عندما قررتْ التوجه إلى أعز معلمة بالنسبة لها في وقت انصراف الطالبات ظهراً .. كان هذا القرار بعد تفكير طويل في الشخص المناسب الذي يمكنها أن تروي له قصتها وتستشيره بشأن الورطة التي وقعت فيها بسبب خطأ ارتكبته .. إنها واقعة في مشكلة حتى النخاع وتحتاج إلى من يعاونها في حل مشكلتها.. إلى من ستلجأ في هذه المحنة ؟ ومن يمكنه إهداء النصيحة لها؟ .. وبعد أن استأذنتها في الجلوس معها لبضع لحظات بدأت تحكي لها وقلبها رتجف ولسانها متردد وعيناها تدمعان ... ولكنها لم تتوقع بأي حالٍ من الأحوال ردة فعل معلمتها التي واجهتها بها .. لوم واستنكار .. نظرة دهشة ممزوجة ببعض الاحتقار مع خيبة أمل .. " أنتِ تفعلين ذلك؟؟! .. أنا لا أصدق ابداً أن يصدر منكِ شيء كهذا .."
انعقاد لسانها ونهوضها من أمام المعلمة بكل هدوء كان هو الشيء الوحيد الذي يمكنها فعله في تلك اللحظة بعد عبارة شكر مقتضبة " أشكركِ على الوقت الذي اقتطعته منكِ " ..
في طريق عودتها إلى المنزل عادت لدوّامة التفكير من جديد وهي تترنّح من الصدمة وخيبة الأمل واحتقار النفس .. هاهي تخطيء مرة أخرى .. إلى متى ستظل بهذه الحماقة والغباء؟؟ .. إلى متى تظل تضع نفسها في هذه المواقف ؟؟ .. متى ستتعلم من أخطائها ؟؟..
لم تكن هذه هي المرة الأولى .. ففي أول مرة شعرتبالرغبة في ان تخرج مافي قلبها لتستريح لم تجد امامها سوى أختها .. أخبرتها بكل شيء ولكن أختها لم تفهم أنها تريد فقط إراحة قلبها فبدلاً من أن تواسيها وتكتم سرّها ظلت تلاحقها بالأسئلة كلما رأتها عمّا فعلت في الموضوع الذي ذكرته لها وعمّا ستفعله وتذكّرها بالموضوع في مواقف مشابهة بقول أو نظرة.. وفي تلك الأثناء ندمت وقررت ان لاتخبر أحداً عن شيء أبداً ..
ولكنها في مرة أخرى أساء إليها أخوها وشعرت بالحزن الشديد وأرادت أن تشكو إلى شخص ما حزنها فأخبرت ابنة عمها القريبة من قلبها وسنها .. فأشفقت عليها وغضبت من أخيها وقالت أنها لاتصدق أنه يفعل هذا بها واتهمته بالأنانية والظلم .. وأساءت الظن به .. فندمت مرة أخرى لأنها أساءت إلى أخيها وقالت لنفسها أنه أخوها ومهما أساء إليها فإنها ستحزن ولكنها ستسامحه أما الغرباء فإنهم سيسيؤون الظن به ويظنون أنه سيء المعاملة ولايراعي شعور أحد .. ولكنها نسيت أن المؤمن لايُلدغ من جحر مرتين .. وهاهي تُلدغ من نفس الجحر للمرة الثالثة .. وهي الآن حزينة .. فهي أرادت النصيحة والمشورة من معلمتها .. إنها تعلم أنها أخطأت ولاتحتاج إلى اللوم ولكنها لم تجد غير اللوم ..
وصلت إلى منزلها .. اتجهت إلى حجرتها .. جلست على مكتبها واضعة رأسها بين كفيها وبكت .. بكت لأنه لاأحد يفهمها .. لا أحد يشعر بما تشعر به .. فعندما تحتاج إلى من يواسيها يضيقون عليها .. وعندما تحتاج إلى من تبث إليه حزنها يغضبون من الذي أحزنها .. وعندما تحتاج إلى النصيحة يلقون اللوم بدلاً من النصيحة .. ظلت تبكي وقالت لنفسها " لن أخبر أحداً بسر قط .. ولن أشكو لأحد قط " ..
رفعت رأسها فوجدت أمامها دفتر ملاحظاتها .. فتحته وقرأت منه ما كانت تكتبه أثناء سماعها لشريط أو قرائتها لكتاب وكان مما قرأت فيه ..
قال عمرو بن العاص ( ما استودعت رجلاً سراً فأفشاه فلمته لأني كنت أضيق صدراً حين استودعته منه حين افشاه) .
وقال الشاعر :
فلا تودعنّ الدهر سرك أحمقاً *** فإنك إن أودعته منه أحمقُ
إذا ضاق صدر المرء عن كتم سرهِ *** فصدر الذي يُستودعُ السرَّ أضيقُ.
قال ابن القيم في كتابه الفوائد ( إذا استغنى الناس بالدنيا فاستغنِ انت بالله .. وإذا فرحوا بالدنيا فافرح أنت بالله .. وإذا أنسوا بأحبابهم فاجعل أنسك بالله .. وإذا تفرّقوا إلى ملوكهم وكبرائهم وتقربوا إليهم لينالوا بهم العزة والرفعة فتعرف انت إلى الله وتودد إليه تنل بذلك غاية العز والرفعة ).
ارتسمت ابتسامة على شفتيها وقالت " لن أخبر أحداً بسر قط إلا الله .. ولن أشكو لأحد قط إلا الله .. ولم أطلب النصيحة من أحد إلا الله .. فهو الذي يغفر الذنب إن أذنبت .. وهو الذي يرفع الحزن إن شكوت .. وهو الذي يدبّر الأمر إن أخطأت ".
24/6/1418 هـ
الفـــــــارسـة @alfars_3
عضوة جديدة
يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.
الصفحة الأخيرة
والمهم هو اختيار الشخص المناسب
الفتيات في مرحلة عمرية معينة يضخمون أخطاء الآخرين
ربما أخطأ من لامها لكن حجم الخطأ ليس كما بدا لها ..
لابأس أن نسمع اللوم حينما نكون مخطئين فهذا خير من أن نسمع من يهون أخطاءنا ويصغرها في أعيننا ..
مقالك كان مشروع قصة قصيرة جميلة لكنك حذوت به حذو النصيحة المباشرة وقررت فكرتك بدل ان تتركي للقاريء استنتاجها
في انتظارك :27: