تدهشني جراءة الجيل الجديد على النشر - وأقصد بالجيل الجديد أولئك الفتيات والفتيان الذين ما زالوا على عتبات العشرين أو تجاوزوها بقليل - في الآونة الأخيرة ظهر لنا إنتاجهم بشكل أكبر -أقصد بشكل مطبوع في روايات أو مجموعة نصوص-،وساعدهم على ذلك الإنترنت ومنتدياته وسرعة التفاعل معهم ممن هم في نفس أعمارهم، وفي هذا النشر شجاعة وطموح يدفعهم له حماس الشباب ولا ينُكر عليهم ذلك..
لكنهم مازالوا في مقتبل التجربة فلم تأخذهم لأقصاها بعد، ومازالت أدواتهم الكتابية ناعمة كأظافر مولود، فيأتي إنتاجهم - في غالبه- سطحيا مليئاً بالكلام المستهلك السوداوي الذي يضج بالتشاؤم الواهي والآلام المصطنعة وأوهام الحب، فيكون مجرد تنفيس عما يتلجلج في النفس في تلك المرحلة من العمر ولا يدخل ضمن منظومة الأدب و الفن و الإبداع، والجراءة بهذا الشكل على النشر نجدها لدى الفتيات أكثر حسبما اطلعت عليه، وهذا لا يعني تعميم الحكم على كل إنتاج الشباب الصغار كله،
فهنالك من قدم فناً راقياً وأبرز فيه موهبة صقيلة، مثل محمد حسن علوان حين قدم عام 2002 روايته (سقف الكفاية) وهي رواية ناجحة على مستوى السرد وفنيات اللغة، كما أنه استعرض فيها مخزوناً معلوماتياً رائعاً بالنسبة لشاب في سنه، حتى إنه اتهم بأنه ليس كاتبها بل كاتب أكبر سناً وأكثر خبرة، وقد حمدت له في روايته الثانية (صوفيا) أن استطاع الخروج من جلباب سقف الكفاية فكتب روايته الثانية عن الملل فنقل الملل للقارئ ولست أدري هل يدل هذا على قدرته الفائقة في تصوير الملل حتى نقله للقارئ أم إنه أسهب في وصفه حتى تململ متابعه.
لتأتي في عام 2005 رجاء الصانع وتقدم (بنات الرياض) رواية حياتية تبين طبيعة العلاقة بين فئة من الفتيات والفتيان في ظروف معينة وقد اعتمدت على الحدث والحس الفكاهي في حين أغفلت اللغة تماماً، ولا أعتقد أن رجاء الصانع روائية بقدر ما هي مصورة لتجارب معاشة في الحياة اليومية والتي اقتربت منها كثيراً،،، وأجدها أقرب الشبه بـ"مارغريت ميتشل" كاتبة (ذهب مع الريح) الرواية المشهورة عبر العالم والتي بيع منها مليون نسخة في ستة أشهر، لكنها لم تكتب غيرها، لأنها مصورة تصور الأحداث بعين لها خصائص الكاميرا الذكية وليست روائية، ،،
وكم أتمنى أن تخيب رجاء اعتقادي هذا وتخرج لنا بروية أخرى تثبت فيها تمكنها من السرد اللاقط، في الجانب الآخر نجد آلاء الهذلول تتسرع في نشر قصة بدون سابق خبرة في مجال الكتابة فتأتي قصتها ضعيفة فنياً ومخلخلة الحبكة (الانتحار المأجور)، ونجد أميرة المضحي تنشر قصة أخرى بدون سابق معرفة بالكتابة ولا بأدواتها فتذكرنا بقصص الستينات المليئة بالتفاصيل الصغيرة وغير المهمة والتي لا تخدم السرد بل تعيق نموه في كثير من الأحيان (وغابت شمس الحب)، وعلى مستوى النصوص المنثورة تأتي ميادة زعزوع فتنشر مجموعة نصوص تحتاج لأن تنضج على نار تجربة متأنية حتى تتكثف وتزهر موهبتها الغضة.
والعمر في الأصل ليس مقياساً للمعرفة والموهبة لكنه الوقت اللازم للمران والممارسة التي تخلق الإبداع الصافي، والإبداع لا يأتي بالصدفة، والجراءة بهذا الشكل على النشر تدل على ثقة عالية في النفس وهذا جيد في الشباب لكن أن يتطور هذا للغرور والهوس بالشهرة السريعة، وأن يقارن المبتدئ نفسه وإنتاجه بمن هو أكبر منه سناً وعلماً وتجربة ونتاجا أدبياً عريضاً ويفضل نفسه عليه فهذا كثير.
فيا أيها المبتدئون لا تأخذكم العزة بالشهرة للانطفاء السريع.
وفي النهاية الموهبة الأصيلة تعيش وتكبر وتتبلور مع الزمن والممارسة، والحمل الكاذب بالموهبة لا يثمر شيئاً (فأما الزبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) 17/ الرعد.
خلود سفر الحارثي*
* ناقدة سعودية..
منذ قراءة هذا المقال وأنا أنوي نقله هنا للفائدة..فقد راقت لي وجهة نظر الكاتبة..بل أكاد أوافقها في جميع ماذكرت..
وهذا لايعني قطعاً أنني ضد النشر المطبوع..بل أرى التأني..وتقبل النقد ..عرض النصوص على النقاد والأدباء ..وهذا من شأنه صقل القلم وإبراز الموهبة وتنميتها..
ويسعدني تقبل أرائكم ومنقاشاتكم..
**أنا مع الكاتبة في وجهة النظر العامة أما في مايتعلق بأمثلتها ..فأتوقف كون غالب هذا الانتاج المذكور لم أطلع عليه..
دمتم بخير..
قرأت المقال ونويت أن انقله هنا
ومع عقلانية كلام الكاتبة
إلا أني اخالفها الرأي
ماالمانع أن تظهر الموهبة بذرة ثم تكبر
ترعاها أعين الكتاب الأكثر خبرة
ومتابعة الناقدين
والموهبة الحقيقية تفرض نفسها
وليس العمر
بالنسبة لأمثلتها المطروحة
فأنا أرى أن "سقف الكفاية" من الناحية اللغوية والمعاني والحياكة الأدبية رائعة بالفعل
إلا أن المآخذ عليها من ناحية دينية وتمرد على العادات وجراءة في النص غير مبررة
أما "بنات الرياض"
فعدا عن عدم وجود هدف معين من الرواية
لاتوجد حياكة ولا لغة سليمة ولا فكرة
فهي لاتعدو عن( سوالف بنات ) سواء كانت واقعية كما تقول
أو خيالية كما يشير البعض
فأنا اتكلم من ناحية أدبية فقط