إلى كل من أظلمت الحياة في وجهه ، وأرخى ليل اليأس على أيامه سدولا من ألم دفين ....
إلى كل من ظنّ أن الحياة تنتهي عندما نفقد شيئا غاليا فيها ..
إلى كل من يرى الحيــــــاة عبر نظارة سوداء ..
إليهم جميعا .. أهدي أطيافا من أمل .. لعلها تسكن وجدانهم .. وتحيي في قلوبهم نورا جديدا كاد أن يخبو في غمرة الأحزان المتلاحقة ..
وإليك أنت .. يا من أضأت دربي بفجرك المنير
ويامن قطفت من أوقاتك أروعها .. ومن حكمتك أعمقها .. أهديتها لي .. عبر مساحة من دفء أثير .
يا من نشرت في قلبي عبقا من أمل .. وعلمتني تطويع الحياة في سبيل تحقيق الهدف .. وسافرت بي نحو عوالم النور ..
فكنت لي أستاذة في فنون صناعة الإنسان الحقيقي .. وفنون غرس الأمل في بساتين المحبة والوفاء .. .................... صباح الضامن
كطيف حالم يمرّ على الأرواح مسرعا .. يحث الخطى كي يلحق بركب المسافرين ..
وشعاع ساحر يقتبس من كل لوحة بديعة أنشودة حياة ..
وكالفجر الباسم حين يطلّ على الدنيا .. يورثها فرحا غامرا .. ينعش فيها قلبا نابضا .. وينقش الحكمة على صخور غطاها الحزن ببراعة وذكاء ................ كان مروري بهما ...
شاب حسن الطلة .. فتيّ كغصن مورق على شجرة شمّاء .. تنبض الحياة بألحان وألحان .. لا يلحظ منها شدوا إلا صمت عميق ..
لم يسمع يوما تغريد بلبل .. ولاشدو طفل صغير في فناء مدرسة ..
لم يسمع يوما همسة حبّ ناعمة .. أو صرخة أسى مندفعة من حنجرة متألمة .. ولم يتكــــــلم !!!
فقد أتى الحياة ضيفا صامتا .. كي يرى ويُري الناس عجائب القدرة الإلهية في انسجام الكون ..
وكانت هي تسير قربه .. فتاة في العشرين .. أخبروني فيما بعد أنها زوجته .. جميلة كزهرة قطفت حديثا من حديقة ملكيّة .. كانت تبتسم ابتسامة تضفي على الدنيا بريقا ودفئا ..
رأيتهما يتحاوران بلغة غريبة .. من عالم آخر .. بعيد كل البعد عن صخب عالمنا .. عالم هادئ .. وحوار رائع .. لا يسمعه أحد غيرهما ..
لم يتطفل على حديثهما نداءات بائع جوال ولا صوت شاحنة عابرة تشق الطريق بضجيج مزعج ..
ولم تستطع أعين الفضوليين - أمثالي - بأن تكشف سرّ حديثهما ..
فقد كان سرّهما وحدهما .. لم يكشفاه لأحد .. رغم كثرة المتتبعين ..
كانا يتبادلان لغة الإشارة .. يسيران بهدوء ورويّة .. في شارع حفّته الأشجار تحتضن الطيور .. فأضفى جمال اللغة على جمال الطريق انسجاما وعذوبة ..
كانت الأصابع تحكي أحلاما وأمنيات .. أشواقا وذكريات .. بحديث لا ينتهي
وسعادة غامرة ليس لها حدود ..
وقد مررت بهما مرورا عابرا
إلا أنني شعرت بنفسي قد تساميت عن نفسي ..
وحلقت كطائر مهاجر إلى عالمهما ..
تأملت روعة انسجامهما .. وبهرتني نظرات الإرادة والتصميم في عينيهما ..
لم أر إعاقة أمامي ...
بل رأيت حسن تقبّل لقدر الله .. ورضى تام بقسمته .. ورأيت السعادة ترفرف حولهما .. تعلن للدنيا فتحا جديدا .. وانتصارا في معركة محتدمة مع اليأس والإحباط ..
هو .. حينما اعتبر الابتلاء نعمة إلهية .. فصبر عليه ..
ورأى في حياته الصامتة بصيص أمل .. فسار إليه .. ووصل !
وهي .. إذ علّمت نفسها لغة فريدة في مخاطبة الآخرين ..
حينما أحبته لشخصه وتغاضت عن إعاقته
أحبت روحه السّويّة .. ووهبت حياتها له .. كي تسعده ..
فسـارا معا معا كعصفورين مغرّدين .. تغريدا صامتا ..
في عالم تصخب فيه الطيور بألوان من شدو وتغريد ..
اقتربت منهما .. ألقيت عليهما تحية عابرة ..
وأرسلت في الأثير بسمات شكر وامتنان ..
لمن فهموا الحياة على وجهها الأمثل ..
وجعلوا من أحزانها منطلقا .....
لنجــــــــاحات أكبر ..
...