_الأمنية الأخيرة_
جلجل صوت آذان زوجها الذي لتوه خرج من عندها إلى المسجد بعد نقاش حاد لم يكن الأول من نوعه . التقطت هاتفها النقال واتصلت بابنتها لكنها لم تجب , خافت كثيرا وشعرت بأن هناك شيئا ما يحدث .
" يا رب سترك , يا رب يا كريم أحفظ أمي وألطف بحالها " أطلقت هذه الدعوات وهي تعاود الاتصال بابنتها وفي هذه المرة أجيب اتصالها لكن ليس بصوت ابنتها . كانت تسمع أصوات عدة ومن بينها صوت ابنتها وهي تصرخ " جدتي , ما بكِ يا جدتي " سمعت صخب الأطباء والممرضين وأحدهم يقول : " أحضروا جهاز قياس النبض بسرعة "
كان أحدهم قد ضغط زر الاستجابة في جهاز ابنتها وتركه . بدأت عيناها تنهمر بالدموع وعلمت يقينا أن مكروها ما حدث لأمها وأنه وعلى الأرجح قد اقترب موت أمنيتها الأخيرة . أمنيتها الأخيرة التي كانت قبل دقائق تحدث بها زوجها . كانت مريم تتوسل إلى زوجها أن يتركها ترافق أمها المصابة بالسرطان منذ أشهر حتى لا تموت الأم في المستشفى إلا وابنتها الوحيدة بجانبها . كعادته زوج مريم في كل مرة يُفتح فيها النقاش يقول بأنه هو وأولاده أولى بها . كانت تردد عليه في كل مرة , أنها وحيدة أمها وأن أمها لم يبق لها سوى أياماً معدودة فقد اشتد بها المرض وأنها طلبت منها في إحدى الزيارات أن لا تتركها , ثم تراجعت لأنها تعلم أن الأمر ليس بيد ابنتها , فقالت لها : " لا يا ابنتي زوجك وأولادك أكثر حاجة لكٍ مني "
كانت مريم تحاول أن تُقنع زوجها في كل مرة بأن أم محمد زوجته الأولى قد أخبرتها بأنها مستعدة أن تنوب عنها فترة غيابها مع أمها . " أرجوك يا أبا محمد أمنيتي الأخيرة مع أمي أن أيمنها وأذكرها الشهادة " .. لكن لا جدوى من النقاش في كل مرة , لذلك فقد قررت ابنتها الكبيرة بموافقة من زوجها الطيب أن تُرافق جدتها بدلا عن أمها . وهاهي الآن تصرخ لاحتضار جدتها وأمها تستمع لكل شيء يدور من خلال الهاتف .
كان صوت أبي محمد يعلو " أشهد أن محمدا رسول الله " , والأنفاس هناك تزداد ضيقا , وصرخات الفتاة على جدتها ترتفع .
انهمرت دموع مريم , علت الأصوات وكانت كثيرة ومختلطة , سمعت " ضعوا الأكسجين " " بسرعة إلى غرفة الإنعاش " وعبارات أخرى كثيرة , ولازال صوت أبي محمد " أشهد أن محمدا رسول الله "
كان يرددها عند كل صلاة فهو مؤذن الحي , لكن يبدو أنه نسي أن من يشهد أنه رسول الله قد قال : ((خيركم خيركم لأهله , وأنا خيركم لأهلي)).
ارتفعت الأصوات أكثر , ووصلت الروح الحلقوم . أدرك جميع من في الغرفة الأمر , فبدأوا يرددون : " شهدوها , وجهوها إلى القبلة , يمنوها " وصراخ ابنتها يزداد , وصوت آذان أبي محمد يعم الفضاء ويعتلي في الآفاق .
فجأة هدأت الأصوات , لم تعد تسمع سوى " إنا لله وإنا إليه راجعون , رحمها الله , اصبري واحتسبي يا أختي " حتى ابنتها لم تعد تسمع منها سوى نحيب فقط , وسكـــت أبو محمد .
علمت مريم حينها أن أمنيتها الأخيرة مع أمها مــــــاتـــــت
بقلمي ســـــارة العبدالله