5- براعته في تصريف القول وثروته في أفانين الكلام :
ومعنى هذا أنه يورد المعنى الواحد بألفاظ وطرق مختلفة بمقدرة فائقة خارقة تنقطع في حلبتها أنفاس الموهوبين من الفصحاء و البلغاء
مثال : تعبيره عن طلب الفعل من المخاطبين بالوجوه الآتية :
1- الإتيان بصريح مادة الأمر نحو قوله سبحانه : (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها )
2- الإخبار بأن الفعل مكتوب على المكلفين : ( كتب عليكم الصيام )
3- الإخبار عن الفعل بإنه خير : ( و يسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير )
4- وصف الفعل وصفآعنوانيآ بأنه بر : ( ولكن البر من اتقى )
5- ترتيب الوعد و الثواب على الفعل :( من ذا الذي يقرض الله قرضآ حسنآ فيضاعفه له و له أجر كريم )
6- جمع القرآن بين الإجمال و البيان :
مع أنهما غايتان متقابلتان لا يجتمعان في كلام واحد للناس !
أما القرآن فقد انخرقت له العادة وحده فتسمع الجملة فإذا هي بينة و مجملة في آن واحد .
7- قصد القرآن باللفظ مع وفائه بالمعنى
ومعنى هذا أنك تجد في كل جمل القرآن بيانآ قاصدآ مقدرآ على حاجة النفوس البشرية من الهداية الإلهية دون أن يزيد اللفظ على المعنى ، أو يقصر عن الوفاء بحاجات الخلق من هداية الخالق ، ومع هذا القصد اللفظي البريء من الإسراف و التقتير تجده قد جلى لك المعنى في صورة كاملة لاتنقص شيئآ يعتبر عنصرآ أصليآ فيها أة حلية مكملة لها ، كما أنها لا تزيد شيئآ يعتبر دخيلآ عليها أو غريبآ فيها بل هم كما قال تعالى :
( كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير )
تمت
من كتاب مناهل العرفان في علوم القرآن
مع التلخيص و التصرف
ومعنى هذا أن القرآن الكريم يخاطب العقل و القلب معآ ، ويجمع الحق و الجمال معآ ، انظر إليه وهو في معمعان الاستدلال العقلي على البعث و الإعادة في مواجهة منكريهما ، كيف يسوق استدلاله سوقآ يهز القلوب هزآ ويمتع العاطفة إمتاعآ ، بما جاء في طي هذه الأدلة المسكتة المقنعة وانظر إلى القرآن وهو يسوق قصة يوسف مثلآ ، كيف يأتي خلالها بالعظات البالغة ، ويطلع من خلالها بالبراهين الساطعة ، على وجوب الاعتصام بالعفاف و الشرف والأمانة ، إذ قال في فصل من فصول تلك الرواية الرائعة : ( وراودته التي هو بيتها عن نفسه و غلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لايفلح الظالمون )
فتأمل في هذه الآية كيف قوبلت دواعي الغواية الثلاثة بدواعي العفاف الثلاث مقابلة صورت من القصص الممتع جدالآ عنيفآ بين جند الرحمن و جند الشيطان ووضعتهما أمام العقل المنصف في كفتي الميزان !
وهكذا تجد القرآن كله مزيجآ حلوآ سائغآ ، يخفف على النفوس أن تجرع الأدلة العقلية ، و يرفه عن العقول باللفتات العاطفية ، ويوجه العقول و العواطف معآ جنبآ إلى جنب لهداية الإنسان و لخير الإنسانية !
4- جودة سبك القرآن و إحكام سرده :
معنى هذا أن القرآن بلغ من ترابط أجزائه ، وتماسك كلماته و جمله وآياته و سوره ، مبلغآ لايدانيه فيه كلام آخر ، مع طول نفسه ، وتنوع مقاصده ، وافتنانه و تلوينه في الموضوع الواحد ( قرءانآ عربيآ غير ذي عوج ) من غير تفكك ولا تخاذل ، ولا انحلال و لا تنافر بينما الموضوعات مختلفة متنوعة ..
هذه سورة الفاتحة ، تأمل كيف تترابط وتتناسق في حسن تخلص من معنى إلى معنى ، ومن مقصد إلى مقصد بطريقة سحرية قد تشعر بها أو لاتشعر هذا هو كلام مالك القوى و القدر .
قد أتابع إن لم أجد لديكم الملل