أخي الشاب:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد:
فقبيل أيام استقبلنا وإياك شهر رمضان المبارك , هذا الشهر أخي الفاضل يعني لدينا ولديك الكثير , وأنت شأنك شأن سائر المسلمين قد استبشرت بهذا الشهر الكريم ولاشك .
ويسرني أخي الفاضل في هذا الشهر الكريم أن أتوجه لك بأغلى ما أملك وأعز ما أقدم سالكاً سبيل المصارحة والحديث تحت ضوء الشمس .
إن المصارحة أخي الفاضل قد تكون مُرة الطعم لكن نتائجها محمودة , وقد ذقنا جميعاً مرارة التستر على العيوب , ولمسنا شؤم دفن الأخطاء باسم المجاملة. فآمل أن يتسع صدرك لسماع ما أقول .
ورع ولكن:
أخي الشاب: موقف نشاهده جميعاً في شهر الصيام: أن تجد شاباً معرضاً, غارقاً في وحل الشهوات , يتجرأ على الكبائر والمعاصي , ويتهاون في الطاعات الظاهرة , تجد هذا الشاب يتساءل عن قضايا دقيقة في الصيام . كأن يتوضأ فتنزل من أنفه قطرات من الدم دون قصد : فهل يؤثر هذا على الصيام أم لا ؟ مر في الشارع فدخل جوفه غبار فما الحكم ؟ وهو يسأل جاداً ولديه استعداد تام لتحمل تبعة السؤال من قضاء أو حتى كفارة . إن السؤال أخي الكريم عما يُشكل على المرء في عبادته مبدأ لا حق لأحد أن يرفضه , وإن وقوع المرء في معصية ليس مبرراً لعدم عنايته بالطاعة والسؤال عنها .
ولكن : ألا توافقني أن مثل هذا الشاب يعيش تناقضاً يصعب أن تجد تفسيراً له ؟! فلماذا يتورع هنا ويسأل ويحتاط عن أمر اشتبه عليه. بينما يرتكب عن عمد وسبق إصرار ما يعلم أنه حرام بل كبيرة من الكبائر ؟!
الانضباط العجيب:
يحتج البعض من الشباب حين تنهاه عن معصية ، أو تأمره بطاعة أنه مقتنع تمام الاقتناع لكن شهوته تغلبه وهو لا يستطيع ضبط نفسه ، وقد يبدو العذر منطقياً لدى البعض لأول وهلة . ولكن حين ترى حال مثل هذا الشاب مع الصيام ترى منطقاً آخر.
فما أن يحين أذان الفجر حتى يمسك مباشرة عن الطعام ولو كان ما بيده هي أول لقمة لأنه استيقظ متأخراً . ويبقى عنده مائدة الإفطار ولا يتجرأ على مد يده قبل أن يسمع الأذان وهو أثناء النهار مهما بلغ به العطش والجهد لا يفكر في خرق سياج الصوم واستباحة حماه ألا ترى أن هذا السلوك وهو سلوك محمود ولا شك يدل على أنه يملك القدرة على ضبط نفسه والانتصار على شهوته ؟ إن الصيام أخي الشاب يعطينا درساً أننا قادرون بمشيئة الله على ضبط أنفسنا والانتصار على شهواتنا .
هل رأيت هؤلاء؟
هل تفضلت أخي الشاب أن تأتي إلى مسجد من المساجد مما رزق الله إمامه الصوت الحسن المؤثر فرأيت ذاك الجمع من الشباب الأخيار ؟ وقد عقدوا العزم على الوقوف بين يدي الله في تلك الصلاة ولو امتدت إلى السحر ، في حين ترك غيرهم صلاة الجماعة أصلاً ؟ ولو أتيت في العشر الأواخر لم تجد إلا القليل فقد توجهوا صوب البيت العتيق يبتغون مضاعفة الأجر ، وحط الوزر . في حين ترى غيرهم يقضي ليالي رمضان فيما لا يخفى عليك . ماذا لو وجه ذاك الشاب الذي يجوب الأسواق هذا السؤال إلى نفسه : ألا أستطيع أن أكون واحداً من هؤلاء ؟ كيف نجحوا ؟ وهم يعيشون في المجتمع نفسه ولهم شهوات ، وأمامهم عوائق كما أن لي شهوات وأمامي عوائق .
ألا تطيق ما أطاقوا؟
أخي الكريم: كثير هم الشباب الذين كانوا على جادة الانحراف ، وفي طريق الغفلة يمارسون من الشهوات ما يمارسه غيرهم ثم مَنَّ الله عليهم بالهداية فتبدلت أحوالهم وتغيرت وساروا في ركاب الصالحين ومع الطائعين المخبتين . وربما كان بعضهم زميلاً لك . فكيف ينجح هؤلاء في اجتياز هذه العقبة ويفشل غيرهم ؟ ولماذا استطاعوا التوبة ولم يستطع غيرهم ؟. إن العوائق عند الكثير من الشباب عن التوية والالتزام ليس عدم الاقتناع ، بل هو الشعور بعدم القدرة على التغيير . أفلا يعتبر هذا النموذج مثلاً صالحاً له ، ودليلاً على أن عدم القدرة لا يعدو أن يكون وهماً يصطنعه .
قبل أن تذبل الزهرة:
لقد أبصرت عيناك أخي الكريم ذاك الذي احدودب ظهره ، وصارت العصا رجلاً ثالثة له وتركت السنون الطويلة آثارها على وجهه . أتراه ولد كذلك ؟ أم أنه كان يوماً من الأيام يمتلئ قوة ونشاطاً ؟ ألا تعلم أني وإياك سنصير مثله إن لم تتخطفنا المنية – وهذا أشد- وتزول هذه النضارة ، وتخبو الحيوية . فماذا أخي الكريم لو حرصنا على استثمار وقت الشباب في الطاعة قبل أن تفقده فنتمناه وهيهات .
وعن شبابه فيم أبلاه:
أخي الكريم : لا شك أنك تحفظ جيداً قوله : { لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه }.
أخي الكريم : لنفكر ملياً واقعنا الآن فهل سنجد الإجابة المقنعة ، المنجية أمام من لا تخفى عليه خافية عن هذه الفقرة { شبابه فيما أبلاه } وهل حالنا الآن مع عمر الشباب تؤهل لاجتياز هذا الامتحان . ألا ترى أن أمامنا فرصة في اغتنام الشباب والإعداد للامتحان ؟
سابع السبعة:
أخبر أنه في يوم القيامة : { يوم تدنو الشمس من الخلائق فتكون قدر ميل ، ويبلغ منهم الجهد والعرق كل مبلغ }، أنه في هذا اليوم هناك من ينعم بظل الله وتكريمه، ومنهم { شاب نشأ في طاعة الله عز وجل } فماذا يمنع أن تكون أنت واحداً من هؤلاء ؟ وما الذي يحول بينك وبين ذلك . فأعد الحسابات ، وصحح الطريق . واجعل من الشهر الكريم فرصة للوصول إلى هذه المنزلة.
ما أعظم ما تقدمه في هذا الشهر الكريم:
أخي الشاب : لا شك أنك رأيت الناس وقد تبدلت أحوالهم في هذا الشهر . فالمساجد قد امتلأت بالمصلين ، والتالين لكتاب الله . والأماكن المقدسة ازدحمت بالطائفين والعاكفين ، والأموال تتدفق في مجالات الخير . فهذا يصلي ، وهذا يتلو ، والآخر ينفق ، والرابع يدعو .
فأين موقعك بين هؤلاء جميعاً ؟ ألأم تبحث لك عن موقع داخل هذه الخارطة . أليس أفضل عمل تقدمه ، وخير إنجاز تحققه التوبة النصوح وإعلان السير مع قافلة الأخيار . قبل أن يفاجئك هادم اللذات فتودع الدنيا إلى غير رجعة . فهل جعلت هذا الهدف نصب عينيك في رمضان وأنت قادر على ذلك بمشيئة الله ؟
التوبة والموعد الموهوم:
كثير من الشباب يقتنع من خطأ طريقه ، ويتمنى التغيير ، ولكنه ينتظر المناسبة ألا وهي أن يموت قريب له ، أو يصاب هو بحادث فيتعظ ، ويهزه الموقف فيدعوه للتوبة ، ولكن ماذا لو كان هو الميت فاتعظ به غيره ؟ وكان هذا الحادث الذي ينتظره فعلاً لكن صارت فيه نهايته ؟ ليس أخي الشاب للإنسان في الدنيا إلا فرصة واحدة فالأمر لا يحتمل المخاطرة.
فهلا قررنا التوبة اللحظة وسلوك طريق الاستقامة الآن؟
إن القرار قد يكون صعباً على النفس وثقيلاً ، ويتطلب تبعات وتضحيات لكن العقبى حميدة والثمرة يانعة بمشيئة الله.
موقف العبد بين يدي الله
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
للعبد بين يدي الله موقفان: 1- موقف بين يديه في الصلاة. 2- وموقف بين يديه يوم لقائه.
فمن قام بحق الموقف الأول هون عليه الموقف الاخر، ومن استهان بهذا الموقف و لم يوفه حقه شدّد عليه ذلك الموقف، قال تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً ، إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً .
فإليك أخي المسلم هذه النبذة المختصرة والتي تتعلق بقيام ليالي رمضان، جمعتها من كتب أهل العلم مبتغياَ بها وجه الله عز وجل والدار الآخرة، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، واليه أنيب.
فضل قيام ليالي رمضان
قيام الليل سنة مستحبة، وهو من خصائص المتقين، قال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ، آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ، كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ .
وقال النبى : { إن في الجنة غرفاَ يرى ظاهرها من باطنها و باطنها من ظاهرها، أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، و أدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام } .
ويتأكد استحبابه في رمضان، فعن أبي هريرة قال: كان رسول الله يرغب في قيام رمضان، فيقول: { من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه } .
هدي رسول الله في قيام الليل
سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن صلاته في رمضان، فقالت: { ما كان رسول الله يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاًً } . و قال : { الوتر حق، فمن شاء فليوتر بخمس، ومن شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة } .
القراءة فيه
لم يحد النبي في القراءة حداً لا يتعداه بزيادة أو نقص، بل كانت قراءته تختلف قصرا وطولاً، فكان تارة يقرأ في كل ركعة قدر يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ وتارة قدر خمسين آية، وكان يقول:{ من صلى في ليلة بمائة آية لم يكتب من الغافلين } . وقرأ ليلة بالسبع الطوال .
وعلى ذلك فإن صلى القائم لنفسه فليطول ما شاء، وكذلك إذا كان معه من يوافقه. وإذا صلى إماماً فعليه أن يطيل بما لا يشق على المأمومين لقول النبي : { إذا قام أحدكم للناس فليخفف الصلاة، فانّ فيهم الصغير والكبير، وفيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة، وإذا قام وحده فليطول صلاته ما شاء } .
مشروعية الجماعة في قيام رمضان
عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى ذات ليلة في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة، أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله ، فلما أصبح قال: { قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرش عليكم } وذلك في رمضان .
وعن عبد الرحمن بن عبد القارئ أنه قال: خرجت مع عمر ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعمت البدعة هذه! والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون- يريد آخر الليل- وكان الناس يقومون أوله. .
وقت القيام
وقت قيام الليل من بعد العشاء إلى الفجر، لقوله :{ إن الله زادكم صلاة وهي الوتر، فصلوها بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر } .
الكيفيات التي تصلى بها صلاة الليل
أ- يصلى ثلاث عشرة ركعة، من ثمانية يسلم بين كل ركعتين، ثم يوتر بخمس لا يجلس ولا يسلم إلا من الخامسة. والحديث في.
ب- إحدى عشرة ركعة: يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة. .
ج- إحدى عشرة ركعة: منها ثماني ركعات لا يقعد فيها إلا في الثامنة، يتشهد ويصلي على النبي ، ثم يقوم ولا يسلم، ثم يوتر بركعة ثم يسلم، فهذه تسع ثم يصلى ركعتين وهو جالس .
القراءة في وتر الثلاث
من السنة أن يقرأ في الركعة الأولى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ، وفي الثانية: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ، وفي الثالثة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، ويضيف إليها أحياناً المعوذتين، ويقول بعد التسليم: ( سبحان الملك القدوس ثلاثاً ) ويرفع بها في الثالثة. .
القنوت و موضعه
القنوت في الوتر مستحب، وليس بواجب، القنوت يكون في الركعة الأخيرة بعد القراءة، وقبل الركوع، وهذا الثابت من فعله صلوات الله وسلامه عليه غالباً، وكان أحياناً يقنت في الوتر بعد الركوع والله أعلم.
صفة دعاء القنوت
يدعو المصلي بهذا الدعاء: ( اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت فانك تقضي ولا يقضى عليك، وانه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت ). .
كما يشرع الزيادة في دعاء القنوت في النصف من رمضان بما ثبت في الأثر عن عبد الرحمن بن عبد القارئ: وكانوا يلعنون الكفرة في النصف الثاني من رمضان بقولهم:
( اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك، وخالف بين كلمتهم، وألق في قلوبهم الرعب، وألق عليهم رجزك وعذابك، إله الحق).
ثم يصلي على النبي ، ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير، ثم يستغفر للمؤمنين. قال: كان يقول إذا فرغ من لعنة الكفرة وصلاته على النبي ، واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات، ومسألته. قال:
(اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، واليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ربنا، ونخاف عذابك الجد، إن عذابك لمن عاديت ملحق)، ثم يكبر ويهوي ساجد. .
مسألة
هل لقيام الليل في رمضان وغيره حد محدود؟
قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى: ( ليس في قيام رمضان حد محدود، لأن النبي لم يوقت لأمته في ذلك شيئاَ، وانما حثهم على قيام رمضان، ولم يحدد ذلك بركعات معدودة، ولما سئل عليه الصلاة والسلام عن قيام الليل قال: { صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة } ، فدل ذلك على التوسعة في هذا الأمر، فمن أحب أن يصل عشرين ركعة ويوتر بثلاث فلا بأس، ومن أحب أن يصلى عشر ركعات ويوتر بثلاث فلا بأس، ومن زاد أو نقص فلا حرج عليه، والأفضل ما كان النبي يفعله غالباَ، لما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة.
وعلى هذا فالأمر في صلاة الليل موسع فيه بحمد الله، وليس فيها حد محدود، وهو من فضل الله ورحمته وتيسيره على عباده، وهذا يعم رمضان وغيره). انتهى بتصرف .
نسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبل قيامنا إنه سميع قريب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
للعبد بين يدي الله موقفان: 1- موقف بين يديه في الصلاة. 2- وموقف بين يديه يوم لقائه.
فمن قام بحق الموقف الأول هون عليه الموقف الاخر، ومن استهان بهذا الموقف و لم يوفه حقه شدّد عليه ذلك الموقف، قال تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً ، إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً .
فإليك أخي المسلم هذه النبذة المختصرة والتي تتعلق بقيام ليالي رمضان، جمعتها من كتب أهل العلم مبتغياَ بها وجه الله عز وجل والدار الآخرة، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، واليه أنيب.
فضل قيام ليالي رمضان
قيام الليل سنة مستحبة، وهو من خصائص المتقين، قال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ، آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ، كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ .
وقال النبى : { إن في الجنة غرفاَ يرى ظاهرها من باطنها و باطنها من ظاهرها، أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، و أدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام } .
ويتأكد استحبابه في رمضان، فعن أبي هريرة قال: كان رسول الله يرغب في قيام رمضان، فيقول: { من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه } .
هدي رسول الله في قيام الليل
سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن صلاته في رمضان، فقالت: { ما كان رسول الله يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاًً } . و قال : { الوتر حق، فمن شاء فليوتر بخمس، ومن شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة } .
القراءة فيه
لم يحد النبي في القراءة حداً لا يتعداه بزيادة أو نقص، بل كانت قراءته تختلف قصرا وطولاً، فكان تارة يقرأ في كل ركعة قدر يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ وتارة قدر خمسين آية، وكان يقول:{ من صلى في ليلة بمائة آية لم يكتب من الغافلين } . وقرأ ليلة بالسبع الطوال .
وعلى ذلك فإن صلى القائم لنفسه فليطول ما شاء، وكذلك إذا كان معه من يوافقه. وإذا صلى إماماً فعليه أن يطيل بما لا يشق على المأمومين لقول النبي : { إذا قام أحدكم للناس فليخفف الصلاة، فانّ فيهم الصغير والكبير، وفيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة، وإذا قام وحده فليطول صلاته ما شاء } .
مشروعية الجماعة في قيام رمضان
عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى ذات ليلة في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة، أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله ، فلما أصبح قال: { قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرش عليكم } وذلك في رمضان .
وعن عبد الرحمن بن عبد القارئ أنه قال: خرجت مع عمر ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعمت البدعة هذه! والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون- يريد آخر الليل- وكان الناس يقومون أوله. .
وقت القيام
وقت قيام الليل من بعد العشاء إلى الفجر، لقوله :{ إن الله زادكم صلاة وهي الوتر، فصلوها بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر } .
الكيفيات التي تصلى بها صلاة الليل
أ- يصلى ثلاث عشرة ركعة، من ثمانية يسلم بين كل ركعتين، ثم يوتر بخمس لا يجلس ولا يسلم إلا من الخامسة. والحديث في.
ب- إحدى عشرة ركعة: يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة. .
ج- إحدى عشرة ركعة: منها ثماني ركعات لا يقعد فيها إلا في الثامنة، يتشهد ويصلي على النبي ، ثم يقوم ولا يسلم، ثم يوتر بركعة ثم يسلم، فهذه تسع ثم يصلى ركعتين وهو جالس .
القراءة في وتر الثلاث
من السنة أن يقرأ في الركعة الأولى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ، وفي الثانية: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ، وفي الثالثة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، ويضيف إليها أحياناً المعوذتين، ويقول بعد التسليم: ( سبحان الملك القدوس ثلاثاً ) ويرفع بها في الثالثة. .
القنوت و موضعه
القنوت في الوتر مستحب، وليس بواجب، القنوت يكون في الركعة الأخيرة بعد القراءة، وقبل الركوع، وهذا الثابت من فعله صلوات الله وسلامه عليه غالباً، وكان أحياناً يقنت في الوتر بعد الركوع والله أعلم.
صفة دعاء القنوت
يدعو المصلي بهذا الدعاء: ( اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت فانك تقضي ولا يقضى عليك، وانه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت ). .
كما يشرع الزيادة في دعاء القنوت في النصف من رمضان بما ثبت في الأثر عن عبد الرحمن بن عبد القارئ: وكانوا يلعنون الكفرة في النصف الثاني من رمضان بقولهم:
( اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك، وخالف بين كلمتهم، وألق في قلوبهم الرعب، وألق عليهم رجزك وعذابك، إله الحق).
ثم يصلي على النبي ، ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير، ثم يستغفر للمؤمنين. قال: كان يقول إذا فرغ من لعنة الكفرة وصلاته على النبي ، واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات، ومسألته. قال:
(اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، واليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ربنا، ونخاف عذابك الجد، إن عذابك لمن عاديت ملحق)، ثم يكبر ويهوي ساجد. .
مسألة
هل لقيام الليل في رمضان وغيره حد محدود؟
قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى: ( ليس في قيام رمضان حد محدود، لأن النبي لم يوقت لأمته في ذلك شيئاَ، وانما حثهم على قيام رمضان، ولم يحدد ذلك بركعات معدودة، ولما سئل عليه الصلاة والسلام عن قيام الليل قال: { صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة } ، فدل ذلك على التوسعة في هذا الأمر، فمن أحب أن يصل عشرين ركعة ويوتر بثلاث فلا بأس، ومن أحب أن يصلى عشر ركعات ويوتر بثلاث فلا بأس، ومن زاد أو نقص فلا حرج عليه، والأفضل ما كان النبي يفعله غالباَ، لما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة.
وعلى هذا فالأمر في صلاة الليل موسع فيه بحمد الله، وليس فيها حد محدود، وهو من فضل الله ورحمته وتيسيره على عباده، وهذا يعم رمضان وغيره). انتهى بتصرف .
نسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبل قيامنا إنه سميع قريب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
بارك الله فيك اخي الفاضل * علم ودعوة وجهاد*
وكثر من امثالك وبلغك وايانا شهر رمضان واعاننا على صيامه وقيامه
وكثر من امثالك وبلغك وايانا شهر رمضان واعاننا على صيامه وقيامه
الصفحة الأخيرة
ففي رمضان يقبل كثير من الناس على كتاب الله تعالى قراءة وحفظاً، وأحياناً تفسيراً وتدبراً، وما ذاك إلا لأن رمضان موسم للخيرات، تتنوع فيه الطاعات، وينشط فيه العباد بعد أن سلسلت الشياطين، وفتحت أبواب الجنان، وغلقت أبواب النيران.
ورمضان هو الشهر الذي أنزل فيه القرآن، شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ، وكان جبريل يدارس فيه رسول الله القرآن، فالحديث عن القرآن في رمضان، له مناسبته وله خصوصيته لا سيما مع إقبال الناس عليه.
من فضائل القرآن
1 - أنه هدى: وصف هذا القرآن بأنه هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ أي: يهتدون بآياته ومعانيه؛ حتى يخرجهم من ظلمات الشرك والجهل والذنوب إلى نور التوحيد والعلم والطاعة. يهتدون به فيما يعود عليهم بالصلاح في دنياهم وأخراهم كما قال الله سبحانه: إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً .
2 - أن عِبره أعظم العبر، ومواعظه أبلغ المواعظ، وقصصه أحسن القصص: كما في قول الله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ .
3 - أنه شفاء: كما في قوله سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ .
شفاء للصدور من الشبه والشكوك والريب والأمراض التي تفتك بالقلوب والأبدان؛ ولكن هذا الشفاء لا ينتفع به إلا المؤمنين كما في قول الله تعالى: وَنُنَزلُ منَ القُرآن مًا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحمَةٌ لِلمُؤمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَلِمِينَ إلا خَساراً ، وقال تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء .
4 - أنه حسم أكثر الخلاف بين اليهود والنصارى في كثير من مسائلهم وتاريخهم وأخبارهم: كاختلافهم في عيسى وأمه عليهما السلام، واختلافهم في كثير من أنبيائهم، قال الله تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ . فأهل الكتاب لو كانوا يعقلون لأخذوا تاريخهم وأخبار سابقيهم من هذا الكتاب الذي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ .
لكن كيف يفعل ذلك أهل الكتاب، وكثير من المؤمنين قد زهدوا في كتابهم، وتبعوا اليهود والنصارى حذو القذة بالقذة؟!
فالمؤمن بهذا الكتاب يمتلك من أخبار الصدق ما لا يمتلك اليهود والنصارى عن دينهم الذي زورت كثير من حقائقه وأخباره على أيدي أحبار السوء، ورهبان الكذب.
5 - أن القرآن العظيم حوى كثيراً من علوم الدنيا تصريحاً، أو تلميحاً، أو إشارة، أو إيماء: ولا يزال البحث العلمي في علوم الإنسان، والحيوان، والنبات والثمار، والأرض، والبحار، والفضاء، والأفلاك، والظواهر الكونية والأرضية يتوصل إلى معلومات حديثة مهمة، ذكرها القرآن قبل قرون طويلة؛ مما جعل كثيراً من الباحثين الكفار يؤمنون ويهتدون. وقد قال الله تعالى: وَنَزَلنَا عَلَيكَ الكِتَابَ تِبيَاناً لِكُلِ شَىٍء وقال سبحانه: مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ . فكل ما يحتاج إليه البشر لإصلاح حالهم ومعادهم موجود في القرآن كما دلت على ذلك هاتان الآيتان. ولا يعني ذلك الاكتفاء به عن السنة النبوية؛ لأن من اتبع القرآن، وعمل بما فيه لابد أن يأخذ السنة ويعمل بما فيها؛ ذلك أن القرآن أحال على السنة في كثير من المواضع كما في قول الله تعالى: وَمَا آتاكُمُ الرسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فانتهُوا وقوله سبحانه: مَن يُطِعِ الرَسولَ فقَد أطاعَ اللّهَ وبين سبحانه وتعالى أن من أحبه فلا بد أن يتبع رسوله كما في قوله سبحانه: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ واتباع الرسول متمثل في الأخذ بسنته، والعمل بما فيها.
6 - يتميز القرآن بميزة تظهر لكل أحد وهي: سهولة لفظه، ووضوحُ معناه: كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ .
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ( أي سهّلنا لفظه، ويسَّرنا معناه لمن أراد؛ ليتذكر الناس ) . وقال مجاهد: ( هوَّنا قراءته ) ، وقال السدي: ( يسَّرنا تلاوته على الألسن ) ، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: ( لولا أن الله يسَّره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله عز وجل ) .
وقال الله سبحانه وتعالى: فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً .
وهذه آية من أعظم الآيات، ودليل من أوضح الأدلة على عظمة هذا القرآن وإعجازه؛ فحفظه وإتقانه أيسر وأهون من سائر الكلام. وقراءته ميسرة؛ حتى إن بعض الأعاجم ليستطيع قراءته وهو لا يعرف من العربية سواه، وحتى إن كثيراً من الأُميين لا يستطيع أن يقرأ غيره.
وأما المعنى: فتجد أن كلاً من الناس يأخذ منه حسب فهمه وادراكه؛ فالعامي يفهمه إجمالاً، وطالب العلم يأخذ منه على قدر علمه، والعالم البحر يغوص في معانيه التي لا تنتهي؛ حتى يستخرج منه علوماً وفوائد ربما أمضى عمره في سورة أو آيه واحدة ولم ينته من فوائدها ومعانيها.
قيل إن شيخ الإسلام أبا إسماعيل الهروي رحمه الله تعالى عقد على تفسير قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ثلاثمئة وستين مجلساً .
وتصانيف العلماء في سورة أو آية واحدة كثيرة ومشهورة؛ وما ذاك إلا لغزارة المعاني والعلوم التي حواها هذا الكتاب العظيم.
لماذا أنزل القرآن؟
المقصود الأعظم من إنزاله: فهم معانيه، وتدبر آياته، ثم العمل بما فيه كما قال الله تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ وقال تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا وقال سبحانه: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراًً وقال تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ، وكلما كثر تدبر العبد لآياته عظم انتفاعه به، وزاد خشوعه وإيمانه.
ولذا كان النبي أخشع الناس وأخشاهم وأتقاهم؛ لأنه أكثرهم تدبراً لكلام الله تعالى. قال ابن مسعود رضي الله عنه: ( قال لي رسول الله : { اقرأ عليّ القرآن } فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل، قال: { إني أشتهي أن أسمعه من غيري }، قال: فقرأت النساء، حتى إذا بلغت فَكَيفَ إذَا جِئنَا مِن كُلِ أُمَةِ بِشَهِيدِ وَجِئنَا بِك عَلَى هَاؤُلآءِ شَهِيداً رفعت رأسي، أو غمزني رجل إلى جنبي فرفعت رأسي، فرأيت دموعه تسيل ) .
ولا شك في أن تدبر القرآن والانتفاع به يقود إلى الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، يقول الحسن رحمه الله: ( يا ابن آدم، والله إن قرأت القرآن ثم آمنت به ليطولن في الدنيا حُزنك، وليشتدن في الدنيا خوفك، وليكثرن في الدنيا بكاؤك ) .
كم اهتدى بهذا القرآن من أناس كانوا من الأشقياء؟ نقلهم القرآن من الشقاء إلى السعادة، ومن الضلال إلى الهدى، ومن النار إلى الجنة.
قوم ناوؤوا رسول الله ، وناصبوه العداء، وأعلنوا حربه؛ سمعوا هذا القرآن فما لبثوا إلا يسيراً حتى دخلوا في دين الله أفواجاً، ثم من أتى بعدهم كان فيهم من كان كذلك، وأخبارهم في ذلك كثيرة مشهورة.
ولعل من عجائب ما يذكر في هذا الشأن: قصة توبة الإمام القدوة الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى؛ إذ كان شاطراً يقطع الطريق، وكان سببُ توبته أنه عشق جارية، فبينا هو يرتقي الجدران إليها؛ إذ سمع تالياً يتلو قول الله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ فلما سمعها، قال: بلى يا رب ! قد آن، فرجع، فآواه الليل إلى خربة، فإذا فيها سابلة - أي قافلة - فقال بعضهم: نرحل، وقال بعضهم: حتى نصبح؛ فإن فضيلاً على الطريق يقطع علينا، قال: ففكرت، وقلت: ( أنا أسعى باليل في المعاصي، وقوم من المسلمين ها هنا يخافونني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع، اللهم إني تبت إليك، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام ) .
فرحم الله الفضيل بن عياض، قادته آية من كتاب الله تعالى إلى طريق الرشاد فكان من العباد المتألهين، ومن العلماء العاملين، فهل نتأثر بالقرآن ونحن نقرؤه ونسمعه بكثرةٍ في هذه الأيام؟!
هل ينتفع أهل الكفر والعصيان بالقرآن؟
الكفار لا ينتفعون بالقرآن بسبب إعراضهم عنه، وتكذيبهم له.
وأما أهلُ المعاصي والفجور فهم أقلُ انتفاعاً به بسبب هجرانهم له، وانكبابهم على شهواتهم، قال الله تعالى: وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً (45) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً . هذا حال الكفار والمنافقين قد حجبوا عن الإنتفاع به.
أما أهلُ المعاصي فقد اكتفوا بغيره بديلاً عنه حتى هجروه؛ لذا عظمت شكاية الرسول إلى الله تعالى منهم كما في قول الله سبحانه: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ذكر ابن كثير رحمه الله: ( أنهم عدلوا عنه من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره ) .
وكم من أناس في هذا الزمن ولعوا بالغناء والمعازف حتى لا تفارق أسماعهم! وهجروا كلام الله حتى لا يطيقون سماعه، ولا تجتمع محبة القرآن ومحبة الغناء في قلب واحد.
بيوت يُحيى ليلها، ويقضى نهارها في سماع الغناء والمعازف؛ حتى إن أصواتها لتنبعث من وراء الجدران؛ مبالغة في الجهر والعصيان.
بيوت خلت من ذكر الرحمن، وعلا ضجيجها بمزمار الشيطان؛ حتى انتشرت الشياطين في أرجائها وأركانها، وجالت في قلوب أصحابها؛ فحرفتهم عن سبيل الهدى والرشاد إلى سبيل الغي والفساد، فكثرت فيهم الأمراض النفسية، والإنفعالات العصبية، والأحلام المزعجة فكانوا كمن قال الله تعالى فيهم: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ .
ويخشى على من كان كذلك أن يختم له بالسوء، وأن ينعقد لسانه حال إحتضاره عن شهادة الحق، وقد اشتهرت حوادث كثيرة في ذلك.
وما راجت سوق الغناء والمعازف، وكثر المغنون والمغنيات إلا بسبب كثرة السامعين والسامعات فلا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
أما أهل الإيمان والقرآن ففرحهم بلقاء ربهم لا يوصف؛ عظموا كتاب الله عز وجل فرزقهم الله حسن الختام، وأكثروا قراءته وتدبره والعمل به؛ فاستقبلتهم الملائكة في مواكب مهيبة، تبشرهم بالرضى والجنان، فشوهدوا حال إحتضارهم وهم في أمن وطمأنينة.
هذا الإمام المقرىء المحدثُ الفقيهُ أبو بكر بن عياش رحمه الله تعالى لما حضرته الوفاة بكت أخته ! فقال لها: ( ما يبكيك؟ انظري إلى تلك الزاوية فقد ختم أخوك فيها ثمانية عشر ألف ختمة ) .
فهل يستوي هذا مع من سمع آلاف الأغاني، وقضى آلاف الساعات في العصيان؟ كلا والله لا يستويان.
ومما يؤسف له أن يربى الأولاد الصغار على الأغاني والمعازف، ويفاخر بهم في هذا الشأن كما يفاخر أهل القرآن بأولادهم في حفظ القرآن!! وتلك مصيبة أن يربى أهل القرآن على مزمار الشيطان، وكان الأولى؛ بل الواجب أن يربوا على كلام الله تعالى. ورمضان أنزل فيه القرآن، وهو فرصة لإحياء مساجدنا وبيوتنا بكلام الله تعالى، لا سيما مع إقبال الناس على القرآن.
وينبغي للصائمين ألا يذروا في بيوتهم شيئاً يزاحم القرآن، لا سيما إذا كان يعارضه ويناقضه، كما هو الحال في كثير من البرامج الفضائية والتلفازية التي ينشط أهل الشر في عرضها وتزيينها في رمضان؛ بقصد جذب المشاهدين إلى قنواتهم، والتي لا تزال تزاحم القرآن والذكر وسائر العبادات في هذا الشهر العظيم.
أسأل الله الغفور الرحيم أن يتغمدنا برحمته، وأن يصلح سرنا وعلانيتنا، وأن يجعلنا من عباده المقبولين، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.