يشككون في الرواية وليس في الأفكار كما في قوله (إن الذين يمارونك في الساعة) (يمارون في الساعة) أي يجادلون في الساعة لأن لا أحد رآها، أما الرؤية فهي ليست موضوع نقاش في هذه السورة (أفتمارونه على ما يرى) أي لا يُمارى على رؤيته والملاحظ هنا استخدام حرف (على) أما في الآية السابقة استخدم الحرف (في).

ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنّة المأوى: استخدم كلمة نزلة وليس كلمة (مرّة) لأن النزلة من النزول فقال ولقد رآه نزلة أخرى أي عند نزوله رأى جبريل وهذا دليل على أنه صعد إلى مكان أعلى من الذي وصل إليه جبريل وفي رحلة عودته رأى جبريل عند نزوله وهذا مصداق الحديث أن جبريل قال للرسول تقدم وقال لو تقدمتُ لاحترقت.

اختيار سدرة المنتهى: المنتهى هي آخر شيء وآخر نقطة ومكانها عند جنّة المأوى.

إذ يغشى السدرة ما يغشى: وفي هذه الآية أمور لا نعرفها نحن فالله أعلم بمجريات هذه الرحلة وما فيها وما رآه الرسول فيها وما في السدرة وما يغشاها.

ما زاغ البصر وما طغى: زاغ من الزيغان وهو الذهاب يميناً وشمالاً أما الطغيان فهو مجاوزة الحدّ والقدر والتطلع إلى ما ليس له. بمعنى أنه في رحلته ما مال بصره ولا جاوز قدره بل وقف في المكان الذي خُصص له وفي هذا مدح للرسول فقد وقف بصره في المكان المحدد له مع أن المكان يستدعي أخذ البصر والإلتفات. وقد سبق أن نفى الله تعالى عن رسوله الضلال والغواية في الأرض وكذلك نفى عنه أن يكون زاغ بصره أو طغى في السموات فهو لم يتجاوز لا في الأرض ولا في السماء فسبحان الله تعالى وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

لقد رأى من آيات ربه الكبرى: (مِن) يقال لها التبعضيّة. لم يرى كل شيء لكن الرحلة كان لها منهجاً معيناً وجاء بالكبرى فيه تكريم آخر للرسول أنه رأى بعض الآيات الكبرى. والسورة كلها فيها تكريم للرسول وهذه الآية مبنية على الإبهام وهذا الإبهام للتعظيم. وأُورد ما فسّره الشيخ الشعراوي رحمه الله فهو في خواطره يرى أن الرسول رأى من آيات ربه الآية الكبرى والله أعلم بها هذا.

**إن واقعة المعراج لم تكن انتقالا جسديا من الأرض إلى ما وراء عالم الأفلاك والمجرات -إن كان له في تصورنا وراء- ولم تكن انتقالا روحيا بمعنى أن الروح الشريفة غادرت الجسد وانتقلت إلى هذا المجال.. لأن الأرواح لا تفارق أجسادها مادام المرء على قيد الحياة.. ولم تكن حلما يمر برأس نائم يغط في فراشه. وإنما هي من قبيل الوحي الإلهي الذي يكلم به المولى تبارك وتعالى من يصطفيه من عباده.. إنه الكشف. والكشف أو الرؤيا.. تحدث للإنسان المصطفى وهو في حالة اليقظة الكاملة... يرى الشيء ويعي أحداث الكشف.. وحده في خلوة بعيدا عن الناس، أو أمام الناس ولا يدرون بما يجري معه، أو أمام الناس ومعهم ويشتركون معه.
**مرفأ**
**مرفأ**
عودا على بدء

هجرته صلى الله عليه وسلم:
لما اشتد على الرسول صلوات الله وسلامه عليه أذى الكفار رأى رؤيا أنه يهاجر في أرضٍ ذات نخل، فجاء في ظنه أنها أرض هجر ـ الأحساء ـ ، ثم استبان له عليه الصلاة والسلام أنها المدينة نخلٌ بين حضرتين، فهاجر إليه عليه الصلاة والسلام.

(هاجر إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة، ودليلهم عبد الله بن الأريقط الليثي، وهو كافر ولم يعرف له إسلام.وأقام بالمدينة عشر سنين )

**والهجرة قصتها معروفة، لكن الذي يعنينا في الهجرة كدرس أن يُعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم هناك أمورٌ تتعلق بكونه نبيٌ يُقتدى به، وأمور تتعلق بكونه نبيٌ له مقامٌ عظيمٌ عند الله، فما كان يتعلق بكونه نبيٌ له مقامٌ عند الله لا علاقة لنا به من حيث الاقتداء، وما يتعلق بكونه نبيًا يُقتدى به هذا الذي لنا علاقةٌ به، وحتى تتضح الصورة نقول أن الله جلّ وعلا أسرى به في برهةٍ من الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به في نفس الليلة إلى السماوات السبع، وعاد به ليلتها، ولأنها رحلةٌ لا يتعلق بها اقتداءٌ جعلها الله جلّ وعلا رحلة خارجة عن نطاق البشر، ولذلك لما يتعلق برفيع مقامه، ولا نؤمر نحن بالعروج. أما الهجرة فتتعلق بكونه نبيٌ يُقتدى به، فلما كان النظر إليه صلى الله عليه وسلم هنا على أنه يُقتدى به في هذا الأمر كانت الرحلة أمرًا بشريًا بحتًا أخذ له صلى الله عليه وسلم الأسباب التي يأخذها البشر عادةً فتخفى، ووارى، وخرج في الجهة التي لا يُعتقد أنه سيخرج إليها، وجعل عليًا مكانه على الفراش، واختفى في الغار ثلاثة أيامًا، وأمر من يمسح آثاره بعد صعوده إلى الجبل، ووُضع له الطعام يُذهب به إليه ولم يمت من الجوع، زادٌ مادي، وزادٌ معنويٌ مع الله، وجلس في الغار ثلاثة أيام، ثم مكث تقريبًا أحد عشر يومًا في الطريق معه دليلٌ كافرٌ يدله على الطريق، ومعه مولًى لأبي بكرٍ يعينه في الطعام والشراب، ومعه صاحبه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فهذه كلها أسبابٌ مادية، ولو استغنى عن الأسباب أحدٌ لاستغنى عنها رسولنا صلى الله عليه وسلم.
والناس في هذا الباب على ثلاثة فرقٍ،
- فرقة تترك الأخذ بالأسباب كليةً وتقول: جنونٌ منك أن تسعى لرزقٍ ويُرزق في غياهبه الجنين وهذا باطلٌ لا تدل السنة عليه.
-وفرقةٌ لا تعرف الله أبدًا، وإنما تنظر إلى الماديات، وهو ما تمليه العلمانية المعاصرة.
- وفرقةٌ هداها الله للإيمان وإلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم فتأخذ بالأسباب وتعتمد على الملك الغلاب جل شأنه، وهذا هو هديه صلوات الله وسلامه عليه حتى يقتدي الناس به عليه الصلاة والسلام، هذه هي القضية الأولى.


**القضية الثانية بالهجرة أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كانت الولاة تكتب لعمر فيرد عليها حصل هذا في شعبان، حصل هذا في رمضان، حصل هذا في شوال، فكتبت الولاة الأمراء العمال الذين لعمر كتبوا له إننا لا نفهم منك، أي شوالٍ تقصد؟ أي شعبان، فلو جعلت لنا شيئًا نفيء إليه نؤرخ.
فاجتمع رضي الله عنه الله مع الصحابة واختاروا أن يختاروا حدثًا يُرخون به، فنظروا في ثلاثة أمور، مولد النبي عليه الصلاة والسلام، وهجرته، ووفاته، فأعرضوا عن المولد، وأعرضوا عن الوفاة، واختاروا الهجرة ورأوها أنها يومٌ فرق الله به بين الحق والباطل وأقام به بعده دولة الإسلام، وكان هذا مشورة من عليٍ رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وأقره عمر، ثم أجمع المسلمون عليه، وهذا من أعظم الدلائل على عظيم حدث الهجرة في التاريخ الإسلامي.
واستعانة النبي صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أرقيط –على رواية وعبد الله بن أريقد بالدال على رواية، ولا يعنينا هذا الاختلاف- دلالة على أن المؤمن يستعين بما يمكن الاستعانة به إذا احتاج إليه إذا كان المقصود نصرة دين الرب تبارك وتعالى.
**مرفأ**
**مرفأ**
بعد أن استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وكان بها اليهود من بني قينقاع وقريظة والنضير، أقرهم عليه الصلاة والسلام على دينهم وأموالهم، واشترط لهم وعليهم شروطاً، وكانوا مع ذلك يظهرون العداوة والبغضاء للمسلمين، ويساعدهم جماعة من عرب المدينة كانوا يظهرون الإسلام وهم في الباطن كفار؛ وكانوا يعرفون بالمنافقين، يرأسهم عبد الله بن أبي بن سلول، وقد قبل صلى الله عليه وسلم من هاتين الفئتين (اليهود والمنافقين) ظواهرهم، فلم يحاربهم ولم يحاربوه بل كان يقاوم الإنكار بالحجج الدامغة والحكم البالغة.
فلم يكن صلى الله عليه وسلم يقاتل أحداً على الدخول في دين الله، بل كان يدعو إليه ويجاهد في سبيله بإقامة ساطع الحجج وقاطع البراهين.


الغزوات – أسبابها ومشروعيتها:
لما كانت قريش أمة معادية للرسول صلى الله عليه وسلم، مقاومة لدعوته، معارضة له فيها، وقد آذته وآذت المسلمين وأخرجتهم من ديارهم، واستولت على ما تركوه بمكة من الأموال، وآذت المستضعفين الذين لم يقدروا على الهجرة مع رسول الله وأصحابه...

أذن الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بقتالهم وقتال كل معتد وصادٍّ عن الدعوة
فأول ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك مصادرة تجارة قريش التي كانوا يذهبون بها إلى الشام والتي يجلبونها منه.
وكان بعد ذلك - عندما تدعو الحال لقتال من يقف في وجه الدعوة من قريش أو غيرهم - يخرج إلى القتال بنفسه ومعه المقاتلون من المسلمين، وتارة يبعث مع المقاتلين من يختاره لقيادتهم، وقد سمى المؤرخون ما خرج فيه النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه (غزوة) سواء حارب فيها أم لم يحارب، وسموا ما بعث فيها أحد القواد
(سرية).



**جملة الغزوات التي خرج للقتال فيها بنفسه صلى الله عليه وسلم: سبع وعشرون غزوة، وجملة السرايا التي بعث فيها القواد ولم يخرج فيها بنفسه: خمس وثلاثون سرية. ولنتكلم على المهم من تلك الغزوات باختصار.