أخبار القلم والسيف في رحلة الشتاء والصيف

الملتقى العام

الفصل الأول
المقدمة
بداية المسيرة
فوائد وعبر

كتبها : محمد السمرقندي
في يوم الأربعاء 30/12/1420هـ الموافق 5/ 4/2000م
منطقة درقو جنوب شرق الشيشان
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له . والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين وبعد:-
يقول الله في محكم كتابه ( ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما ) 104النساء ..
فمنذ خروج المجاهدين من بيوتهم للجهاد في سبيل الله لنصرة إخوانهم في العقيدة والدين وهم يتعرضون إلى ابتلاءات تلو الابتلاءات ، بداية من جهاد النفس والتغلب على شهواتها ، والإعراض عن الدنيا وعن من يرغب فيها ، ومروراً بلصوص الطرق والنصابين والمحتالين ثم وعورة الطريق التي يسلكونها من جبال وأنهار ووديان مهلكة حتى يصلوا إلى أرض الجهاد ، كل ذلك والصبر يملأ قلوبهم والرضى بقدر الله يخالط دمائهم ، فقد خرجوا هجرة في سبيل الله إيماناً واحتساباً وديدنهم ( ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة ، ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً )100النساء .
فهم يعرفون أن طريقهم طريق مليء بالدماء والأشلاء إذ لابد فيه من الصبر والتضحية وتقديم النفس والمال .ولكنهم أصروا على مواصلة الطريق لأن هدفهم الأسمى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين .وما أن وصلوا إلى أرض الجهاد أرض الشيشان حتى بدأت سلسلة من الابتلاءات العظيمة ولكن يصحبها حفظ الله للمجاهدين .
وكان من أشد الابتلاءات التي تعرضوا لها في الشيشان تلك المسيرة التي انطلقت من الجبال الجنوبية لدولة الشيشان إلى المناطق الشرقية للدولة ، وذلك بعد عزم قادة المجاهدين على تغيير أسلوبهم الحربي والانسحاب من كل المناطق التي يسيطرون عليها إلى مناطق رأى القادة أنها مناسبة لشن حرب عصابات طويلة الأمد ينتج عنها بإذن الله هزيمة مخزية للقوات الغازية ، وكانت تلك المسيرة التي رسمها القادة لا تستغرق على الأكثر أربعة أيام رُسم خلالها الطريق وعرفت مداخله ومخارجه ، وحينما أراد القادة أمراً قدر الله أمراً لم يكونوا يحتسبوه ، لأن الله أبى إلا أن يمحص المجاهدين لقوله ( وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) 142آل عمران ، وقوله ( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ) 31 محمد ، وقد تعرض المجاهدون للتمحيص في هذه المسيرة الطويلة وكان من الابتلاءات التي تعرضوا لها الحصار والجوع والخوف والبردوالمرض والجراح والقتل ، وذلك لمدة تزيد على أربعين يوماً ، يقول المولى سبحانه ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ) 155البقرة.. فقد ذاقوا الجوع ومرارته والخوف و شدته والبرد وقسوته وصبروا على ذلك كله صبر الجبال الراسيات إلى أن مَنَّ الله عليهم بكرمه وحفظه بالفرج ، و ( إن مع العسر يسراً ) وعقيدتهم أن الله لن يضيعهم ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ، لقد ضربوا أروع البطولات في الصبر على الآلام القاسية والمواقف الصعبة وسطروا أعمالا جليلة يجب على التاريخ أن لا ينساها لهم ، فكم قطعوا من مسافات وكم صعدوا جبالا وهضابا وهبطوا أودية ومنحدرات خطيرة كل ذلك سيرا على الأقدام يخرجون من حصار ويقعون في حصار آخر ، ينجون من موقف ويقعون في آخر .
وقد جاءت تلك المسيرة بعد أن تصدوا لقوى الشر على قمم الجبال العالية لستة أشهر ضربوا خلالها أروع البطولات والتضحيات في النصر على قوى الكفر و أضخم جيش في العالم ، هو الجيش الأحمر الروسي المزود بأحدث العتاد الحربي ، لقد ثبتوا أمام الجيش الروسي ثباتا تعجز عنه الجيوش المنظمة ، وكانت تلك المسيرة من أروع المناورات فهي بحد ذاتها وما صاحبها من رعاية الله وتوفيقه تعد انتصاراً يسجل للمجاهدين على الجيش الروسي لعدة أسباب هي :
1- أن الجبال والطرق العامة المحيطة بالمنطقة التي تحركت فيها المسيرة كلها بيد الروس .
2- ضخامة عدد المنسحبين من المواقع وكان يبلغ عددهم مجاهدا ولا يمكن لمثل هذا العدد الضخم أن ينجو من المخاطر أثناء الانسحاب لسهولة كشفه ولصعوبةتحركه أيضاً .
3- العدد الهائل للقوات الروسية في المنطقة الممتدةعلى طول طريق المسيرة .
4- كثافة استخدام سلاح الجو الروسي في تلك المناطق والقصف المتواصل عليها أيضاً .
5- عدم وجود أي غطاء جوي أو مضادات جوية للمجاهدين أثناء الانسحاب .
6- قلة عدد القتلى والجرحى من المجاهدين نسبة إلى عددهم الضخم وقلة إمكانياتهم الدفاعية والمواقف التي مرت بهم .
وهذا يدل على رحمة الله بالمجاهدين ثم يقظة القيادة التي تتقدم المسيرة فقد أخرجوا المجاهدين بفضل الله من حصار شديد ومحنة عظيمة ، فقد قام القائد خطاب حفظه الله برصد الطريق بنفسه لضمان سلامة الطريق وسهر الليالي الطوال المتواليات يفكر في أمرالجرحى والمرضى والأصحاء على حد سواء ولا غرابة في ذلك فقادتنا يسيرون على نهج المصطفى صلى الله عليه وسلم ويقتدون بأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين وقدوتهم في ذلك سيف الله المسلول خالد بن الوليد الذي كان يحرس جيشه بنفسه ويسهر عليهم فلله تلك الهمم ولله تلك الرجال .
يدوس بأقدامه في الثرى وهامة همَّتـه في الثريا
فلقد أتعب القائد العام نفسه حرصا على سلامة المجاهدين حتى وصلوا بر الأمان سالمين …
وفي هذه الأسطر سنتطرق إن شاء الله إلى أحداث هذه المسيرة التي انطلقت من الجبال الجنوبية للشيشان حتى وصلت إلى المناطق الشرقية من نفس الدولة وما تعرضت له من مخاطر أثناء تلك المسيرة تحت عنوان :
( أخبار القلم والسيف في رحلة الشتاء والصيف )
وستكون تلك الأحداث مقسمة على ثمانية فصول سنعرض في كل فصل بعضاً من هذه الأحداث ، ثم نختم كل فصل ما تلخص لنا من فوائد وعبر استفدناها في هذه المسيرة ، رغبة منا في إيصال أكبر قدر من الفائدة لإخواننا في كل مكان ، لأن القصص لا يراد من ذكرها إلا العظة والعبرة قال تعالى ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ) وقال (وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين ) وقال ( نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين ) ونسأل الله العون في ذلك إنه ولي ذلك والقادر عليه .
5
الفصل الأول: بداية المسيرة 
تجمعنا في قرية زوني وجاء المجاهدون من كل اتجاه ونزل المرابطون من الجبال وجاء الذين كانوا في البيوت يوم الأحد 16/ذو القعدة 1420هـ الموافق 21/2/2000م وباتوا ليلة واحدة داخل القرية حتى تأتي باقي المجموعات ولم يبق في شاتوي سوى مجموعات قليلة لإشغال الروس و إيهامهم بأن المجاهدين في مواقعهم ولم ينسحبوا وهذا ما حدث فقد بقيت مجموعة رمضان أحمدوف وحمزة قلايف تتصدى للروس وتحركت باقي المجموعات ويصل عددها إلى 1250 مجاهدا إلى قرية زوني .
وكان الأمير العام لتلك المسيرة الأخ القائد خطاب حفظه الله ، وكان يرافقه القائد شامل بساييف ونظراً لأن جرحه لم يلتئم بعد فقد كان محمولاً على فرس وفي الأيام الأخيرة حمل على الأكتاف ، وكان النائب الأول للقائد العام الأخ القائد يعقوب ، والنائب الثاني للقائد العام هو الأخ القائد أبو الوليد حفظ الله الجميع ، وقد تشرفنا برفقة فضيلة الشيخ أبو عمر محمد السيف المسؤول الشرعي في المجلس العسكري للمجاهدين ، وكان في المسيرة أيضاً مجموعة من الأخوة الأفاضل القادة الميدانيين كأبي عمر النجدي و عبد الصمد الطاجيكي الذي استشهد أثناء المسيرة في اشتباك مع القوات الروسية التي أنزلت في الجبل لتسد الطريق على المجاهدين .. رحمك الله يا عبد الصمد وأسكنك الفردوس الأعلى ، و أبي جهاد الأفغاني ، و أبي ياسر السوري , وسيف الإسلام المصري ،وأبي ذر الطائفي , و بلال التركي , و أبي روضة المكي , و أبي قتيبة المكي , و إسلام الشيشاني , و شهر الدين الشيشاني , وأبي ذر الشيشاني , و شريف وحسين الشيشانيين , و حنظلة ورباني الداغستانيين ومنهم من قتل في المسيرة كشالي أدين , و إلياس , و عبد الهادي رحمهم الله جميعاً وتقبلهم في الشهداء .
الأنصــار: حينما نقول الأنصار فإنا نعني بها كل من ناصر القضية الشيشانية وأتى بنفسه مضحيا من أجل ، فهم من أقطار شتى وجنسيات مختلفة ولكن قلوبهم مؤتلفة وهدفهم واحد ولقد صبروا وضحوا من أجل الله وحده ذاقوا الجوع ومرارته والخوف وشدته والبرد وقسوته انتفخت منهم الأقدام وتغيرت الألوان ولسان حالهم الحمد لله على كل حال وعقيدتهم أن الله ناصرهم على عدوهم .يمتثلون أوامر أمراءهم يتراحمون فيما بينهم والحب في الله لبعضهم بعضا يملؤ قلوبهم فجزاهم الله خيرا ورحم الله شهداءهم وشافى جرحاهم إنه ولي ذلك والقادر عليه .



يتـــــبـــــع
3
1K

يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.

تسجيل دخول

المشتاقة الى الجنه
مشكووووووه ياالغلا على المرور


ومبروك مساعدة شيف وان شاء الله توصلي لأخر لقب ،،،،،،،
المشتاقة الى الجنه
الانطـــــــلاق :بعد مواجهة مشرفة من قبل المجاهدين لمدة ستة أشهر أمام أحدث القوى في العالم قوة الدب الأحمر الروسي انطلقنا من قرية زوني باتجاه الشمال إلى داخل الشيشان وذلك للأسباب التي ذكرناها سابقاً وهي قرار القيادة العامة للمجاهدين بتحويل أسلوب الحرب إلى حرب عصابات ، وذلك يوم الإثنين 17/ذو القعدة 1420هـ الموافق 22/2/2000م الساعة التاسعة ليلا .فبعد تشكيل المجموعات بدأت القافلة تسير باتجاه الشمال عبر الطريق العام حتى دخلت قرية يرش مرديه ثم أخذت بالسير يمينا إلى شرق القرية وانحدرت بعد ذلك يسارا إلى الطريق العام وكان الجو سيئا على الروس ، والطريق الذي نسير عليه قريب منهم ولكن الله يحفظ المجاهدين ويحرسهم .وأثناء السير خارج القرية جاء الطيران وبدأ بالقصف العشوائي فسقطت القنابل قريبة من الطريق الذي يسير عليه المجاهدون فجرح منهم اثنان ، ثم اتجهت القافلة يمينا صاعدة بذلك أول جبل تصعده في المسيرة وكان الموقف صعبا بسبب الطين ولأنه أول صعود في المسيرة واستمر الطريق على هذه الحالة صعودا واستقامة ثم صعودا وهبوطاً حتى وصلت القافلة رأس الجبل وبدأت تسير في خط مستقيم على رأس الجبل حينها وجدنا القائد العام منتظراً في الطريق يراقب القافلة من أولها إلى آخرها يتفقد أحوال المجاهدين ، ثم واصلت القافلة سيرها على رأس الجبل لمسافة غير بعيدة ثم انحدرت يساراً إلى الأسفل حتى استقرت في أرض مستوية وهناك بتنا أول ليلة لنا في الغابة والجو بارد جدا وبعضنا نام والبعض الآخر لم ينم من شدة البرد وعند الظهر جاءت الأوامر من القائد العام بأن تتحرك القافلة إلى أعلى لأن المكان الذي بتنا فيه قريب من الروس .
بعد الأوامر من القائد العام تحركنا لمسافة 5 كم ثم حططنا رحالنا وأشعلنا النيران وأخذنا أماكننا استعدادا للمبيت في الغابة وكانت هذه هي الليلة الثانية وكم كانت الليلة قاسية علينا فاستعدادنا كان ضعيفا لمثل تلك الظروف إذ أن أحسننا حالا من وفق لحمل كيس بلاستيك يقيه رطوبة الأرض ولحاف يلتحف به وقليل من الأكل ، لأن الكثير منا لم يكن يتوقع ما سيواجهه فقد انتشر الخبر بيننا أن المسيرة أربعة أيام فقط فتساهلنا في التزود لها ، حتى أن القيادة لم تكن تظن أن يوجهنا صعوبات في الطريق الذي تم الكشف عنه سابقاً لذا أمر القائد العام بوضع كل الطعام على الطريق في أول قرية خرجنا منها وقال خذوا كل ما استطعتم حمله فإن أمامنا مسيرة لا نعلم نهايتها ، ولكن لم يهتم الإخوة لذلك وحملوا من الزاد القليل ، وعلى كل حال فقد نزل الثلج في الليل وأطفأت النيران وبتنا في وضع يرثى له فقد كانت هذه أول ليلة يسقط الثلج علينا ونحن في الغابة وكان البرد شديداً جداً ، و في اليوم الثاني تحركت القافلة إلى أسفل الجبل إلى وادي شاري أرجون وكان الجو لحسن الحظ غائما .وعبرت النهر الذي يعرف بنهر شاري أرجون ثم دخلت في الجبال الواقعة غرب وادي شاري أرجون وفي أحد هذه الأودية الصغيرة تهيأنا للبقاء فيه وأخذنا مواضعنا للمبيت فيه وكان الجو قد ازداد سوءًا لأنه وقت شتاء والثلوج تنزل ومن التعب ألقى بعض المجاهدين بنفسه على الأرض مفترشاً الثلج وملتحفاً السماء بدون مبالاة مع ما في ذلك من آثار سيئة على صحتهم وشاء الله أن نبقى في هذا الوادي لمدة ستة أيام متتالية حاولنا خلالها الخروج ولكن الروس كانوا قد شعروا بنا فتراجعنا إلىأماكننا السابقة وسنشرح ذلك في فصول قادمة.
5
فوائد وعبر 
1- إن بقاء بعض الأخوة في مواقعهم لإشغال العدو ريثما تتحرك باقي المجموعات كان عملاً مهماً لأهمية هذا الفن ، وهو فن التمويه على الأعداء والتمويه هو عبارة عن إظهار ما يخالف الحقيقة وهو علم له أثر كبير على مجريات الحرب ، وقد أعطى الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الجانب قدراً كبيراً من الاهتمام وهو ما يسمى اصطلاحاً بالتورية بل إن حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم العسكرية كانت كلها تدور ضمن هذا المبدأ ، وكما روى البخاري ومسلم عن كعب بن مالك رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم ( لم يكن يريد غزوة إلا ورّى بغيرها إلا فتح مكة وغزوة تبوك ) ولا نريد الإطالة بسرد أمثلة من السيرة على ذلك ، وكانت الخدع الحربية عنصراً مهماً في حسم بعض المعارك من العهد الأول وحتى يومنا هذا حتى الحروب الحديثة تعتمد اعتماداً ضخماً على مثل تلك الخطط ، وما كان فعل خالد رضي الله عنه في مؤتة إلا أعظم خدعة حربية وأفضل انسحاب عرفه التاريخ يوم أن سحب جيشاً قوامه ثلاثة آلاف مجاهد من بين مائة ألف مقاتل يفوقونهم عدة وعتاداً ، فنظم خالد الانسحاب فاختار كتائب من الفرسان وطلب منها المرابطة خارج مؤتة فإذا أصبح الصبح والتحم الناس جاء بعضها إثر بعض مرتفعة أصواتهم بالتكبير وعدو الخيل يثير النقع ثم تشترك في المعركة كما أبدل مواقع فرق الجيش إذ جعل الميمنة مكان الميسرة والساقة بدل المقدمة ، كل ذلك ليوهم الروم أن جيش المسلمين جاءه مدد وقوات دعم ، وفعلاً خاف الروم مغبة الأمر لما رأوا تتالي كتائب فرسان المسلمين وكأنها فرق كبيرة حسبما يظهر من الغبار المرتفع والأصوات المتعالية وزاد خوف الروم وأيقنوا أن المدد قد وصل واعتقدوا أنهم لا قبل لهم بقوات إضافية كبيرة وقد أنهكتهم قوات صغيرة فكيف لهم بجموع كثيرة لم تعرف التعب ، ولما فصل الظلام بين الجيشين انسحب خالد رضي الله عنه على شكل كتائب يحمي بعضها بعضاً منعاً لملاحقة الروم لها ، هذا نموذج واحد من نماذجنا العظيمة التي شكلت فيها الخدعة الحربية نصراً بحد ذاته والتاريخ مليء بالعبر والدروس ولكن من يعي ويدرس تاريخنا العظيم ؟ .< span>
2- قبل تحرك الإخوة للمسيرة تم توزيع المسؤوليات والمهام ، وأهمية ذلك لا تخفى على أحد ، ولكن لا بد أن ننبه على أن توزيع المهام والتأمير على الجيش له ضوابط ومقومات ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول كما روى أبو داود ( أنزلوا الناس منازلهم ) فتأمير الأمراء ليس على حسب الأقدمية أو السن أو العلم أو التقوى أو الشجاعة بل لكل وضع ما يناسبه فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص في معركة ذات السلاسل على كبار المهاجرين والأنصار وكان فيهم أبوبكر الصديق رضي الله عنه وكان عمرو رضي الله عنه حديث عهد بإسلام ولم يمض على إسلامه إلا أربعة أشهر بل إن أبا عبيدة لما وصل بمدد إلى جيش عمرو رفض أن يكون الأمير ودخل تحت إمرة عمرو ، وكذلك أمّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة وهو ابن الثامنة عشر عاماً على جيش فيه وعمر وأبي عبيدة وسعد بن أبي وقاص وغيرهم فلم يكن العمر ضابطاً في التأمير ، وكذلك رفض عمر رضي الله عنه تولية البراء بن مالك لأنه كان شجاعاً وقال " لا تولوا البراء فإنه مهلكة " ، والولايات عموماً يختار لها القوي التقي ولكن ربما تطرأ بعض الأمور يحتاج فيها الأمير إلى تولية قليل العلم والدين نظراً لمعرفته بالأرض أو لشجاعته أو لدهائه ، فمن قال إن الأعلم أحق بالإمارة نقول هذا أبو بكر أعلم من عمرو وقد أمر رسول الله صلى عليه وسلم عمرواً عليه ، ومن قال إن الأقدم هجرة أولى بالإمارة نقول هذا خالد بن الوليد أُمّر على البدريين في مؤتة ، ومن قال إن الأشجع هو الأمير نقول إن عمر وعلياً رضي الله عنهما أشجع من أسامة وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما أسامة ، فالإمارة لسيت حكراً على صنف من المسلمين أو جنسية أو قبيلة ، لأن لكل مجاهد قدرة وطاقة فمتى احتجنا قدرة هذا وطاقته نوليه لانفراده بقدرات ليست عند غيره وإن كانوا أعلم منه وأتقى ، يقول شيخ الإسلام في الفتاوى 28/ 254 " اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل ولهذا كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول اللهم أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر اعظم قوة قدم أنفعهما لتلك الولاية وأقلهما ضررا فيها فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوى الشجاع وان كان فيه فجور على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينا كما سئل الامام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو وأحدهما قوى فاجر والآخر صالح ضعيف مع أيهما يغزى فقال أما الفاجر القوى فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين فيغزى مع القوى الفاجر وقد قال النبي  ( إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ) وروي ( بأقوام لا خلاق لهم ) وان لم يكن فاجرا كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين إذا لم يسد مسده " إلى آخر ما قال ولولا طوله لنقلناه كاملاً فهو كلام نفيس في الولايات فليرجع إليه والله أعلم .
3- صمود المجاهدين لمدة ستة أشهر في حرب نظامية غير متكافئة العدد والعدة مع عدوهم وآلته العسكرية المتكاملة التسليح والمدعومة من أكثر من ست دول هي الصين وألمانيا وأمريكا وبريطانيا وروسيا البيضاء وأوكرانيا وكندا والكيان الصهيوني وغيرها من الدول ، فهذا الصمود ولهذه المدة يعد بحد ذاته نصراً نفتخر به ، ويسجلها التاريخ هزيمة نكراء لحقت بالجيش الروسي الذي يملك أعلى عتاد حربي تقليدي وبشري في العالم ، ووصمة عار في وجه الجنرالات الروس ورئيسهم الأحمق الذي تعهد بإنهاء الوضع في الشيشان خلال ثلاثة أسابيع ، وزعم الجنرالات أنهم الآن في المرحلة الثالثة للقضاء على العصابات كما يسمونها وهم الذي سبق أن أعلنوا أن المرحلة الثالثة تأخذ أسبوعاً واحداً فنسأل الله أن يخذلهم ويردهم على أعقابهم خاسرين .
4-تحويل المجاهدين لأسلوبهم الحربي من حرب نظامية إلى حرب عصابات جاء بعد دراسة متأنية لأوضاع المعركة خرج بعدها القادة بأن أفضل أسلوب تواجه به قوات مغولية تمتلك عتاداً هائلاً هو أسلوب الضرب من حيث لا يحتسب الخصم ، لأن العدو الغازي وصل إلى أقصى درجات الحقد والإجرام ، فحينما تصل نسبة توقعه بوجود مجاهدين في منطقة ما حتى إلى نسبة 1% فإنه يتبع سياسة الأرض المحروقة فيهلك الحرث والنسل كإجراء وقائي بزعمه والعاصمة خير شاهد على ذلك ، وقد ذهبت قيادة الإرهاب الروسي إلى أبعد من ذلك حينما قررت عزمها على استخدام أسلحة الدمار الشامل لإنهاء الحرب ، فكان تغيير القادة لأسلوب الحرب قطع على المجرمين ما عزموا عليه وأُسقط في إيديهم وأصبح لزاماً عليهم أن يوجهوا الموت البطيء أو ينسحبوا بإذن الله تعالى .
5- لقد تميزت هذه المسيرة عن المسيرات الأخرى بحفظ الله للمجاهدين أكثر من أي وقت مضى وهذا ما سيتضح في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى .
6- كان الإخوة في المسيرة لا يسيرون في درب إلا وقد وطئت أقدام القائد العام أو نائبيه ذلك الدرب قبلهم إلا ما ندر ، وهذه هي حقاً مهام القيادة ودليل ذلك قول رسول الله صلى الله وعليه وسلم كما جاء في الصحيحين ( إنما الإمام جُنَّة يقاتل من ورائه ويتقى به )وقال كما جاء في الصحيحين أيضاً ( هل أنتم تاركون لي أمرائي إنما مثلكم ومثلهم كمثل رجل استرعي إبلاً أو غنماً فرعاها ثم تحين سقيها فأوردها حوضاً فشرعت فيه فشربت صفوه وتركت كدره فصفوه لكم وكدره عليهم ) فإذا لم يتمثل القادة تلك النصوص ويكونوا مقدم الجيش ويباشروا الصعاب هم قبل غيرهم فكيف ينصر الله جيشاً قادته متكئين على الفرش ولا همّ لهم إلا قيل وقال ، وإذا حمي الوطيس رأيتهم كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة ؟ ، فالقائد جُنَّة أي سترة يتقي به الجند أعداءهم ، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه أحمد عن علي رضي الله عنه قال (كنا إذا احمر البأس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه ) وروى أحمد أيضاً عن علي رضي الله عنه قال (لما حضر البأس يوم بدر اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من أشد الناس ما كان أو لم يكن أحد أقرب إلى المشركين منه ) وجاء في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وكان أجود الناس وكان أشجع الناس ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً وقد سبقهم إلى الصوت وهو على فرس لأبي طلحة عُري في عنقه السيف وهو يقول لم تراعوا لم تراعوا قال وجدناه بحراً أو إنه لبحر ) نعم هذه صفات القائد الذي يستحق أن يكون جنة يقاتل من وراءه ، لا أن يكون ذَنَباً يُقاتل من أمامه فالسعيد من تابع نبينا في صفاته واتخذه قدوة في كل دقيق وجليل .
7- التهاون في الأمور وعدم إعطائها حقها من الإعداد قد يكلف الكثير جداً ، فحينما سار كثير من الأخوة بناءً على ظنهم بأن المسيرة تستغرق أربعة أيام كما كانوا يقطعونها سابقاً ولم يتجهزوا بما يحتاجونه اعتماداً على ما اعتادوا عليه ، فلما دهمتهم ظروف لا قبل لهم بها كادت أن تؤدي بهم إلى التهلكة لولا لطف الله بهم ورعايته .
8- بعض الأخوة الذين تصرفوا قبل أن يفكروا بالعاقبة وناموا على الماء والطين مما أثر بصحتهم فيما بعد ، وننبه هنا على أنه يجب على المجاهد أن لا يعيش لنفسه بل يعيش لأمته ، فكل ما يضر بصحته و يضعف من عطائه لهذه الأمة ولو على المدى البعيد فليجتنبه ، ومن حمل همّ الأمة فإنه سيسخر كل قواه وإمكانياته لحماية الأمة ولا يفكر بانفرادية أبداً ، فعلى المجاهد أن يكون قدر المسؤولية وأن يفكر بمن وراءه ويضع دائماً نصب عينيه هدفه وغايته وكل ما يعيقه أو يضعفه عن ذلك الهدف وتلك الغاية فليجتهد وسعه في اجتنابه والله الموفق .
تابع سلسلة أخبار القلم والسيف في رحلة الشتاء والصيف