الروايه المسلسله "صاحب الوجه الشريد"

الأدب النبطي والفصيح

منتديا
الروايه المسلسله "صاحب الوجه الشريد"
الرواية المسلسلة
منقولة من احد المواقع

صاحب الوجه الشّريد

................. الحلقة الأولى ...............

كانت قطرات دمك تنقط على البلاط حين عبروا بك ممدّداً على عربة الإسعاف فاقداً للوعي، ولم تنتبه إلى الأعين التي كانت تخطف إلى وجهك نظرات سريعة وهي تمرّ بك في الرّواق... كان وجهك ينزف...

قالت ممرّضة: “لا أظنه سيعيش”.

وقالت أخرى: “يبدو ميّتاً”.

وقال طبيب كهل كان يمسك بالعربة وهي تدخل إلى قاعة العمليات: “رغم كل شيء أعطوه حقه... حاولوا أن تنقذوه”.

كانت هناك قلوب تحبّك تنبض بعيداً عنك ، و هي لا تعرف أنك بين الموت والحياة.. غير أن أطيافها كانت هناك، ترفرف حول العربة، وتتعلق بالياقات الخضراء لأفراد طاقم الجراحة ، تستعطف قلوبهم لينقذوك…

كمامة الأكسجين كانت على أنفك وفمك.. وعلى صدرك كان أحدهم يضغط ضغطات منتظمة ليساعدك على التنفس.. أما الدمّ فكان قطرات متتالية.. صارت بركة.. ولم يتوقف.. كنت على الخط الفاصل بين الحياة والموت.. وكنت أقرب إلى الآخرة.. لأنك لم تكن مع الأحياء إلاّ بجسدك النَازف بينهم.. وكانت هي تنظر إليك نظرات شزراء.. لقد عرفَتْك.. شيوعية ملحدة من أيام الدراسة.. تذكرك جيِّداً.. كنتَ الوحيد الذي يكسر عنجهيتها بالتجاهل.. جميلة كانت ،و ثريّة.. ابنة أحدِ أعيان المدينة.. غير أنك لم تأبه بذلك كما كان يفعل غيرك.. وكانت تكرهك.. تتمنى لك الموت.. لا شك أنها سعيدة الآن وهي تراك على هذه الحال.. عشر سنوات مرّت منذ أنْ تركت أنت الدراسة والتحقت بالمجاهدين، وغابت هي في زحام الحياة.. ولم ترها منذ ذلك ولا رأتْك…

اليوم تلتقيان من جديد، ليس في مدرّج جامعة، ولكنْ على نقطتين متقابلتين على طرفي الخطّ الفاصل بين الحياة والموت.. كانت هي حية ، وكنت أنت شبْه ميّت…

كانت تحملق في وجهك بلحيته الشقراء الخفيفة.. ورَجَعَتْ بها الذكريات إلى الماضي.. قالت في نفسها: لقد تغيّر كثيراً.. أيامها لم يكنْ بهذا الطول.. ولا بهذا النحول.. كان في أوقات الراحة يخرج من جيبه مصحفه الصغير ويروح يقرأ فيه.. وكذلك كنت، فلم تكن تشاركهم مَرَحَهُمْ، ولا صَخبهم…

كان كبرياؤك يقتُلُها.. والمرأة كالظل إذا تبعتها هربتْ منك، وإذا هرْبت منها تبعَتكَ.. كنت أنت الظل الهارب دوماً.. أما هي فقد كانت تتمنى لك أحدَ أمرين، إمّا أن تنضم إلى مجموعة المهرولين وراءها، أو أن تموتَ.. ولم تنضم، كما أنك بقيتَ حيّاً، وزاد بذلك حقْدُهَا.. وغِبْت…

عشر سنوات.. التحقْتَ خلالها بالمجاهدين لدحر الاحتلال الرّوسي… عرفَتْ هي ذلك، وقالت حين بلغَها الخبر أوّل مرّة: “دائماً يختار الطرق المظلمة”.

لم تكن تفرق بين الطرق المظلمة وطرق التضحيات والأهوال، لذلك قالت كلمتها تلك…

وكشفوا عنك اللحاف...وكادت تسقط على الأرض وهي ترى حقل الجراح الغائرة في صدرك وذراعيك وخاصرتك...

هذا الجسد النحيل، قالت لنفسها.. كيف استطاع أنْ يحوز كل تلك المساحة من الاهتمام في الصحافة الروسية… وأن يصنع كل ذلك الرعب في قلوب جنرالاتها الموكلين بالحرب في الشيشان؟!

وهذا الرأس كيف ارتفع سعره إلى 250 ألف دولار جائزة لمن يأتي به؟!

رأسك كان أثمن من رأسها، رغم أنها أكملت تعليمها وتخرجت اختصاصية جراحة، أما أنت فقد غادرت في السنة الثانية، ولم يمهلك الظلم لتكمل دراستك، ورغم ذلك فرأسك أغلى مِنْ رأسها بكثير…

في رأسها لا شيء غير صابون “فا”، وعطر “السيدة الزرقاء” وأمشاط العاج الأصيل… وأشياء عالم النساء الجميلة...أمّا رأسك فكان ميدان معركة مريرة، طويلة الذيل، بين الحق والباطل.. بين المنجل والنخلة.

لازالت قطرات الدم تتساقط على الأرض، ثم تتطاير على أثواب المحيطين بك... دمك كان على ثوبها.

إحساس غريب كان يجتاحها في تلك اللحظة.. لم تكن تعرف بدقة إن كان نشوة الانتصار، أمْ أَلَم الذكريات التي مرّت.. أمْ غير ذلك.. قلبها يرتجف من الخوف.. كانت تلك المرّ’ الأولى التي يحدث لها مثل ذلك.. ووقفت تتأرجح بين قرارين صعبين.. أنْ تنسحب من غرفة العمليات استجابة لقلبها المرتجف، وأن تبقى.. هل كانت تشعر بأن واجباً ما يدعوها لإسعافك ولمواصلة المشاركة في العملية؟!!

كانت دقات الساعة تنكسر على الجدار الأبيض.. إنها السادسة ليلاً.. كان أذان المغرب يشق السماء عذباً كشلال ضوء.. ولم تكن تستطيع أن تُردّد مع المؤَذّن كما كانت عادتك دائماً، ولا أن تلبي حين قال: “حي على الصلاة.. حي على الفلاح”…كنتَ معذوراً.. متوضئاً بدمائك للدخول إلى عالم الشهداء..

عيناها على الأجهزة .. هل كانت تتمنى أن يتوقف كل شيء فجأة لترضي غُرُورَهَا، وتحس أنها ثأرت منك فعلاً؟!! هي شيشانية مثلك، لكنها شيوعية، وولاؤها العقدي للاحتلال.. والجندي الروسي الغازي أقرب إليها منك أنت ، ابن البلد، لذلك كانت الرصاصات الروسية التي في جسمك أحب إليها من جراحك.. الرصاصات روسية، أما الجراح فجراحك أنت المُسْلم الذي كانت دائماً تقول عنك: “متعصب”.. وكان الفارق بينكما هو فارق العقيدة الذي يختلف فيه الولاء للرصاصة أو للجرح.. وكانت قطرات دمك قد توقفت حين نَزَعَتْ عَن وجهها نقاب العمليات، وهي تخرج من باب الغرفة قائلة لإحدى مساعداتها: “كانت عملية صعبة”.
ّّّّ~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~*~
يتبع...


دعــاء
اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان ..... آميــــــــــــــــــــــــــــــن .
0
764

يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.

تسجيل دخول

خليك أول من تشارك برأيها   💁🏻‍♀️