إبتســ ألم ــامة
انا كمان ابي قصه قصيره بس يعني يكون شوي من اللغه العاميه الي احنا متعودين عليهآ لان ابلتنا تقول ماأبي احد يطلع من النت وهي تعرف البينت الي تطلع وربي هالمعلمه مشكله اووف بس مدري شسوي..!
انا كمان ابي قصه قصيره بس يعني يكون شوي من اللغه العاميه الي احنا متعودين عليهآ لان ابلتنا تقول...
هلااآ فيكمـ ..
جبت لكمـ مجموعة قصص للتعبير ..
دعوااآتكم لي بالتوفيق والسداد ..


الهدية

تمنت لو قدمت لها هدية ما، كما تفعل كل الزميلات في فصلها، تمنت لو لفتت تنظرها إليها وسط كوم الأولاد والبنات الذين تزدحم بهم الدار.

ولكن ماذا تهدي وهي لا تملك شيئاً؟!

تذكرت أن معلمة الأشغال علمتهن يوماً صنع الأزهار من الورق المطاط وأنها كانت بارعة في ذلك، فوفرت قروشاً قليلة من مصروفها الذي تأخذه يوماً وتحرم منه أياماً لقلة ذات اليد. وعكفت على وريقاتها الملونة تصنعها خفية في اللحظات التي تهدأ فيها الدار من أوقات الظهيرة أو حتى الليل، وتتأملها. ثم تضيف إليها ورقة هنا وبرعماً صغيراً هناك حتى اكتملت بين يديها باقة حلوة، راحت ترمقها باعتزاز وتتخيل نفسها نقدّمها إلى الحبيبة هدية حب و إكبار.

في اليوم التالي عادت من المدرسة مبتهجة، وراحت تشرح لأخيها الأصغر وبانفعال حديث المعلمة عن فضل الأم وتعبها وحبها لأولادها وحدثته عن أنواع الهدايا التي قدمتها كل من زميلاتها لأمها في مناسبات عديدة مختلفة، تأثر أخوها بحماسها وتساءل: وأنت ماذا تقدمين لها؟

سرحت بنظرها لحظة ثم ابتسمت وهي تفتح حقيبتها المدرسية وتخرج بطاقة ملونة، وهمست: انظر هذه البطاقة، لقد اشتريتها اليوم.

أراد أن يلمسها، لكنها أبعدتها مسرعة وهي تقول: ستراها بعد أن أعطيها لها.

وقامت إلى غرفتها تفكر بكلمات حلوة تخطها خلف البطاقة.

في المساء زرعت البطاقة بين وريقات الباقة، وعطرت الزهرات وتأملتها للمرة الأخيرة، ثم فتحت باب غرفتها وانسلت مترددة خجلة تبحث عن أمها.

وجدتها تهم بالخروج إلى الجيران، فاستوقفتها، ومدت يدها بالباقة وقد تضرج وجهها حياء وهمست: ماما .. هذه لك.

أخذتها من يدها، تأملتها باستغراب، فأردفت الطفلة بحماس: ماما .. أنا صنعتها .. من أجلك.

ارتسمت ابتسامة ما على شفتيها، وفتحت الباب في طريقها إلى الجيران وبيدها الباقة، راقبتها بقلب واجفٍ متلهفٍ إلى كلمة حبّ رأتها تدخل هناك، في البيت المقابل وتقول لصاحبته وهي مغرقة في ضحكةٍ طويلة: انظري بالله عليك، ماذا قدمت لي ابنتي؟!

لم تنتظر طويلاً عند الباب لترى نظرات السخرية تحيط بها من العيون المطلة، وأسرعت إلى غرفتها تلقي بنفسها فوق الفراش وتخفي شهقاتها فيه، وتحس الطعنة داميةً داميةً في القلب الصغير .

.


صفعات آثمة على وجه اليتيمة شهد!!

أجمل شيء في حياة الإنسان أيام الطفولة وبراءتها وعذوبة الصدق التي تتمتع بها تلك الأيام من لعب ولهو بالغ الصفاء، ولكن إذا تهاوت هذه السعادة أدراج الرياح دون إنذار ولا إذن مسبق حيث كانت الكلمة العليا لرب العالمين الذي اختارني من دون الناس كي أقضي بقية عمري من غير حضن الحنان الذي يتمناه كل إنسان مهما بلغ عمره وهو حضن الأم الدافئ الذي ليس له بديل مهما كان. قضيت بقية حياتي من دون صدر حنون يحميني من غدر الأيام ومصاعبها. لقد ذهبت أيام السعادة من حياتي وأنا ابنة السابعة من عمري ، حينما توفيت أمي وأنا في ذلك السن الصغير الذي يحتاج إلى الرعاية والاهتمام بعناية فائقة. رحلت أمي وأنا في سن ضعيف، يحتاج إلى كل لمسة حانية تضمد الجراح إذا ألمت بي. عشت أياماً في غاية الصعوبة، وتجرعت مرارة الحرمان من بداية هذه اللحظة. راحت أمي وتركت وراءها فراغاً كبيراً من الصعب جداً أن يملأه أي إنسان بعدها .. حتى أبي الذي يحبنا ولا يحرمنا من شيء حيث إن حالته المادية متوسطة ومستورة والحمد لله وتتكون أسرتي من ستة أولاد أحتل أنا المركز الثاني بعد أختي الكبيرة، وهذا كان السبب الرئيس والدافع الذي جعل والدي يفكر في الزواج من امرأة أخرى. ولم يكن لدينا أي مانع إذا كان لراحة أبي. وفعلاً تم زواجه لتأتي زوجته إلينا وتحتل مكان أغلى وأطيب وأحن الناس إلى قلبي.

دخلت المنزل بقناع العواطف والحب والحنية لتظهر به علينا في أول أيامها، وخصوصاً أمام أبي. ولكن القناع الثاني الذي يخفي وراءه القبح بجميع ألوانه.

وأرجو أن تلتمسوا لي العذر إذا تعديت عليها بأي لفظ. برغم أن أول مرة أقول فيها هذا الكلام، وعمري ما فكرت حتى بيني وبين نفسي أن انطق بتلك الحروف التي تسيء لها، لأني أخاف الله ولا أريد أن يغضب علي. وكذلك أبي فأني أحبه جداً ولا أريده أن يزعل مني ، وهو لا يدري ما تفعله زوجته بنا. كما أنه لا يتحدث معنا أبداً في أي شيء يهمنا أو يخصنا وهذا ما جعلها تكون سيدة المنزل وتقوم بدور زوجة الأب سليطة اللسان ببراعة ومهارة بالغة. وأخذت الأيام تمر، ونزداد حرماناً ومرارة، واشتدت أكثر عندما شرفنا طفل صغير أخ لنا منها فاحتويناه وأحببناه كثيراً ومن لحظتها تم رفع شعار ((اخدم نفسك بنفسك))، فكنت أنا الضحية عن طيب خاطر من أجل إخوتي والعمل على راحتهم وتلبية رغباتهم فتركت الدراسة من نصف الدبلوم، ولم أكمل تعليمي ، وجلست في المنزل من أجل ذلك أدير شؤون المنزل من الألف إلى الياء. وكما قلت باختياري ولم يجبرني أحد على ذلك، احتويت أخواتي بالتفاهم والحب كي نعوض بعضنا عن فقدان حنان الأم وحتى أخونا الصغير منها لأنه ليس له أي ذنب. ولكن مشكلتي أصبحت أكثر عندما قررت عدم إكمال تعليمي فقد انشغل كل واحد من أخواتي في دراسته وأحلامه، وبقيت أنا وحيدة لا يهتم بي أحد إلا إذا أراد مني شيئاً. حبست همومي بين أضلعي وتركتها لرب العالمين لأنه المعين الوحيد في تلك الأمور. ولكن كلما مر الوقت تزداد الأمور تعقيداً ولا أعرف ما السبب الذي يجعل زوجة أب توجه لي الشتائم في كل وقت ومن غير داع أو سبب. أتحامل على نفسي وأدخل غرفتي وأبكي وحيدة دون أن يعلم أحد ما بداخلي من قهر وحزن كما أنه لا يوجد من يسألني عما بي ووصل الأمر بزوجة أبي أن تدعو علي بعدم الراحة وقلة الهناء، وجعلتني أموت خوفاً من تلك الدعوات التي لا أستحقها كما أنها تزعم بين أقاربنا وجميع من يعرفنا بأنني شريرة وقلبي مغلف بالسواد والحقد عليها وعلى من حولها .. ولكن يشهد الله إنني لم أفعل أي شيء تقوله عني للناس. ولكن الآن أريد أن أوضح لكم جميعاً بأنني تغلبت على جميع أهوالي وأحزاني باللجوء إلى الله عز وجل، فهو حسبي ووكيلي وأنا إلى الآن وحتى هذه اللحظة التي أكتب فيها لكم أعاني العذاب بشتى ألوانه .. ولا أعرف كيف أتصرف مع تلك الإنسانة التي لا يكفيها أنني حرمت من حنان أمي وعطفها، بل على العكس فهي تتفنن في تجريحي وإهانتي وتتلذذ في التحدث عني والتشهير بي وبسمعتي ، وكما وصل بها الأمر بأنها تتهمني بسوء أخلاقي مع إني وأقسم بالله لم أخرج من المنزل .. إلا مع جميع أخواتي أو أبي ولا نذهب إلى أي مكان إلا منزل عمي القريب من منزلنا جداً وصدقوني بأنني ليس لدي أي تفسير لما يحدث معي فأنا لم يبدر مني أي شيء ضدها وأعمل على راحتها وكل ما تطلبه وذلك فقط من أجل حبي لأبي.
ولكن يبقى اللغز الذي يبحث عن حل دائماً، والذي لا يعرف أحد سره حتى من هم خبراء في العلاقات الأسرية، وهو لماذا تكره زوجة الأب أبناء زوجها وتعاملهم بقسوة من دون أي ذنب اقترفوه؟
لقد طفح الكيل بي ولم أعد أتحمل كل ذلك .. فما الذي أستطيع فعله كي أعيش بقية حياتي حتى يأتي لي النصيب بالزواج وأخرج من هذا الجحيم
.


,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,

3 ـ فتاة في وادي الأحزان

كانت سلمى تنصت باهتمام إلى حديث أخيها أحمد الذي كان يكبرها بعدة سنوات. فقد كان عائداً لتوه من رحلته الأخيرة إلى خارج البلاد، تلك البلاد التي بدأت تجذب أنظار السياح لما يوجد فيها من مزايا عديدة هي محط آمالهم ومنتهى تطلعاتهم.

وبعفوية تامة، وبغير مبالاة، بدأ أحمد يقص على أخته أخبار مغامراته المثيرة التي كانت تبدأ مع غروب الشمس، ولا تنتهي إلا قبيل بزوغها.

واستمر أحمد يسرد أحداث رحلته، وهي في مجملها لا تتعدى مغامراته الليلية وبعض الأحداث التافهة الأخرى.

كان الامتعاض يبدو جلياً على وجه سلمى وهي تنصت لأحاديث أخيها التافهة الذي لم يكن يدرك جسامة أخطائه ولا المتاهات الكبيرة التي كان ضائعاً فيها.

وكادت سلمى أكثر من مرة أن تنفجر في وجهه لتسكته، لكنها كانت تكبت هذه الرغبة لعلمها أن لا فائدة منها لأنه رجل. وأخطاء الرجل في مجتمعها مغفورة، وفوق ذلك فهي فتاة، والفتاة لا يحق لها أن تنتقد رجلاً حتى وان كان هذا الرجل أخاها.

وقررت سلمى أن تستعين بوالديها لإصلاح ما فسد من أمر أخيها أحمد .. فقد كانت تتألم من وضعه المتردي والذي يزداد يوماً بعد يوم.

ورغم مواقفه السيئة منها، فقد كانت تتمنى له الصلاح، واغتنمت سلمى فرصة خلوها بوالديها فانطلقت تحدثهما عن أخبار أخيها، وأهمية العمل على إصلاحه لاسيما وهو الابن الأكبر الذي سيخلف والده في الإشراف على الأسرة. هذا الإشراف الذي يحتاج إلى حنكة ودراية لا يحسنهما أحمد بل ولا يقترب منهما.

وكم كانت دهشة سلمى كبيرة عندما عرفت أن والديها يعلمان كل شيء عن أخيها وأنهما تركا مسألة إصلاحه للزمن فهو – على حد قولهما- كفيل بذلك.

ورجعت سلمى إلى غرفتها، وارتمت على سريرها، وراحت تفكر فيما مر بها من أحداث ومتناقضات كان بعضها يكفي لجعلها تفقد عقلها واتزانها لولا رحمة الله.

وعادت بذاكرتها إلى الأمس البعيد تسترجع شريط الذكريات، ذكريات الطفولة وأيام الدراسة والمآسي التي مرت بها أثناء دراستها. وبعد تلك الدراسة تذكرت سلمى كيف سمعت بخبر افتتاح مدرسة ابتدائية في قريتهم من بعض صديقاتها اللواتي كن يلعبن معها، وهي في السادسة من عمرها وتلقت هذا النبأ بفرح كبير فقد كانت تود أن تبقى مع أترابها أطول فترة ممكنة والمدرسة تحقق لها هذه الرغبة التي تكمن في أعماقها.

وكما كان ألمها كبيراً عندما عرفت أن والدها يعارض إدخالها المدرسة بحجة أن الفتاة لا تستفيد من هذه الدراسة، وقد تتأثر بها بشكل معاكس، ثم ما يدريه أن بعض الناس قد يسخر منه وهم يرونه يرسل ابنته لهذه المدارس الجديدة التي كثر الحديث عنها، وتلقاها الناس ما بين مؤيد لها ومعارض.

انصرفت معظم صديقات سلمى عنها، إذ التحقن بهذه المدرسة، وبدأن أولى خطواتهن نحو التعليم.

وبكت سلمى كثيراً وهي ترى نفسها، وقد أصبحت وحيدة في منزل والديها وآلمها أن لا تجد من يؤنسها فذوى جسمها وظهر ذلك جلياً عليها.

ومضت سنتان كاملتان وسلمى تقبع في بيتها، والألم يعتصرها والحزن قد نال من جسمها الصغير.

ويحاول عمها الذي كان يسكن في العاصمة أن يقنع والدها بالتخلي عن رأيه وإدخالها المدرسة وينجح بعد جهد جهيد.

وتبدأ سلمى حياة جديدة، وتستطيع بصبرها ومثابرتها أن تجتاز مراحل التعليم الأولى وحتى الثانوية بنجاح منقطع النظير.

وفي هذه الأثناء تحدث متغيرات اجتماعية واقتصادية كبيرة في حياة مجتمعها مما حدا بوالدها وأسرتها إلى الانتقال إلى العاصمة، والانخراط في الحياة اليومية الجديدة التي تغاير حياة القرية بشكل كبير.

وأثرت الحياة الجديدة على فكر الأب وتصرفاته لاسيما وقد أصبح المال عنصراً هاماً من عناصر هذا التفكير وذلك التصرف.

وتدخل سلمى الجامعة لإكمال دراستها، وقد كانت تجد في هذه الدراسة طريقاً لإصلاح ما فسد من أوضاع بنات جنسها، كما كانت تجد فيها متنفساً لها من الضيق والعنت الذي تجده في منزل والديها.

وفي الجامعة تتعرف سلمى على العديد من زميلاتها، وتحاول إقناعهن بترتيب زيارات بينهن للتشاور في حل بعض المشكلات التي تعترضهن ولتدارس أوضاعهن بشكل عام.

لكن هذه الفكرة على أهميتها تصطدم برفض أهلهن، فمعظم الآباء أو الإخوة مشغولون بمشاكلهم الخاصة وشؤونهم الخارجية، ولا يجدون ما يدفعهم أو يشجعهم على الالتزام بأي شكل لهؤلاء الفتيات، ولو بجزء يسير من الوقت الذي يقضون معظمه في غير فائدة.

وتحاول سلمى إقناع والدها بفائدة لقائها مع زميلاتها بين وقت وآخر ولكن محاولتها تصطدم برغبات الوالد الخاصة وانصرافه لشؤونه فلا تجدي هذه المحاولة معه شيئاً.

ولم تقف المشكلة عند رفض والدها زيارتها لأولئك الصديقات، بل كانت تجد كذلك عنتاً في قضاء بعض حاجاتها الخاصة والتي لا بد منها.

وكم كان يؤلم سلمى أن تجد نظرات الشك والارتياب تلاحقها من والدها، فهو لا يثق بتصرفاتها، ولا بفكرها، ولا بمقدراتها على خوض غمار الحياة، والتعامل معها بشكل مناسب وكان يشعرها دائماً بأنها ضعيفة، وبأنها معرضة للوقوع في المصائب في كل حين، وأن صرامة رغباته عليها لصالحها لأنها لا تعرف هذا الصالح كما يعرفه هو.

وكانت تناقضات والدها تثير فيها الكثير من الدهشة والاستغراب والتساؤلات التي لا تجد لها تفسيراً في بعض الأحيان. فبينما كان والدها يمنعها من زيارة صديقاتها ويشعرها بضرورة رغباته كي لا تخطئ وكان يردد دائماً: إن العادات والتقاليد أساسية في كل خطوة نخطوها. بينما هو كذلك كانت ترى منه عجباً عندما يسافر إلى خارج البلاد. كان ينقلب إلى شخص آخر في أقواله وأفعاله. فكان يرتكب كل المنكرات على مسمع منها ومشهد دون حياء أو خجل. بل كان يتبجح أحياناً بما يفعل. وكان ينسى أنها فتاة في ريعان الشباب لها من العواطف أكثر مما له وأن الشيطان قد يؤثر عليها كما أثر عليه.

وفي تلك البلاد لم يكن يهتم بمراقبتها، بل ولا يهمه أن يسأل عنها غابت أو حضرت.

وكانت تسأله دائماً: أين العادات والتقاليد يا أبى؟ وهل ما تفعله الآن يتناسب معها؟ وكان يكفهر وجهه لهذا السؤال لأنه يدرك أنها تسخر منه لتشدقه بمثل هذا الكلام في بلاده، ونسيانه لكل أقواله عندما يكون خارجها.

ويتكرر هذا المنظر أمام سلمى في كل مرة تسافر فيها مع أسرتها، ولم تكن تملك إزاءه غير الألم والحسرة، وإطلاق بعض الصيحات الخافتة في بعض الأحيان.

وتبلغ سلمى العشرين، ويخطبها أخ لإحدى صديقاتها. وكانت تسمع من صديقتها عنه الشيء الكثير من نبل الأخلاق والتمسك بالإسلام والخلال الحميدة والصفات الحسنة.

وهفا قلبها الغض لهذا الشاب. وكانت ترى فيه منقذاً لها من الحياة البائسة التي تحياها في بيت والدها. هذه الحياة المليئة بالمتناقضات والمشاكل والمضايقات. وإذا تعلق القلب بمن يهوى صعب عليه أن يتخلص منه.

وتصاب المسكينة بخيبة أمل كبيرة عندما علمت أن والدها رفض هذا الشاب لا لشيء، إلا أن العادات والتقاليد التي يتشدق بها تعارض مثل هذا الزواج.

وتحاول سلمى عبثاً إقناع والدها بالعدول عن رأيه، فتذكره بالإسلام فلا تجدي هذه التذكرة شيئاً. كما تذكره بأنه يحطم هذه العادات كلما سافر إلى الخارج فما باله يتمسك بها الآن.

وتضيع صيحاتها في أوديته المجدية، وتعنته العفن، ورجولته الكاذبة. وتمضي الأيام بسلمى كثيبة حزينة تذرف دموع الحزن كلما تذكرت ذلك الشاب الذي سكن شغاف قلبها وكانت دائماً تتذكره، فالمحب قل أن ينسى، وكان لسان حالها يقول:
تطاول ليلى فلـم أنمـه تقلبـاً *** كأن فراشي حال من دونه الجمر
فإن تكن الأيام قد فرقـن بيننـا *** فقد بان مني في تذكـره العـذر

وكانت تردد دائماً قول القائل:
ما أقبح الناس في عيني وأسمجهم *** إذا نظرت فلم أبصرك في النـاس

وكانت تحاول دائماً أن تتلمس سلواها في استذكار دروسها، والجلوس مع زميلاتها في الكلية ولكن أني لمثلها أن يسلو؟!


وتتزوج سلمى من شخص آخر بعد أن تعرضت لضغوط رهيبة من والدها ووالدتها، وكانا يتوقعان أن ينسيها هذا الزواج ذلك الشاب الذي تعلقت به، وجعلها تعيش في عزلة تامة أثرت على صحتها وعلى فكرها، بل وعلى دراستها كذلك. وتبذل المسكينة جهوداً كبيرة للتكيف مع هذا الزوج، وتحاول أن تنسى من سكن شغاف قلبها، ويأبى الساكن الخروج.
دخولك من باب الهوى إن أردته *** يسير ولكـن الخـروج عسيـر
وكانت كلما تذكـرت صاحبهـا *** الأول تذرف عليه دموع الحزن.
أرى آثارهـم فـأذوب شـوقـاً *** وأسكب من تذكرهـم دموعـي

وتفشل المسكينة في الحياة مع زوجها، فتطلب منه الطلاق ويحصل لها ما تريد. وتعود سلمى مرة أخرى إلى بيت والدها، وكان الألم قد هدها والحزن قد أنهك جسمها فكانت كالثياب البالية أو أشد سوءاً.

وتشعر بالحنق الرهيب على والدها الذي أوصلها إلى هذه الحالة البائسة، والذي حطم أحلامها في حياة هانئة سعيدة، وعمل نافع لبنات جنسها.

ويصل عمرها إلى الثلاثين وهي المطلقة، وتعيش حياة صراع رهيبة مع نفسها بين الحلال والحرام. فهي امرأة تريد الاستقرار في حياة زوجية تختارها لنفسها. إنها تحلم بهذا الزواج، كما تحلم بأن يكون لها أطفال يملؤون عليها حياتها، كما تحلم بأن يكون لها بيت تشعر أنها صاحبته، وليست كمَّا مهملاً فيه لا يشعر أحد بوجودها.

ما بال أحلامها تتلاشى؟ ما بال أمانيها تتبخر؟ ماذا يريد منها هذا الوالد النكد؟ هل استعبدها لأنه والدها؟ هل تفعل مثله فترتكب المحرمات؟ إن دينها يمنعها من ذلك وعاطفتها ووالدها يدفعانها إليه دفعاً وتعيش المسكينة في دوامة قاسية. لماذا تقتات هذا الحزن صباحاً ومساءً؟ لماذا يفرض عليها هذا الحصار الرهيب دون مبرر؟ لماذا تدفع إلى الحرام دفعاً وهي الفتاة التي تريد أن تعف نفسها بزواج ترتضيه؟ أين هذا كله من الإسلام؟ هل كتب عليها أن تعيش ألم وحزن منذ طفولتها وحتى الآن؟ هل هذا من العادات والتقاليد أم أن هذا من الإسلام؟

ويدور رأس المسكينة من هذه الأسئلة التي لا تجد لها إجابة، لكنها تدور في رأسها كل يوم حتى جعلتها بقايا امرأة، فهل تجدون لها إجابة عندكم؟

حينما تختل مقاييس الحياة الصحيحة عند الناس تحدث الانتكاسات الفكرية والخلقية في حياتهم.

ونحن أمة مسلمة تعبدنا الله بمنهاج سليم يشمل جميع أمور حياتنا. فإذا خرجنا عن هذا المنهاج، استهوتنا الشياطين، وقذفت بنا في متاهات الحياة، وأخرجتنا إلى صبغة أخرى غير التي يريدها الله.

ومشكلة العنوسة طرأت على واقعنا عندما ابتعدنا عن النهج السليم فهل نرجع إليه لتختفي هذه المشكلة؟

.


ودمرت حياتي أمي الحبيبة

تقول ذات الخمسة والعشرين ربيعاً ً: من قال: إن ((الأم إذا أعددتها أعدت شعباً طيب الأعراق)) فأنا أكفر بهذه المقولة، واني أرى أن من قالها إما أن يكون شاعراً مجنوناً لم يذق منها المر، بل شرب العسل بكلتا يديه، أو أنه رجل يحلم أحلام اليقظة فيتخيل أن الأمهات مثاليات في تربيتهن بنسبة 100% لهذا قال ما قال. وإن كانت أقواله تلك وأشعاره مردودة عليه جملة وتفصيلاً لأن الواقع يكذبها أما حقيقتها وجوهرها فهو البهتان بعينه بل التزوير والكذب بمعانيه والتدليس إن صح كلامي هذا.

دعوني أفصل لكم ما قلت وأوجز عندما يقتضي الإيجاز وأعرج إلى الإسهاب إذا اقتضت الضرورة فقصدي وإن كنت أريد أن أشرح وأفصل قصتي ومعاناتي كاملة وشكواي بالحياة. إلا أنني أحب أن أبين للناس أنه ليس كل ما تفعله الأم صحيحاً وصواباً يصب في مصلحة الأبناء سواء كانوا من الأولاد أو البنات، بل أرى على العكس فأحياناً تدمر الأم أبناءها سواء كان ذلك بقصد أو من دون قصد. المهم أن النتيجة واحدة هي دمار وفشل على جميع الأصعدة.

لقد ولدت وإن كانت في فمي ملعقة من الذهب كما يقولون، وإن كنت من أسرة ثرية، إلا أن هذا الثراء لا يغير من الأمر شيئاً فالإفراط في تدليل الأبناء والبنات مفسدة للأخلاق ما بعدها مفسدة. ثم إن الإفراط والتدليل ليس مقصوراً على الأسرة الثرية بل حتى الأسرة الفقيرة تفرط فيها الأم بتدليل بناتها وأولادها حتى تتسبب بخسرانهم وخسرانهن. حيث أنها تقوم بكل شيء عنهم، بل وتحمل فوق ظهرها حتى مشاكلهم ومشاكلهن، وفي قرارة نفسها تقول دعوا كل شيء لي فأنا أتحمل عنكم. وهذا في تقديري هو الخطأ الفادح الذي وقعت فيه أمي وغيرها من الأمهات اللواتي لهن عندي الاحترام والتقدير، إلا أنني أختلف معهن في أسلوب تربيتهن.

فما وعيت على هذه الدنيا وبدأت أتفهم وأفهم حتى وجدت نفسي أتمتع بدلال عجيب. بل إن لي كلمة مسموعة عند والدي وإن كنت صغيرة في السن بل أن الساعة التي أبكي بها هي الساعة التي تشعر والدتي بالذات أن الدنيا إسودت في وجهها. ورغم أني كنت صغيرة كما أسلفت وعليه فلا أتذكر يوماً أني طلبت شيئاً إلا ووجدته أمامي في اليوم نفسه ومع هذا ومع كل ما جرى فإنني ألتمس لوالدتي العذر في ما تقدم منها، ولو بقدر معقول ولكن عندما كبرت كان يجب عليها أن تحملني شيئاً من المسؤولية وتتركني أعتمد على نفسي في حياتي ولو شيئاً قليلاً. ولكن والدتي هداها الله كرست حياتها لي وهذا هو الخطأ الكبير الذي دخلت هي فيه وأدخلتني معها، فلما كبرت زادت في تدليلي، وعدم تركي أعتمد على نفسي حتى في المذاكرة وحل الواجبات المنزلية. فلقد كانت تحاول أن تساعدني بها بل لم يكن لديها مانع أن تكتب عني الواجبات كلها، وليت الأمر توقف عند هذا الحد، فأنا أقسم بالله العظيم أني لو قلت لها أطعميني بيدك، لما تأخرت ولو لحظة واحدة، بل حتى لو قلت لها تعالي يا أمي وألبسيني ثيابي وملابسي لهبت وهرولت من مكانها لتفعل ذلك. فما تركت لي هذه الأم في الحياة من عمل فهي تقوم مقام يدي وقدمي فهي تدافع عني عند جميع الأهل والأقارب والأصدقاء، وتوهمهم بل وتجبرهم على الاعتقاد بأني على صواب. إلى أن تصورت وصدقت أن كل شيء أفعله هو الصواب بعينه، وأن من يخطئني ولو بأمر بسيط وصغير أنظر إليه باستغراب وباشمئزاز أحياناً، حيث كنت تلك الفتاة المدللة التي لم تتعود أن يخطئها أحد في بيتها. وهكذا نشأت على هذه التربية والطريقة التي عاملتني بها والدتي حيث ظنت أنها الطريقة المثلى في التربية، ولم تفكر يوماً أن اعتماد الأبناء والبنات على أنفسهم، هو السعادة للآباء. بل إن ثقتهم أي ((الأبناء)) في أنفسهم قمة التربية ولكن للأسف الشديد فتلك أمور لم تكن تدور في عقل والدتي لا من قريب أو من بعيد.

لقد حاولت أن أصدها وأنهاها، بل ونهيتها مرات ومرات، وأخبرتها بصريح العبارة أن طريقتها ومعاملتها لي بل وحتى تربيتها خطأ، في خطأ وأن الصواب في أن تتركني أعتمد على نفسي في حياتي كلها، وأنه ليس لها إلا النتائج. ولكنها للأسف الشديد كانت تقول: ما زلت صغيرة ويجب أن أساعدك فأنا أمك وعلى هذا الأساس لم يجد إصراري على أن تتركني وتدع حياتي شيئاً أن أقول الحقيقة فلقد كنت أشاركها بالخطأ ذلك أني لم أفكر في المستقبل، وفي الحياة العملية، ولم أتصور أني سأصل إلى طريق مسدود، وأن تربية أمي لي وإفراطها في تدليلي هو السبب بل سيكون وبالاً علي ونكسة وفشلاً. ولكن قد فات الأوان، وتغلغلت تربيتها في كياني ومشاعري ودمي، فلا أستطيع التخلص منها أو أن أفعل شيئاً حيالهما.

لقد تخطيت مرحلة الثانوية بنجاح، ودخلت الجامعة، وأنهيت دراستي منها ولم يبق إلا الوظيفة والزواج. وفعلاً وصلت الأولى وهي وظيفة مرموقة في إحدى الوزارات الحكومية. أما الثانية فقد تأخرت بسبب النصيب كما يقولون. لكني كنت واثقة أن ابن الحلال سيطرق يوماً باب بيتنا خاطباً يطلب يدي للزواج فهذه هي سنة الحياة وما على الفتاة إلا أن تصبر إلى أن يأتيها نصيبها.

لقد باشرت العمل ودخلت الوزارة ذات يوم، وأنا الفتاة الثرية المدللة، التي لم يؤنبها أو يخطئها أحد من قبل قط. وكانت بداية دوامي الساعة التاسعة صباحاً بعد بداية العمل الرسمي بساعة ونصف الساعة. فكتبوا اسمي في ورقة خارجية مع المتأخرين والمتأخرات من الموظفين والموظفات، واستدعاني في ذلك اليوم المسؤول عني ونصحني بضرورة التقيد بموعد الدوام ثم التمس لي العذر لأنها أول مرة ولكن بعد ذلك تكرر مني التأخير مرات ومرات، فلم يجد المسؤول مناصاً من كتابة تقرير عني. قال فيه: إني لا أصلح للعمل فأنا كثيرة التأخير والغياب وفوق هذا عندما يوكل لي عمل لا أنجزه وهكذا جلست في البيت وحيدة، وكانت هذه هي الضربة الأولى التي جاءتني فوق رأسي حيث كنت وكما أسلفت إنسانة مدللة لا تعبأ بشيء أبداً.

لقد هونت والدتي الأمر علي وقالت: اصبري. فصبرت ولم تمض إلا بضعة أشهر إلا وجاءني النصيب فتزوجت ودخلت القفص الذهبي كما يقولون وقد كنت أتمناه أن يكون كذلك لولا ما عودتني عليه والدتي حيث كنت إنسانة اتكالية بمعنى الكلمة لا تحسن عمل شيء ولا أقصد هنا الواجبات المنزلية فقط ، ولكن حتى الحديث. كنت أتمنى أن يتحدث عني زوجي فهل بعد هذه الاتكالية من شيء؟

أربع وعشرون شهراً مرت وزوجي يتحمل إنسانة جسمها كبير وعقلها صغير إنسانة مدللة عديمة الثقة في نفسها، اتكالية، تحاول دائماً أن تتسيد على من حولها وتأمرهم. إنسانة متسلطة على من حولها تطلب كل شيء ولا تقدم شيئاً إلى أن طفح الكيل بالزوج. فقال: لم ينفع الإمساك بمعروف فلا بأس من التسريح بإحسان. وهكذا فشلت حياتي وللمرة الثانية بسبب إفراط أمي في تدليلي.

والآن هذه هي قصتي وتلك هي رسالتي لكل أم في الخليج، وأقولها لهن بصراحة: إياكن والإفراط في تدليل بناتكن وعودنهن أن يعتمدن على أنفسهن في حياتهن، وإلا فإن الفشل سيكون من نصيبهن في الحياة. فهذه هي قصتي، فاعتبرن منها أيتها الأمهات قبل فوات الأوان. فالفشل في الحياة طعمه مر ومذاقه علقم، وقد ينتهي ويتلاشى إن حاولت المرأة ترتيب أوراقها من جديد، ولكن آثار الإفراط في التدليل من المستحيل أن تخبو جذوتها داخل القلب وتختفي وتتلاشى لأنه يسري سريان الدم في العروق.