مناير العز

مناير العز @mnayr_alaaz

عضوة شرف في عالم حواء

أنا شيء معلق .. (قصة بقلمي)

الأدب النبطي والفصيح

بسم الله الرحمن الرحيم


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته




أنا شيء معلق و(معلّق) هنا يعني أنني ثابت في مكان لا أتغير عنه وكأنني علقت رغما عني
أيضا اكتشفت في الآونة الأخيرة أنني عالق حتى في البعد الزماني .. مهمل .. علقت في عالم النسياااانِ


أنا شيء كنتُ ذات بدءٍ في متجرٍ عام التقطتني يدٌ غليظة لتتأملني قليلا ... قلبوني ثم وضعني في عربة التسوق واستداروا بي قليلا


في المنزل كنتُ محطَّ اهتمام الجميع ... كلُ واحد ٍمنهم (الأب والأم والأطفال) يشير إلى مكان .. ضعوه هنا .. لا هنا
الأب ضعيها على الجدار بجانب المغسلة


الأم : لا لا ينفع سأضعها في الصالون أمام طاولة الطعام حتى لا نتأخر عن موعد المدرسة والدوام و مواعيد الطعام
أحد الأطفال : ماما ضعيها في غرفتنا قبالة سريري .. حتى أعرف موعد نومي
الآخر: لا قبالتي أنا


...
لا بد أنكم عرفتم انني أنثى .. وأنني أعنى بالمواعيد .. وأنني


.
.
ساعة حائط


أنا شيء كانت النظرات لا تفارقني .. فكلما نظروا إلي صرخوا
- هيا الإفطار جاهز لا تتأخروا عن المدرسة
- هيا نخرج قبل أن تحل الساعة الخامسة فقد واعدنا الناس أن نزورهم في الخامسة
وصوتٌ ناعم وعميق وحنون ينادي:
هيا يا أحبابي موعد نومكم الآن


لو كنت وجها بشريا لرأيتم ابتسامتي لتلك الجملة .. فهي تعني موعد الراحة وانتهاء الصخب في الصالون .. لن يصرخ أحدهم بعدها حتى الصباح


أنا شيء .. حاضر من البعد الزماني .. لأرتب فوضى المكان
أنا الليل الذي يكرهه الصغار لأنه يقطع وقت لعبهم ويرغمهم على النوم
أنا الموعد الذي يرمي حجرا على صفحة الماء فيصاب أهل البيت بالتوتر .. ويفزعوا إلى أعمالهم


أنا الأكثر مشاهدة ولا فخر


كانت التسعينيات هي العصر الذهبي بالنسبة لي فالحنونة الجميلة لا تنفك أن تنفض عن وجهي الغبار والأب ينظر لي باهتمامٍ شديدٍ مع قربِ وقت الصلاةِ
ومع كل دوام .. وكل ساعة خروج


أظنه ينظر في وجهي أكثر مما ينظر في وجه زوجته


والصغار .. آهٍ من حكاياهم


بدأت علاقتي معهم عندما دخل الطفل الكبير المدرسة وبدأت أمه تعلمه على قراءتي .. لا أنسى نظراته المبهمة .. التي تحاول قراءتي وكأنه يحل معادلة صعبة في الرياضيات


رسمتني أمهم على عدة لوحات وهي تحاول جاهدة أن تبين لهم ماذا تعني عقاربي؟


كنت أبتسم في كل مرة يقرأني الصغير خطأً .. كنت أحس بالغموض وأنني صعبة .. وأني عزيزة الفهم .. فلا يستطيع قراءتي غير الأذكياء الكبار


ألا ترون؟ حتى صفاتي صفات أنثوية مغرورة


أنا شيء .. أكثر شيءٍ في المنزل يشار له بالبنان


أنا أكثر شيء تُحترمُ مواعيدهُ فتُطفأُ الأنوارُ .. وتُغلق الأبواب ليلاً


وتفُتح الستائر في حضرة الساعة السادسة صباحاً


أنا شيء


عشت أجمل أيامي في التسعينيات .. كما أن أجمل أوقاتي هي التاسعة مساءا .. حيث يتهدهد إلى سمعي صوت الحكايات
حكايات قبل النوم التي ما لبثت أن انقطعت بعدما شب الصغار .. ولم تعد تستهويهم قصص أمهم جميلة بقدر ما تستهويهم قراءة القصص المكتوبة والمجلات والمسلسلات التلفزيونية


ومنذ ذلك الوقت وأنا ...


أنا شيء بدأ يفقد بريقه ... كما فقد الكبار بريق السواد في شعرهم


.
.
.
يتبع
:icon35:
23
3K

يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.

تسجيل دخول

مناير العز
مناير العز
أول مرة أحسست بالغيرة عندما أهدى الأب ابنه الكبير ساعة يد بمناسبة النجاح من المرحلة الإعدادية


لم ينفك ذلك الصبي الذي يظن نفسه كبُر عليّ أن ينظر لساعته ويتباهى بها نافضاً يده وكأنه محاضر يستعد لإلقاء محاضرته


ولم أفتأ عن التبسم ساخرةً كلما جلس بجانب أمه ليسألها إن كانت ساعته مضبوطة فتشير إلي قائلة: انظر إلى ساعة الحائط إنها مضبوطة تماماً


وقتها أحسست بالفخر والفرحة بالثقة التي توليني إياها تلك الحنونة .. آه ما أجمل الوفاء


ما زلت أنا ذلك الشيء الذي ينظر إليه الجميع صباحاً وهم على مائدة إفطارهم .. وينظرون إليه ليلاً وقد انفضوا إلى غُرف نومهم


ما زلت أنا ذلك الشيء الذي يسرق النظرات حتى من الضيوف القادمين لزيارة ٍمسائيةٍ


وما زلت أنا الساعة العاشرة التي تبكي أمامها الصغيرة قائلةً:
أتركوني أسهر معكم .. أريد مشاهدة التلفاز .. لمَ علي النوم باكراً حتى في الإجازة ؟


وما زالت الحنونة تقف أمامي بلباس سهرة جميل وكأنها تستشيرني إن كانت تستطيع الخروج .. تنظر إلي ثم تنظر إلى فستانها الأسود الملكي رغم أنها تلبس ساعة ألماس جميلة في معصمها




وما زال الأب متواصلاً معي في موعد كلِ صلاة .. وكأنه يقرأ في عقاربي موعد خطواتٍ مباركات


وتمر الأيام وكأنهن خطواتي


وتمر السنوات وكأنهن بناتي


ورغم أنه لا تبدو على وجهي آثار السنون إلا أنني ثقلت في مكاني كلما رأيت ثقل أعينهم وقلة نظراتهم إلي


.
.
.
أنا شيء معلقٌ
.
.
.
للزينة!


هذا ما اكتشفته في الآونة الأخيرة .. فما أنا برشاقة تلك الأجهزة الرنانة في أيديهم ولا بخفة دم التلفاز الذي يعرض الكارتون لأطفالهم
ولا أنا عذب الحديث كالراديو
ولا أفهم بالتواصل كجهاز الكمبيوتر الذي تحتضنه سررهم


أنا شيء معلقٌ


من الماضي وحاضرٌ في زاوية النسيان السرمدية


حتى الحنونة تقلب جوالها وتضبط المنبه وتبتسم للمحادثات فيه .. وحتى الأب يُخرج الجوال من جيبه لينظر إلى مواقيت الصلاة وإلى مواعيد الدوام والنوم وغيره


أنا الساعة الثانية عشرة هي أكبر أرقامي


فلم يعد لدي المزيد لأضيفه في الألفية الثانية بعد الميلاد غير الانتظار الممل


أنا شجرة الزمن التي طارت عنها العصافير .. في خريف عمرها البارد


أنا الساعة الثانية عشرة ليلا في شتاء عاصف


أدور حولَ نفسي كدوران الأرض حول نفسها .. وأشاهد بصمت مطبق .. لولا وقع خطوات عقاربي الذي يمزق السكون


أنا شيء ...
.
.
.
يتبع
السّفّانة
السّفّانة
يا للروعة


<< متابعة
المتفائلةT
المتفائلةT
إبداع سلمت يمناك ننتظر البقيه
مناير العز
مناير العز
السفانة & المتفائلة


شكرا لكن حبيباتي .. وإن شاء الله مجرد ألاقي وقت أنزل التتمة


مشرفات الواحة .. شكرا على التثبيت
جذور الصبر
جذور الصبر
قصة رائعة
الله يسعدك يا عسل
ننتظر باقي القصة