أما بعد أيها المسلمون:
اخرج الذهبُي في كتابه سيرِ أعلام النبلاء ..أن الفضيلَ بن عياض رحمه الله كان لصا وقاطعا للطريق في إحدى مدن خرا سان ..وفي إحدى الليالي ذهب إلى أحد البيوت ليبحث عن امرأة عشقها ..فينما هو يتسلق الجدار إذا هو بصوت يتلو قول الله تعالى ( ألم يأن للذي آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ..ولا يكون كالذين أتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون ) فلما سمعها قال .بلى يا رب قد آن .. بلى يا رب قد آن ..فنزل وذهب ليرتاح في بيت قديم خرب ..فإذا هو بمجموعة من المسافرين يتحدثون فيما بينهم ..فسمع بعضهم يقول ..دعونا نرحل الآن .فرد عليه بعضُهم فقال / لا بل دعونا حتى نصبح .. فانا نخاف من الفضيل أن يقطع علينا الطريق ... يقول رحمه الله بعد ذكره لتلك القصة..ففكرت في نفسي ..وقلت ( أنا أسعى بالليل في المعاصي ..وقوم من المسلمين هاهنا يخافوني ..وما أرى اللُه ساقني إليهم إلا لارتدع ..اللهم إني تبت إليك ..وجعلت توبتي مجاورةَ البيت الحرام ) ....
هذه قصة الفضيل رحمه الله باختصار ..فلقد تحول بعد تلك الليلة من قاطع طريق إلى رجل ورع تقي عابد عالم من كبار علماء الحديث ...وصفه المؤرخ الكبير شمس الدين الذهبي بقوله ( الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر الإمام القدوة الثبت ..شيخ الإسلام أبوعلي التميمي المجاور بحرم الله )
س : ترى ما الذي حوله من رجل خطير يخافه الناس إلى رجل عظيم يأمنه الناس ؟؟ ..
ما الذي حوله من لص جاهل .. إلى عالم تتلمذ على يديه أكابر العلماء كالشافعي وسفيان الثوري وغيرهما ..؟
انه الإيمان أيها الإخوة ..نعم انه الإيمان الذي حول كبارَ المجرمين إلى قادة للأمة ..حولهم من أتباع لكل ناعق إلى سادة للدنيا.
هذا ما ستدور عليه الخطبة في هذا اليوم بإذن الله ..( وسيكون الحديث حول مثاليين للتحول من الهداية إلى الضلال ، ومن الإفساد إلى الإصلاح ، ثم سيتم التطرق إلى بعض طرق الإسلام في إصلاح الإفراد والمجتمعات )
أيها الأخوة في الله :
لقد حول الإسلام سحرة فرعون .. من مشركين سحرة قالوا عبارتهم الخطيرة ( فبعزة فرعون إنا لغالبون ) حولهم إلى مؤمنين بررة ..تحدوا الطاغوت وكفروا به ، بل فضلوا العذاب والموت على عبادة غيره الله ..فلما قال لهم فرعون .. ( فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى(71).. ( قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(72)إِنَّا ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى )
انه الإيمان الذي غير حياة الصحابة الكرام .. فبعد أن كانوا يشربون الخمر ويلعبون الميسر ويقتلون البنات ويظلمون وينهبون ويسلبون الناس ، ويتناحرون بينهم ويحاربون غيرهم على أتفه الأسباب ، إضافة إلى أنهم كانوا يعبدون الأصنام ويدعونها من دون الله .. بعد هذه الجرائم المتعددة .. حولهم الإسلام إلى هداة مهتدين .. أصبحوا يدا واحدة في نصرة هذا الدين .. وأصبحوا أفضل جيل على مر التاريخ .. فكانوا ارحم الناس بالناس .. وانفعهم للخلق ..
والمتتبع لسيرتهم العطرة يسمع بصور الأخلاق الراقية كالإيثار والكرم والشجاعة والسماحة وصلة الأرحام ودفع الظلم ونصرة الضعيف .. واهم شيء في حياتهم هو رفع راية التوحيد في النفس وعلى ارض الواقع ....فملؤا الأرض عدلا وأمنا..بعد أن ملئت ظلما وخوفا وجورا..فرضي الله عنهم وأرضاهم .
ويأتي السؤال المهم : ماهي الطرق التي اتبعها هولاء الناس حتى تحولت حياتهم إلى هذا الطهر والسمو والرفعة في الدنيا والآخرة ؟؟
أيها الإخوة : أن اكبر الطرق التي أدت إلى تحول الناس إلى الهداية بعد الضلالة ، هو معرفتهم لله تعالى وخوفهم منه وطمعهم في رحمته ،لقد عرفوا قدرة الله تعالى ، و لقد أدركوا عظمته الله تعالى بعد أن شاهدوا الآيات المرئية ، وسمعوا الآيات المقروءة ..
فالسحرة آمنوا لما اتضحت لهم قدرة الله تعالى في تحول العصا إلى حية تسعى تلقف كل ماصنعوا ، وبعد أن سمعوا كلام موسى عليه السلام ودعوته لهم بتوحيد الله ، ونبذ ما سواه .
والصحابة الكرام : أيضا اسلموا واستقاموا على دين الله ، لما سمعوا آيات الله تتلي عليهم ، وفيها الدعوة إلى توحيد الله وبيان عظمته وقدرته .
وليس السحرة والصحابة هم الوحيدون الذين يستقيمون بعدم معرفتهم لقدرة الله وعظمته ، بل كل المهتدين سواء من الكفار الأصليين أو من المرتدين ..فأكثر هولاء اهتدى بعد عرف قدرة الله جل وعلى في الكون أو النفس ..
بل أننا نحن المصلين ، نشعر بزيادة إيمان عندما نشاهد شيئا يدل على قدرة الله سواء في أنفسنا أو فيما حولنا ، بل إن منسوب الإيمان يرتفع عندما نشعر بالمرض أو الخوف ، ونعرف قيمة أنفسنا وقيمة ربنا سبحانه وتعالى .. لذلك تجد احدنا في أوقات الشدة يلهج بذكر الله ..يارب يارب يارب .
لذلك أحبابي الكرام ، وحتى نصل إلى أعلى درجات الإيمان لابد ، من معرفتنا لربنا معفرة حقيقية ، وليست نظرية ، لابد ان نقرب من ربنا قربا حقيقيا وليس شكليا ..
إخواني نحن جميعا نؤمن بأن الله تعالى قريب منا جدا ، وانه يرانا ويسمعنا ، بل ويعلم ما في صدورنا ، ومع ذلك تجد البعض يمارس المنكرات ، بل قد يتجرد من جميع القيم في بعض الأحيان ،
فيتكلم بالفحشاء فيسب ويلعن ويغتاب الناس ويتطاول عليهم بالكلام .
ينظر إلى الفحشاء سواء مباشرة أو عن طريق الشاشات والحف والمجلات ،
يتلذذ بسماع الفحشاء من غناء وموسيقى أو غيبة أو نميمة ونحو ذلك يفعل هذا وغيره وكان الله لا يراه ولا يسمعه ، ولا يسجل عليه جميع تحركاته وسكناته ..
بعضنا يعلم بأن الله هو الرزاق ، ويعلم بتحريم الله لبعض المعاملات ، ومع ذلك تجده يطلب الزرق من غير الله ، يذل نفسه لخلق الله وربما للمجرمين والمفسدين ، وتجده يجمع المال من حلال وحرام ، ويأكل أموال الآخرين بالباطل ، بل وينفق أموال أيضا في الباطل يفعل هذا بدون رقيب ولا حسيب ، وكأنه صاحب تلك الأموال يتصرف فيها كما يشاء ، يفعل هذا وينسى انه له رب يأمره وينهاه ..وسوف يحاسبه على كل هللة من أين أخذها وفيما أنفقها ..
إخواني في الله هذه أمثلة بسيطة جدا على عدم معرفة وتقدير أكثر المسلمين لربهم جل وعلى ، وبالتالي نجد أعدادا هائلة من مدعي الإسلام ، وحياتهم بعيدة عن الإسلام ، وهذا هو سبب تأخرنا وتخلفنا ، بل وسبب ذلنا ومهانتنا على هذه الأرض ..
لذلك لا بد لكل مسلم أن يعرف الله تعالى حق المعرفة ، وان يقدره حق تقديره ، ويقرب منه حق القرب ، حتى تستقيم حياته ، وتطيب نفسه ، ويسعد في الدنيا والآخرة ..
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ( ولقد أوحي إليك والى الذين من قبلك لئن شكرت ليحبطن عملك ، ولتكونَن من الخاسرين ، بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ، وما قدروا الله حق قدره ، والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ، والسموات مطويات بيمينه ، سبحانه وتعالى عمال يشركون )
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، أقول ما سمعتم واستغفر الله العظيم ولكم فاستغفروه انه هو الغفور الرحيم
الخطبة الثانية
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ..
أيها المسلمون : إن مهمتنا في هذه الحياة أحبابي الكرام أن نستقيم على شرع الله تعالى ، ثم ندعوا الناس إلى هذه الاستقامة ..كما قال تعالى ( كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله )
وهذا لا يتم إلا بمعرفتنا لربنا جل وعلا ، والقرب منه سبحانه وتعالى ، ومعرفة السبل الموصلة إليه جل جلاله
ومن أهم تلك الطرق إخواني : الإكثار من مناجاة الله تعالى والخلوة به ، ودعائه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا ، نخلوا بربنا في المساجد أو البيوت أو غيرها ،
نتوضأ نصلي .. نقرأ ما تيسر من القرآن ، نناجيه جل وعلى ، اشد مما يناجي احدنا صاحبه وحبيبه .. نناديه ونقول يارب يالله ..ونحن ندرك بأنه فوق على كرسيه في السماء السابعة يبعد عنا بذاته ملايين الكيلوات ، ولكن بعلمه وبصره اقرب إلينا من حبل الوريد
.
نناديه يالله وفقنا وانصرنا واشفنا وارزقنا ونحن نعلم انه قادر على كل شيء ، وذا أراد شيئا فإنما يقول له .كن .. فيكون ..
نعترف بتقصيرنا ، نعترف بذنوبنا ..ونعترف بستره سبحانه لها ..
نعترف بنعم علينا ظاهرة وباطنه ، ونعترف بتقصيرنا تجاه شكر هذه النعم ،
نذرف الدمع على تفريطنا في جنبه ، وتقصرنا في حقه ، جلت قدرته ..ونكث رمن هذا بقدر ما نستطيع ..
عندها سنعيش لحظات من السعادة والفرح والسرور لا يمكن أن تقدر بثمن ، ونكرر تلك اللحظات والمناجاة بقدر ما نستطيع ، مع سيرنا في هذه الدنيا ، وممارستنا لأعمالنا اليومية .
وهذا من أهم ما ترقى به أصحاب النفوس العظيمة ..من سلف هذه الأمة منذ آدم عليه السلام إلى يومنا الحاضر ..
ولعل اكبر مثال على ذلك هو رسول الهدى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، فلقد كان يكثر من مناجاته لربه وفي السلم والحرب ، في الرخاء والشدة .. فلقد كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه ، وكان يبكي من عظمته الله وخشيته حتى يبلل حصيره الذي يصلي عليه ، وفي النهار تجده يدير الدولة ، ويدرب الجيش ، ويرسل السرايا ، ويستقبل الوفود ، ويقضي بين الناس ، ويقوم بشؤون أسرته ..ولذلك أصبح صلى الله عليه ( أكثر الناس خشية لله ، وأشدهم تقوى ، واعرفهم بربه جل وعلى )
وسار على دربه الصالحون ، وسبقهم قبل ذلك الأنبياء والمقربون ..
فحري بنا أيها الأعزاء ، أن نبذل جهدنا في القرب من ربنا بقدر ما نستطيع ، ولا نتعذر بالأشغال والأهل وبعض الارتباطات ..فهذه والله تزيدنا إلا بعدا من الله ، وقساوة في القلوب ، وربما توقعنا في الفحشاء والبعد من الله ..
صدقوني إخواني في الله : أكثر ما أوقع الناس في المعاصي ، وأبعدهم عن الله ، هو تلك العلاقات مع الآخرين .. خصوصا تلك المجالس التي تخلوا من ذكرها وتعظيمه ، وتعلو فيها ذكر الدنيا وتعظيمها في القلوب. .
إخواني : الأوقات عندنا متوفرة ،ولكن الاستعداد لاستغلالها في القرب من الله غير متوفر .. احدنا يجلس الساعات في المناسبات الخاصة والعامة وهو ساكت أو يتكلم مع غيره ، ويعجز من مناجاة الله تعالى ولو ربع ساعة .
البعض يجلس أمام القنوات لمتابعة الأخبار والمقابلات وربما المسلسلات ساعات طويلة ، ويعجز من الخلوة بربه ولو نصف ساعة .
وإذا دعوة الناس إلى القرب من ربهم ، وعدم الاكتفاء ، بركعات الله اعلم بالخشوع فيها ، قالوا نحن مشغولون ،وأوقاتنا لا تسمح ، وغير ذلك من الأعذار ..
إخواني نحن بحاجة إلى الله تعالى ، والله ليس محتاج إلينا أبدا .. نحن محتاجون إلى معرفة ربنا معرفة حقيقة ، حتى لا تشتت قلوبنا خلف الآلهة الأخرى ..كما حصل للبعض فمنهم من عبد المال ومنهم من عبد الهوى والزوجة والمنصب ونحو ذلك ..
نحن بحاجة التعرف ربنا في الرخاء، حتى نجده في وقت الشدة ..كما حثنا عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم ..
إخواني هذا ما تيسر في هذا اليوم ، واسأل الله تعالى ان يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه
د.مشبب القحطاني @dmshbb_alkhtany
إمام وخطيب مفكرة المجلس عضو في جماعة التوعية الإسلامية
يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.
mnar
•
جزاك الله خيراً أخي على هذه الخطبة الرائعة
ولكن لدي ملاحظة : ـ في كتابة الأيات حيث ورد خطأ غير مقصود طبعاً ولكن عند الأنتباه له وجب التنبيه
قال تعالى
( ألم يأن للذين ءامنوا أن تخشع قلوبهم لذكرالله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون ) سورة الحديد آية 16
ولكن لدي ملاحظة : ـ في كتابة الأيات حيث ورد خطأ غير مقصود طبعاً ولكن عند الأنتباه له وجب التنبيه
قال تعالى
( ألم يأن للذين ءامنوا أن تخشع قلوبهم لذكرالله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون ) سورة الحديد آية 16
ام باسل*
•
السلام على من اتبع الهدى
بارك الله بك اخى الكريم
وجزاك خيرا ورزقك الفردوس العلى من الجنه
اميييين
بارك الله بك اخى الكريم
وجزاك خيرا ورزقك الفردوس العلى من الجنه
اميييين
ما شاء الله تبارك الرحمن
خطبه رائعه اخ مشبب
يهدي الله من يشاء
ثبت الله قلوبنا على طاعته
اللهم امين
خطبه رائعه اخ مشبب
يهدي الله من يشاء
ثبت الله قلوبنا على طاعته
اللهم امين
الصفحة الأخيرة
ولا اخفيك اني طوال ماكنت اطالعها وانا دامعة العينين
سبحان الله مااحلمه وماارحمه
جمعنا الله واياك في جنات النعيم