في الشرق لا تنتهي الحكايات، ولا يمل الناس من مضغ الحديث والتسلّي بالقصص والإشاعات، هذه وظيفة لدى البعض، وهواية لدى آخرين، ومنذ ولد الشرق ولدت حكاياته وخرافاته وأساطيره.
وولد من يبني من هذه الأساطير أمجاداً ومن تلك الحكايات دولاً وممالك، وأباطرة وطغاة، الشرق كنز من ثقافة الحكي الذي لا يمل، والذي لا يُنسى، وذلك الذي يُصنع ويُفبرك ويُرش بالألوان والبهارات ليتشظى الناس على ألغازه وخفاياه!
حكاية ذلك الرجل الذي قيل بأن الأميركان في العراق قد قبضوا عليه على هيئة رجل الغابات أو الكهوف، أشعث أغبر، وأقرب للعته بعد مطاردة استمرت لأكثر من ثمانية أشهر، من ذلك النوع الأسطوري من حكايات الشرق المبتلى بثقافة الأسرار والمغارات والألغاز والذهب، والرجال الأسطوريين، وبثقافة الصمت والمسكوت عنه وعليه وله ومنه!
خلال زمن قصير تأرجح صدام حسين في الذهنية العربية عامة والعراقية خاصة، كما في خيال كل العالم من رجل أسطوري مرعب يقتل ويبيد شعبه ويهدد جيرانه ويمتلك أسلحة دمار شامل، إلى تمثال يُسحب أمام العالم بحبل من رقبته ويُداس بالأقدام ويُضرب بالأحذية، إلى هارب وجبان سلَّم عاصمته الأسطورية إلى أعدائه في لحظة تاريخية، ملغزة، مجللة بالحيرة وملايين الأسئلة!
وبعد الهروب الكبير صار صعلوكاً ومقاوماً شرساً يقض مضاجع الأميركان، ويوقع بهم الخسائر تلو الخسائر، ثم وفي لمح البصر يُعرض منكسراً، أشعث أغبر، يقلب بإهانة، وتفحص أسنانه وشعره ولحيته بإذلال، وهو الذي كان قبل أيام يمتلك الأسلحة والملايين، ويوجه الرجال ويرسم الخطط!!
لقد تمثل صدام حسين لملايين العرب هدفاً غربياً أميركياً مُررت من خلال عملية القبض عليه ـ بالكيفية التي رأيناها ـ رسائل غاية في الخطورة، وقد قالت الصورة لكل العالم كيف تفكر الولايات المتحدة بنا وكيف ترسم مصيرنا. إذا نحن أطعنا وأسلمنا قيادنا لها، وإن نحن عارضنا واعترضنا وخالفنا الأوامر، ففي كلتا الحالتين مرتهنون نحن شعوباً ومصائر للإذلال الأميركي وللهيمنة وللتشويه انطلاقاً من تاريخ بشع من التعصب والنظرة الدونية والتشويهات التي تمتلئ بها نُفوس صُنَّاع الثقافة الغربية والمستشرقين والسياسيين.
لقد كانت ثقافة الصورة بكل أبعادها وتجلياتها قاسية جداً وهي ترسمنا أمام الأعين بالهيئة البشعة التي قدمها صُنَّاع الديمقراطية الزائفة، وبرغم عدم تعاطفنا مع صدام حسين رجلاً وطاغية وأسيراً، إلاّ أن قراءتنا لإشارات الصورة ورمزية تفاصيلها الدقيقة تُحيلنا إلى المقارنة وإلى فقدان أي مصداقية في صُنَّاع الصورة الأميركية!
المقارنة التي تقفز إلى الأذهان سريعاً هي حالة القبض على الديكتاتور والطاغية وصاحب الإبادات الجماعية والمقابر والمجازر في البوسنة والهرسك (ميلوسيفيتش) لقد قبضت الولايات المتحدة الأميركية نفسها على هذا الرجل، وأسلمته لمحاكمة دولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لكن (ميلوسيفيتش) قُبض عليه وعُرض وهو مقبوض عليه في كامل أناقته وبذخه المظهري، وفي كل مرة يظهر فيها جالساً في المحكمة أمام القضاة كان الديكتاتور هو نفسه ببذخه وبدلته الفاخرة.
ونظرته المتحدية، لم ينكسر فيه جنون العظمة، ولم يتلو فعل الندامة بعد، لم تُفحص أسنانه على الملأ، ولم ينقّب عن القمل في شعر رأسه.. هل لأنه ينتمي للجنس الأبيض هل لأنه أوروبي مسيحي؟ هل لأنه من ذات الثقافة التي يصنع أصحابها بجهل وقصد كل هذه العداوات والبغضاء والعنصرية مع حضارة يدّعون بأن أصحابها يحملون بذور الكراهية للغرب ويتمنون زوال حضارتهم؟
في كل مستويات التقييم والنظرة، لا يعتبر الغرب العرب نداً لهم، ولا جنساً موازياً لبقية الأجناس، إن الذهنية المركبة والمليئة بتراكمات التاريخ والتشويه تلعب بأنماط تقييماتها في اللحظة الحاسمة وفي المفاصل التاريخية لتخرج مخزونها بكل انحرافاته.. والويل لنا حين نقدم لهم الفرص للنيل منا!!
ولقد أضاف صدام حسين لسجل مخازيه هذه النقيصة القاتلة حين وفرّ لهم فرصة تشويه تاريخي وتشفٍ لم يستطيعوا كتمانه، بل تعاونوا بكل ما لديهم من خبراء وتقنيات ليثبتوه بالصوت والصورة.. لقد كان صدام حسين يحتفظ برصاصة دائمة في مسدسه المتدلي على خصره دائماً مدعياً بأنها الرصاصة التي سيستخدمها عند الحاجة ليحرم أعداءه من متعة قتله! ليته استخدمها وقتل نفسه وكل الألغاز التي صنعها! فماذا لو قتل صدام نفسه؟
من بريدي
الاصيل @alasyl_3
مشرفة الواحة العلمية
يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.
خليك أول من تشارك برأيها 💁🏻♀️