أوراق الزمن

أوراق الزمن @aorak_alzmn

عضوة شرف بعالم حواء

الإبداع الرباني في الجسم الإنساني

الصحة واللياقة •

جسم الإنسان؛ تلك الآلة العجيبة، هو أشبه بكتلة من المعجزات و الآيات الكونية، دالاً على يداً خالقةً ‏وراء كل ذلك... ‏
تستوقفنا في جسم الإنسان تأملات لا حصر لــهـا: أحببت أن أقتبس منها بعضها، مما يثير الدهشة و ‏يستثير الفضول لمعرفة المزيد… ‏
‏ ‏
يظن كثير من الناس أن الجهاز الهضمي عند ابن آدم يخضع لقانون الجاذبية الأرضية، غير أن الحقيقة ‏العلمية تحدثنا بغير ذلك، فالواقع أن المريء مجهز بعضلات مقوية عجيبة، تستطيع أن تدفع اللقمة ‏الطعامية باتجاه المعدة، حتى ولو كان الرجل مقلوباً، فلا يكون بذلك للجاذبية إلا تأثير بسيط لا يكاد يذكر ‏‏… ‏
‏ ‏
‏ نتوقف في المعدة ( بيت الداء )، إذ كثيراً ما يتهم الناس المعدة بأنها بيت الداء، غير أنه في ‏اعتقادي أن من الأصح القول بأن الطعام المدسم الكثير هو بيت الداء، فقد ثبت أن معظم الجراثيم ‏ومعظم الكائنات الممرضة كالكوليرا و الزحار (أو ما يسمى بجراثيم الشيغلَّا) وغيرها تموت في الحموضة ‏العالية، و معلوم أن السائل المعدي هو أكثر سوائل الجسم حموضة، إذ تبلغ درجة حموضته ( ‏pH‏ ‏‏)حواليpH=‎‏2,2 و هذا هو السبب في أن معظم الجراثيم لا تستطيع تجاوز المعدة إلى الأمعاء ( حيث ‏تتكاثر الجراثيم و تسبب الأمراض ) إلا إذا كانت كمية الطعام كبيرة و دسمة و غنية بالجراثيم، أو كان هذا ‏الطعام من النوع الذي لا يتوقف في المعدة طويلاً، كأن يكون وجبة غنية بالسكر و الدسم و السوائل، ‏ذلك أن المعدة لا تهضم إلا جزءاً يسيراً من البروتينات على عكس ما يعتقده الناس، على أن يضاف شرط ‏كثرة الجراثيم وتوفرها بكميات كبيرة إلى مثل هذا النوع من الغذاء. ‏
‏ ‏
‏* و إذا ما وصلنا إلى أمعاء الإنسان نجدها مصنعاً هائلاً مثيراً، تنتشر فيه قوات الأمن في كل مكان، حتى ‏لا يستطيع أحد من الغزاة أن يفلت من بين أيديها إلا في أحوال نادرة، و إذا ما حدث ذلك، فإنه المرض، ‏ومن عجيب تلك الحراسة المشددة أن الجراثيم المطاعمة" التي تتعايش مع الإنسان فيفيد منها وتفيد ‏منه" الموجودة في أمعاء الإنسان خاصة الغليظة منها، وهي ما يسمى علمياً بالفلورا المعوية ((‏Flura‏ ‏‏)), هي نفسها أداة للحراسة، فعدا عن فوائدها في اصطناع بعض الفيتامينات الضرورية جداً للإنسان ‏كفيتامينK‏ وفيتامين ‏B‏12 وغيرها، فإنها تقوم بمنافسة الجراثيم الغازية - إذا ما وجدت – على ‏مستقبلاتها على الخلايا الظهارية المعوية والمستقبلات هي أماكن توضع الجرثوم على الخلية المعوية ‏والتي يمكِّنه الارتباط بها من القيام بالغزو أو إفراز المواد السامة... وتمنع هذه المنافسة الجرثوم الغازي ‏من الارتباط بالمستقبلات إلى الحد الكافي لإحداث المرض؛ ثمَّ إنَّ جراثيم الفلورا هذه تقوم بإنتاج مواد ‏تسمى بالأجنبية :‏bactriocins‏ تساهم في قتل الجراثيم الغازية أو منعها من التكاثر بآليات مختلفة! ‏
‏ ‏
‏• وأما الجهاز العصبي في جسم الإنسان فهو آية بديعةٌ أخرى في حكمة الخلق الإلهي والإبداع الرباني، ‏إن الإنسان إذا ما أصيب برضٍّ أو كسرٍ أو أذيةٍ ما سواءً أكانت ميكانيكية أو نتيجة مرضٍ معين، فإنه يبدأ ‏بالتأوه والتألم، وإذا ما استمر الألم فإنه يبادر إلى الطبيب راجياً تخفيف الألم وتسكينه غير أنه يجهل أن ‏هذا الألم هو نعمة إلهية حقيقية، إذ إنَّه جرس الإنذار الذي يكاد يكون وحيداً، والذي ينبئ الإنسان بوجود ‏خلل ما عليه إصلاحه، وقد تكيف الجسد الإنساني مع هذه الغاية ففي الجسم مستقبلات من مختلف ‏المنبهات الحرارية واللمسية والألمية والشمية والذوقية.... وتكاد تنفرد المستقبلات الألمية بخاصية ‏عجيبة هي ما يسمى خاصية عدم التكيف، ومعنى التكيف أن المستقبل إذا ما تعرض لمنبهه النوعي ‏‏(أي الذي لا ينبه مستقبلاً آخر غيره ) فإنه يتلاءم معه مع الزمن في غضون ثوانٍ بل أجزاءٍ من الثانية أي ‏أنه لا يرسل إشاراتٍ عصبية إلا عندما يتعرض للمنبه فإذا ما استمر هذا الأخير فإن المستقبل يتوقف عن ‏إرسال إشاراتٍ عصبيةٍ بسبب تكيفه مع الوضع الجديد بوجود المنبه، أما المستقبلات الألمية والتي هي ‏عبارة عن نهاياتٍ عصبيةٍ دقيقة منتشرة في كل نقطة من الجسم تقريباً وفي العظام وجدر الأوعية ‏وغيرها؛ فإنها لا تتكيف مع المنبه الألمي أو يكاد تكيفها يكون معدوماً سواء أكان المنبه خدشاً أم رصاَ أم ‏حرقاً ... وتظل تنبه ابن آدم بوجود خلل في بنية ما عليه إصلاحه، ولهذا فائدة عظيمة، ففي الطبِّ تكون ‏الأمراض اللاعرضية (أي التي لا تظهر فبها أعراض معينة تشير إليها من أهمها الألم ) أخطر من تلك ‏العرضية لأن المريض اللاعرضي غالباً لا يعلم بوجود المرض في جسده ... ‏
‏ ‏
‏• ولنبق في أجواء المستقبلات ... ‏
إنه من الشائع بين الناس حقيقة مفادها أن الإنسان ( حتى الحيوان ) إذا ما نظر إلى الطعام الشهي أو ‏الشراب اللذيذ يبدأ لعابه بالسيلان وتبدأ أحاسيسه تشعره بالجوع والشهية، والواقع أن هذا يتم في آلية ‏فيزيولوجية رائعة، إذ توجد في الأنف مستقبلات شمية، فإذا ما نظر الإنسان إلى الطعام ورأى منظره ‏الشهيَّ وشمَّ رائحته، تضافرت سيالتان عصبيتان تنطلقان من الأنف والعين إلى مراكز مختصة في الدماغ ‏وعادتا على شكل سيالتين انعكاسيتين إلى الغدد اللعابية فتأمرها بالإفراز وإلى المعدة لتأمرها بإفراز ‏حمض كلور الماء المعدي... فإذا ما أفرز اللعاب فإنه يساعد على تليين الطعام ودعكه كما يساعد على ‏هضمه جزئياً ببعض من الأنظيمات "أو الأنزيمات" وإذا ما أفرز حمض كلور الماء فإنه يساعد على تهيئة ‏الوسط المعدي لاستقبال طعامٍ جديد... ‏
‏ ‏
‏* ومن بديع صنع الخالق أنه زود الإنسان بنظام مواصلاتٍ وإمدادات رهيب من نوعه؛ إذ يتمتع الجهاز ‏الوعائي البشري بمقدرة غريبة على العمل في كل الظروف ويكاد يعرف جميع الناس أن الأوردة في ‏الجسم تكون أكثر سطحيةٍ من الشرايين، وهذا له فوائد عدَّة فجدران الأوردة أقل مرونة من تلك التي في ‏الشرايين فهي إذا ما تعرضت لرضِّ أو لنزف فإنها تنطبق بسهولة مانعةً بذلك ازدياد النزف، وأما جدران ‏الشرايين فإذا ما حدث ذلك لها فإنها تبقى مفتوحةً لشدة مرونتها ... كما أن الدم الشرياني يمتاز بغناه ‏بالأوكسجين؛ ذاك الغاز الحيوي، وبالتالي فإن ضياعه يسبب خسارة في أهم غاز لعمل الأنسجة ‏الحيوية... ‏
‏ ‏
وتمتلك جُدُر الأوعية الدموية مستقبلات فريدة، تعمل كأجهزة رقابة دائمة لا تتعب وتقوم هذه ‏المستقبلات بالتحسس لضغط الدم أي أنها قادرة على تحديد الضغط بالشرايين والأوردة, وهناك منها ‏مجموعات مهمة, تقع في جدار الأبهر وجدار الجيب السباتي، والجيب السباتي هو جيب دموي يقع في ‏غلاف القلب خلفه وأعلاه قليلاً .... ‏
‏ ‏
والنقطة المهمة هنا هو أنَّ انخفاض الضغط الدموي ينبه هذه المستقبلات، فترسل سيالاتها العصبية إلى ‏المركز المختص في الدماغ والذي يقوم بإرسال سيالات عصبية انعكاسية إلى جدران الأوعية الدموية ‏المحيطية (وكلمة محيطية تعني تلك الأوعية التي تقع خارج نطاق الجملة العصبية المركزية) فتنقبض ‏ويسمح ذلك بارتفاع الضغط الشرياني ارتفاعاً يكفي ليؤمن تغذية الجملة العصبية المركزية (الدماغ ‏والنخاع الشوكي) ولهذا نرى أن أحدنا عندما ينتقل من وضعية الجلوس المديد إلى الوقوف فجأةً يشعر ‏بدوار بسيط سرعان ما يزول، وسبب ذلك أن الجاذبية الأرضية في وضعية الجلوس التي كانت سائدة ‏تشدُّ الدم عندما يقف المرء فجأة فينخفض الضغط عندئذٍ في حالة الوقوف المفاجئ مما يسبب نقصان ‏التروية الدماغية ولكن المستقبلات سرعان ما تعمل فيزول الدوار في غضون ثوانٍ ... ‏
‏ ‏
ومن الجدير بالذكر أن الجملة العصبية هي مركز القيادة في الجسم وهي حساسة جداًً لنقص ‏الأوكسجين والمواد الغذائية في الدم والذي قد يحدث نتيجة انخفاض الضغط، ويعدُّ نسيج النخاع والدماغ ‏من أهم النسج النبيلة في الجسم أي أنه نسيج غير قادر على التجدد إذا ما تعرض لأذيةٍ أو تخرب... ‏وهنا آية أخرى؛ فهذا النسيج النبيل الذي يعتبر القائد في الجسد مزود بحصن حصين يحميه ويتكون من ‏عدة طبقات من السحايا والعظام والنسيج العظمي معروف عند العامة بالجمجمة (ذاك العظم القاسي ) ‏والعمود الفقري... ‏
‏ ‏
‏• والقلب عضلة تكاد تختلف كلياً عن سائر العضلات في الجسم، فهذه العضلة القوية كأنها عضو ‏مستقل عن الجسد، فهي العضو الوحيد الذي يعمل حتى و لو قطعت الأعصاب عنه... إذ أن عضلة القلب ‏تمتلك عقداً ذاتية كأنها جهاز عصبي، تستطيع أن تطلق التنبيهات ذاتياً مسببة ضربات القلب و نبضاته.. ‏
‏ ‏
‏ و من العجيب أن هذا القلب هو أكثر العضلات عملاً في جسم الإنسان، فهو يبقى ينبض طيلة حياته ليلاً ‏و نهاراً، و مع هذا فهو لا يتعب... ذلك أن الضربة القلبية تدوم 0.8 ثانية يعمل القلب خلال نصفها و يرتاح ‏في الآخر ليأخذ أغذيته و أوكسجينه من الدم .. ‏
‏ ‏
و تعد عضلة القلب مثلها مثل نسيج الدماغ والنخاع الشوكي نسيجاً نبيلاً، لذا فإن التروية الدموية ‏لعضلة القلب تشكل جزءاً مهماً من كمية الدم الإجمالية في الجسم.. ‏
‏ ‏
‏• وأما جهاز التنفس ؛ففيه من الآيات الشيء الكثير، إذ إنَّ الإنسان يتنفس ويتنفس ولا أظنُّ أن أحداً ‏يشعر أنه يتنفس...!! ‏
‏ ‏
والهواء الداخل إلى البدن يحمل أشكالاً ملونةً من الجراثيم والغبار والأجسام الغريبة، فهل سأل الإنسان ‏نفسه أين يذهب كلُّ هذا ؟!.. ‏
‏ ‏
والواقع أن الطرق التنفسية العلوية, الأنف والبلعوم والحنجرة والرغامى والقصبات، مجهزةٌ خلاياها ‏الظهارية (أي التي تحيط بمجرى التنفس) بأهداب طويلة تختلف بالطول من مكان لآخر، ثم إن بعضاً من ‏أجزاء الطرق التنفسية هذه تمتلك خلايا تسمى خلايا مخاطية تقوم بإفراز المخاط... ‏
‏ ‏
وهكذا يساهم المخاط مع حركة هذه الأهداب المستمرة بالتقاط معظم الملوثات والجسيمات الغريبة مما ‏لا يسمح لها بالوصول إلى الأكياس الهوائية في الرئة... ‏
‏ ‏
ثم إن هذه الأهداب نفسها تساهم بحركتها المستمرة في إخراج المخاط المحمل بالملوثات إلى خارج ‏الطرق التنفسية فإما إن يبتلع وإما أن يسعل الإنسان فيخرجه من بدنه.. وهكذا تبقى الطرق التنفسية ‏نظيفةً سليمة. ‏
‏ ‏
‏• وتستوقفنا في جنين الإنسان عجائب شتى، فهذا الكائن الجديد الذي يعيش داخل رحم أمه، يتمتع ‏بوسائل من الحماية تكفيه إلى ما بعد ولادته... فهو أثناء فترة الحمل مزودٌ بوسائل تحيط به ومزود ‏بطبقات عضلية عدة من رحم أمه هي كافية لتحميه وتغذيه على أكمل ما يريد.. ‏
‏ ‏
ولكن الأعجب والأغرب في الأمر أن الطفل عندما يولد يتعرض لكثير من العوامل الممرضة والأخماج وقد ‏يمرض في بعضها غير أنه سرعان ما يشفى فهل سأل أحدنا نفسه ما هي الحكمة وراء ذلك؟ ‏
‏ ‏
إن في جسد الإنسان جزيئات بروتينية تجري في الدم يقال لها الأضداد وهي تقوم بمواجهة العوامل ‏الغريبة الواصلة للدم، فتتحد معها وتبطل مفعولها، وهناك منها نوع مهم يرمز لها ‏IgG، هذا النوع هو ‏الوحيد الذي يستطيع أن يعبر المشيمة من دم الأم إلى دم الجنين، و هو الذي يعطي للطفل الوليد ‏مناعة تجاه العوامل الممرضة تدوم لبضع أشهر بعد الولادة .. ‏
‏ ‏
‏-و علينا القول هنا أن كثرة تعرض الطفل للأمراض في السنوات الأولى من حياته هو مفيد بل مهم في ‏بعض الأمراض لأن هذا يمنحه مناعة واقية تجاهها مدى الحياة حتى أنه في بعض الأمراض لابد للطفل أن ‏يتعرض لها باكراً و إلا فإن لم يحدث ذلك ثم أصيب بها كبيراً فقد تؤذيه بل قد تودي بحياته في بعض ‏الأحيان ... ‏
‏ ‏
ولذا فمن الشائع طبياً تعريض الأطفال في السنوات الأولى من حياتهم لبعض العوامل الممرضة بشكل ‏خفيف حتى لا يصابوا بها و هم كبار، وهذا هو الأساس في عمليات التلقيح المعروفة .... ‏
‏ ‏
و أخيراً تعرض في بالي حقيقة مفادها أن فيروسHIV‏ (فيروس الإيدز) هو في الحقيقة فيروس غاية في ‏الضعف، بل إنه لا يستطيع العيش طويلاً خارج مستودعه (الإنسان ) فإذا ما دخل البدن انقلب إلى وحش ‏كاسر يفتك بالإنسان رويداً رويداً. ‏
‏ ‏
ولا أجدني إلا خاتماً مقالي هذا بقوله تعالى: { وفي أنفسكم أفلا تبصرون}. ‏




بقلم الدكتور نصار زبيدي
2
617

يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.

تسجيل دخول

* عـطـرالبـوادي *
"سبحان الخالق البديع "
موضوع جدا جميل عن جسم الإنسان يحتاج إلى قراءة متأنية
بارك الله فيج أختي أوراق وجعله الله في ميزان حسناتج
أوراق الزمن
أوراق الزمن •
الله يعطيك العافيه اختي عطر على الرد وبارك الله فيك ..