الطريق إلى الثبات على الحق،والإيمان،وعلى نُصرة الإسلام؟!!!

ملتقى الإيمان

بسم الله الرحمن الرحيم
=======

هذا المقال ملخص لمحاضرات: الثبات على الحق ،والثبات علىنُصرة الإسلام،والثبات على الإيمان"من سلسلة "حتى يغيروا ما بأنفسهم" للأستاذ/ عمرو خالد التي ألقاها على الفضائيات يوم الخميس والجمعة والسبت الموافقين 3-4-5 /4/2003
وهذا هو نص المقال:
بسم الله الرحمن الرحيم ..نحمدك ربى ونستهديك و نستغفرك و نعوذ بك من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ..
كانت نتيجة الإستطلاع الثانى 66% من المشاركين وعددهم 15806 مازالوا يدْعون بكل همة و30% فتُر دعائهم ولكنهم مازالوا يدعون و4% كفُّوا عن الدعاء .....
هذه النتيجة تجعلنا نقفز الى موضوع تغيير اليوم وهو الثبات .... ترى بعد 15 يوم من الحرب هل الهمة مازالت كما هى ؟؟ هل مازالت المشاعر ساخنة أم فترت حرارتها و بردت ؟ إن الحرب ما زالت كما هى .. و الشهداء يزداد عددهم والجرحى أيضا ..
هذه مشكلة كبيرة جدا ..نتحمس بشدة لفترة قليلة ثم تهبط حرارة الحماس الى التجمد ... أما زلتم تذكرون فلسطين ؟؟ لقد برد الحماس ونسيناها .... والعراق بعد 15 يوم حرب هدأت حماستنا تجاهه !!!!... هذه مشكلة عامة ... فى قضايا الأمة نتحمس فى البداية بشدة ثم يسير كل منا فى طريق كأن شيئا لم يكن !!!... حتى فى العبادة يبدأ الشاب فى التدين فيصلى كل فرض في وقته وبعد فترة كما نقول :" ترجع ريما لعادتها القديمة" و تتعجب حين تسمع رجلا يتحدث عن نفسه قائلا لقد كنت أصلى حتى الفجر فى المسجد ...ثم ماذا حدث ؟؟؟ برد حماسه .
أعداء الإسلام عرفوا فى تكويننا النفسى هذه الحقيقة فأصبحوا يستعملوها لتحقيق أغراضهم ... حل القضايا على البارد .... يجب أن تطول مدة أى مشكلة لأننا سننساها بعد فترة .
ما الذى يجعلنا ننسى و نبرد .؟؟؟.. الجرى وراء لقمة العيش ... العيال ... هذه صفة طبيعية فى النفس البشرية و لكنها عندنا زائدة عن الحد الطبيعى ... نحتاج لأشخاص تحتفظ بسخونة الأحداث فتثبت على موقف الحق ..
لقد كان الصحابة يمثلوا فقط 1% من أهل الجزيرة العربية ولكنهم كانوا أهل ثبات فنشروا الحق!!! .
الثبات لابد منه في ثلاث مواضع :
الموضع الأول : الثبات على الحق عموما.
ولكن يجب أن نفهم ان الثبات ليس معناه الجمود ولكن هناك مرونة وهناك توازنات يجب أن تُراعَى ... ولكن هناك حقائق واضحة لا تحتمل الجدال ... لابد أن نثبت عليها .. مثلا قضية الرشوة مهما قدَّموا لك من مبررات او إجتمعت المصلحة كلها عليك ,, هذه قصة منتهية.
هل تذكرون الفتاة الأميريكية التى ثبتت فى وجه الجرافة الإسرائيلية التي كانت في طريقها لهدم بيت فلسطيني؟؟!!..إنها ليست مسلمة فلماذا ثبتت ؟؟ لإن هذا موقف حق .... إبادة و هدم المنازل ظلم و استبدادا ... لم ترضَ عن إغتصاب الحق ... فماتت وأصبحت حُجَّة على المسلمين الذين لا يثبتوا ...
سنحكى 3 حكايات و 3 مواقف ثبات يتحاكى بها التاريخ :
على عهد الإمام أحمد بن حنبل حدثت فتنة تسبب فيها بعض الفلاسفة الذين تأولوا على القرآن فأنتظر العامة رأيه ورفض الإمام بن حنبل المقولة , و تسبب موقفه هذا فى دخوله السجن .. وفى السجن كان الإمام يقول :" انا لا أخاف فتنة السجن فما هو وبيتى إلا واحد .. ولا أخاف فتنة القتل فإنما هى الشهادة ..إنما أخاف فتنة السوط ... و فى يوم أخذوا الإمام ليجلدوه فظهر على وجهه الخوف و الجزع وفى أثناء خروجه الى الساحة لمح ذلك فى وجهه لص شهير اسمه ابو هيثم الطيار فقال له : يا إمام لقد ضُربت 18000 سوط بالتفاريق – أى على إمتداد عمرى – وانا على الباطل فَثَبتتُ ...وأنت على الحق يا إمام فإثبت!!! لإن عِشتَ عِشتَ حميدا و إن مِتََّ مِتَّ شهيدا..!!!.. و قد ظل الإمام بن حنبل يدعو للطيار كل ليلة بعد ذلك:" اللهم أغفر له "... فلما سأله إبنه يا أبتى إنه سارق قال و لكنه ثبتنى .
يقول الجلاد :لقد ضربتُ بن حنبل ضربا لو كان فيلا لهددتُه . و فى كل مرة أقول السوط القادم سيخرج من فمه من شدة هلهلة ظهره!!! ...
مر على الإمام رجلا و هو معذب فقال هل آتيك بماء قال إنما أنا صائم!!
ويزوره أحد معارفه فيقول يا بن حنبل لقد ضعُفتَ و عندك عيال – يقصد أخبِر القوم بما يُريدون لترتاح – فيرد الإمام :"إن كان هذا هو عقلُك فقد إسترَحتَ" .. أُنظر الى الناس تنتظر منى وفى زَلة العالِم ذِلَّة العالَم .!!!...
نحن لن نقف موقف مشابه , ليس هذا هو المطلوب ولكن الثبات شئ قريب من هذا الموقف
موقف آخر ورجل آخر .... عمر المختار كان عمره 73 سنة لما قُبض عليه ووقف أمام المحكمة الإيطالية ... سألوه : هل حاربت الدولة الإيطالية ؟ قال نعم .... وهل شجعت الناس على حربها ؟؟؟ قال نعم هل أنت مدرك عقوبة ما فعلت؟ أجاب : نعم .... هل تُقِر بكل ذلك ؟ قال نعم .!!! كم من الزمن حاربت الدولة الإيطالية؟قال: عشر سنوات،قالوا: هل أنت نادم على ما فعلت؟قال : لا.هل أنت مُدرك أنك ستُعدَم؟قال : نعم..قالوا له: من المؤسف أن تكون هذه نهايتك،قال: بل هي أفضل طريقة أختم بها حياتي.قالوا له:قررنا أن نصدر عنك عفواً عاماً بشرط أن تكتب للمجاهدين في ليبيا أن يتوقفوا عن الجهاد،فقال لهم القول المشهور:" إن السَبّابَة التي تشهد في كل صلاة أن لا إله إلا الله،لا يمكن أن تكتب كلمة باطل!!!" ، ....
لن نستطرد فى القصة فلقد شاهدتم الفيلم و لكن السؤال الذى يطرح نفسه: كيف نحافظ على هذا الإحساس العالى بالقضية ؟ كيف نحتفظ بنفس الحالة من التوتر الإيجابى ؟
الرجل الثالث و موقفه العملاق هو سيدنا" سعيد بن الجُبير .. كان في زمن الحَجاج بن يوسف الثقفى" وقد قبض عليه وقال له :" لأُبَدِّلنَّك بدُنياكَ ناراً تَلَظَّى"!!!
قال:" لو أعلم أن هذا بيدك لإتخذتُك إلهاً يُعبد من دون الله."!!! قال فلِمَ فررتَ منى قال :كما قال موسى لفرعون:" ففررتُ منكم لما خفتكم .".. فقال الحجاج إختر لنفسك قتلة يا سعيد ... فقال سعيد بل إختر أنت لنفسك فما قتلتَنى بقتلة إلا قتلها اللهُ لك ... فصرخ الحجاج و الله لأقتلنك .. قال إذن تُفسد على دنياى و أُفسد عليك آخرتك... فقال للحرس جُرُّوه وأقتلوه ..فضحك سعيد فنادى الحجاج مغتاظا ما الذى يضحكك ؟ قال : أضحك من جُرأتِك على الله و حلمُ اللهِ عليك !!!!

هل نستطيع أن نقتبس جزءاً من هذا الثبات ...؟ صحيح إن تقلُّب الدنيا تجعل ثباتنا شئ صعب كما قال رسول الله : القابض عل دينه كالقابض على جمرة من نار ..
نعود لسعيد بن الجبير حين جهزوه لضرب عنقه طلب من السيَّاف أن يوجهه للقبلة ثم قال : وجَّّهتُ وجهيَ لٍلَّذى فطر السمواتِ والأرضَ حنيفا مسلما و ما أنا من المشركين" فقال الحجاج غيِّروا وجهه عن إتجاه القبلة فقال سعيد :" وللهِ المشرقُ و المغربُ فأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجهُ الله." فقال الحجاج كُبُّوه على وجهه فقال: "مِنها خَلَقناكُم و فيها نُعيدكم تارة أخرى"... فقال :إذبحوه ....فقال سعيد" أشهد أن لا إله إلا الله... خُذها منى يا حجاج حتى ألقاك يوم القيامة اللهم لا تُسلِّطه على أحد بعدى "... وبعد أسبوع واحد كان الحجاج يصرخ كل ليلة:" مالى ولسعيد بن الجبير "....

نريد هذا المستوى من الثبات ... لو الناس كفت عن الدعاء فأنت تستمر ..لو الناس نست الصلاة أنت لا تنسى ...لو الناس غفلت فأنت لا تغفل ولا تعصى ......
غداً الجمعة هيا جميعا نفتش عن ساعة الإجابة وندعو من شِغاف قلوبنا أن يثبِّتنا الله على الحق .

هناك أشكال لعزة الأمة والترابط والحب بدأنا نحس بها ونراها .. وإنني أقبل فكرة أن تغيير الإنسان صعب ولكنها ليست مستحيلة .. إن كلمة مستحيل هذه كلمة مرفوضة .. فالنفوس تتغير .
يقول تعالى : " قد أفلح مَن زَكَّاها وقدْ خاب مَن دَسَّاها " .
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما الحِلم بالتحلُّم وإنما الصبر بالتصبُّر ... " إذن الإنسان يستطيع أن يكتسب بعض الأخلاق والصفات وما من داء إلا وجعل الله له دواء إلا الهِرَم ... والداء ليس دائماً جسدياً بل نفسياً أيضاً .. والثبات أقوى ما يعطيه الله للأمة :
يقول صلى الله عليه وسلم في الدعاء : " اللهم أعطنا الثبات في الأمر والعزيمة على الرُّشد ... " ويجب أن نظل كذلك ، تزول الجبال ولا نزول !!!... لا تَخِرُّوا إلا لله سبحانه وتعالى لأن إسلامنا غالي جداً وسنتمسك به لآخر نفَس .
لكل معركة من معارك المسلمين كان هناك شعار يردده المسلمون حتى تقوى عزائمهم في غزوة" أُحُد " كان الشعار : دينُك دينك لحمك ودمك "... وفي غزوة " الخندق " كان " يا منصور أمِت أمِت "!!!...
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو في كل صلاة " اللهم يا مقلِّب القلوب والأبصار ثبِّت قلبي على دينك " هل كان رسول الله يحتاج هذا الدعاء وهو من هو ..؟. طبعاً !!
...
هل الحماس لأهل العراق وأهل فلسطين مازال متأججاً ؟
يقول الله تعالى:بسم الله الرحمن الرحيم : " يا أيها الذين أمنوا إذا لقيتُم فئةً فأثبُتوا " .
بسم الله الرحمن الرحيم : " و كأيِّن مِن نَّبيٍ قاتَلَ معَهُ رِبِّيّون كثير "
بسم الله الرحمن الرحيم : " الذين قال لهُم الناسُ إنَّ الناسَ قد جمعوا لكُم فاخْشَوهُم ،فزادَهُم إيمانا وقالوا حسبُنا اللهُ ونِعمَ الوكيل،فانقَلبوا بنعمةٍ مِن اللهِ وفَضلٍ لم يمْسَسهُم سوء " ... إن دعاء "حسبنا الله ونعم الوكيل "قاله سيدنا إبراهيم حين أُلقي في النار وقاله سيدنا موسى حين أدركه فرعون أمام البحر وقالها أصحاب " محمد " صلى الله عليه وسلم حين هاجمهم الأحزاب .
جعلوا محبة الإسلام أهم قضية في حياتهم .. ولذلك عاشوا سعداء وكان لحياتهم قيمة كبيرة .
وهناك على مر التاريخ أناس ضحوا بالغالي والنفيس من أجل الدين ونحن المطلوب منا أقل من ذلك ... المطلوب أن تظل قضية الإسلام و المسلمين في بؤرة الشعور متأججة ...
وسأورد ثلاث أمثلة واحدة:واحدة لغلام يانع وواحدة لامرأة والأخيرة لأحد الصحابة حتى تروا أن الثبات لا يخص الرجال ولا يخص سن دون الآخر .
كان في أحد الأزمنة ساحر يعمل في بلاط أحد الملوك المتألِّهه وقد هرم الساحر فطلب من الملك أن يبعث له غلام يعلِّمه السحر .. وكان الغلام في طريقة إلى الساحر يمر على الراهب فيُعجبه كلامه ويتعلم منه ثم يذهب للساحر فيتعلم أشياء مختلفة تماماً .. وفي يوم كان يمر في طريقه فوجد دابة تعترضه وتمنع الناس من المرور – جمل هائج أو وحش ما – فقال:" اليوم أعرف أيهما أحب إلى الله" وأخذ حجر وقال اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فأقتل الدابة بهذا الحجر . وضربها بالحجر فماتت فعاد إلى الراهب فقال له لقد علمتُ إنك على الحق فقال له الراهب أي بني أنت اليوم أفضل مني عند الله وإنك ستُبتَلى فإن ابتُليت فلا تدُل عليَّ .
وذاع صيت الغلام أن له قُدرات خارقة وكان عند الملك جليس أعمى فأخذ هدايا كثيرة وذهب إليه وقال اشفني قال الغلام أنا لا أشفي لكن آمِن بالله فأدعو لك الله ،والله يشفيك فقال الرجل أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فدعا له الغلام فعاد إليه بصره فلما عاد لمجلس الملك سأله من الذي شفاك ؟قال ربي فرد الملك :بل أنا ربك؛ قال الرجل::بل ربي وربك الله .. فعذبوه حتى دل على الغلام وجئ بالغلام فعذبوه حتى دل على الراهب فجئ بالراهب ووُضع المنشار في مفرق رأسه وقيل له عُد عن هذا الدين فقال لا فشقُّوه فلقتين .. ثم جئ بجليس الملك وفُعل به نفس الشيء ثم جئ بالغلام ولما كان صغيراً أراد الملك أن يتسلى به فأمر الجنود أن يصعدوا به إلى أعلى الجبل ويلقوه .. فلما وصلوا إلى قمة الجبل دعا الغلام قائلاً" اللهم اكفِنيهم بما شِئت وكيف شئت إنك على ما تشاء قدير" .. فأهتز الجبل وارتجف وسقط الحرس قتلى وعاد الغلام إلى الملك ماشياً .. فسأله الملك كيف عدت قال كفانيهم الله .. فأرسله مع آخرين في سفينة وحدث مثلما حدث على الجبل ثم قال الغلام للملك إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به تأخذ سهماً من كنانتي وتجمع الناس وتضربني بالسهم وأنت تقول:" بسم الله رب الغلام "ففعل الملك ذلك فأصاب السهم صدغه فمات فهلل الناس وقالوا آمنا برب الغلام !!!
هل رأيتم ثبات الغلام ورغبته في الدعوة إلى الدين؟ كان من الممكن أن ينجو بنفسه بعد أن نجا من على الجبل ولكن هدفه أعلى من نفسه دينه أهم من حياته فكان أن آمن الناس بالله .
مثال آخر :صحابي جليل هو " خُبيب بن عَدي " أرسله رسول الله مع مجموعة من الصحابة لقوم فغدروا بهم وقتلوا أصحابه وباعوه هو إلى مُشركي مكة فصلبوه على جذع نخلة وأمر أبو سفيان القوم ألا تضربه في مقتل .. فاجتمع عليه الكثير من الكفار يضربونه بالسهام في ذراعيه ورجليه وهو ثابت لا يتكلم .. فأقترب منه أبو سفيان قائلاً أستحلفك بالله أن تجيبني : أتحب أن يكون محمد مكانك الآن وأنت منعم في أهلك؟ فقال لا والله !!!ولا أن يُشاكَّ النبي بشَوكة فقلَّب أبو سفيان كفيه وقال:" ما رأيت أحداً يحب أحداً كما يحب أصحاب " محمد " محمداً" ثم سأله: ألك حاجة ؟فقال خبيب :.. " نعم أصلي ركعتين " ،فصلَّاهما بسرعة وقال والله لولا أن تظنوا أني أخاف من الموت لأطَلْتُ فيهم ما شاء الله أن أصلي .. ثم أنشد هذا الشعر :
ولست أُبالي حين أُقتل مسلماً على أي جَنب كان في الله مصرعي .
ثم ختم بهذا الدعاء :
"اللهم أحْصِهِم عَدداً وأقتُلهم بِدَداً ولا تُبقِ مِنهم أحداً ".
فخاف الواقفون وانكفئوا على الأرض إذ إنه لم يهتز فيه شعره وثبت وهم خائفون .
المثل الأخير :لإمرأة وهي ماشطة ابنة فرعون .. سيدة بسيطة تقوم بعمل متواضع في قصر فرعون آمنت بالله وكتمت إيمانها وفي أحد الأيام سقط منها المشط فتناولته قائله " بسم الله " فقالت الفتاة : أبي ؟قالت :"بل ربي وربك ورب أبيك: الله" .. أرأيتم؟!!! امرأة بسيطة جداً ولكنها ثابتة جداً.
فناداها فرعون وسألها ألك رب سواي ؟ قالت "نعم ربي وربك الله ".. فطلب إحضار وعاء كبير من النحاس و أضرم فيه ناراً شديدة وسأل عن أبنائها فقالوا أربعة قال ائتوني بهم وأعاد عليها السؤال فأعادت الإجابة فألقى بأول ولد واسمعوا مع أمه صراخه وسكوته الأبدي .. أرأيتم لأي درجة تحملت ؟!ثم أعاد السؤال وأعادت الإجابة وألقى الثاني ثم الثالث .. ولما جئ بالرضيع تشبثت به فالرضيع فوق احتمالها أن تراه يحترق أمام عينيها وهو يلتصق بصدرها طوال النهار .. يقول النبي صلى الله عليه وسلم فهذا الرضيع من الأطفال الذين تكلَّموا في المهد مثل سيدنا عيسى فأنطقه الله ،فقال لها : "يا أمي إنك على الحق فأثبُتي"!!! فألقوه في النار ثم ألقوا الماشطة بعد ذلك .
يقول النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة المعراج كان يشم رائحة زكية عطرة جميلة تملأ السماء فقال لجبريل ما هذه الرائحة ؟فقال : أوَ لا تعرفها ؟.. فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم :لا فقال جبريل إنها رائحة ماشطة ابنة فرعون وأبنائها .
هذه أمثلة لأناس ثبتوا في مواقف شديدة الصعوبة ،أما نحن فالثبات مطلوب منا في ما هو أقل من ذلك .. الثبات على الدعاء والإيمان وغداً نعرف كيف نثبت .

إن هدفنا كما قلنا من البداية هو التخلص من المحن الكثيرة التى اصابتنا ومن محنة العراق التى نحياها الآن .. وهذا كما قلنا لن يحدث حتى نغير ما بنفوسنا ......

تحدَّثنا قبل ذلك عن الثبات على الفكرة والثبات على العبادة فتعالوا نسأل انفسنا ما الذى يجعلنا نسقط ولا نظل صامدين ثابتين؟؟ الذين فقدوا هذا الإهتمام وهذه الهمة كيف فقدوهما ؟ شعور الناس بالمسئولية نجاه شئ معين مثل قضية فلسطين ماالذى يجعلهم يفقدونه ؟؟ حماس الأمة للتدين والعبادة يعلو فى رمضان ثم بعد رمضان يعود الكثير -وليس الكل ولله الحمد- الى ما كانوا عليه قبل ذلك .. لماذا؟ لماذا تسقط الناس فى الطريق .

تعالوا نتخيل بعض الأسباب وقد تجد نفسك فى واحدة منها :
شاب تدين وأقبل على الله بكل حماس ثم فى تعاملاته العادية يخطئ فى حقه شخص آخر متدين .. أو يُسرق حذاؤه الغالى الثمن من المسجد وهو يصلى ... فيبتعد ويقول:" لا،إن الدين والتدين والمتدينين ليسوا كما كنت أظن ان فيهم كذا وكذا ....."!!! حذارِ أن توقف مسيرة تدينك من أجل الناس فقد قال سيدنا على بن ابى طالب:" إعرف الحق تعرِف أهله ولا يُعرف الحق بأهله "... أى إن الدين يقيس تصرفات الناس ويحدد حسنها من سيئها وليس العكس..
ومثال ذلك الآية الكريمة :" ومِن النَّاسِ من يعبُد اللهَ على حرفٍ فإنْ أصابه خيرٌ اطمأنَّ به وإن أصابته فِتنةٌ انقلب على وجهِه خسرَ الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المُبين" ...سورة الحج....آية11

مثال آخر لشخص أقبل على الله بصِدق ثم أخذته مشاغل الحياة من زواج أو نجاح أو مال ... فضعف ارتباطه بالدين لكثرة مشاغله ..

شخص آخر مقبل على الله فإذا أؤذى بأى طريق ...مثل سخرية أصحابه منه !!!أو فتاة طردوها من العمل بسبب الحجاب ....تراهما يتراجعان.
شخصٌ آخر تديَّن من زمن قريب ،لكنه لم يعد يتذوق حلاوة الإيمان -إن للإيمان حلاوة!!!-فأصبحت عباداته .فاترة لم يعد بها الروح الجذلة التى كانت تحركه ..وكل أعماله الدينية روتين بارد هنا يقول الله تبارك وتعالى :{ ألم يأنِ للذين آمنوا أنْ تخشعَ قلوبُهم لذِكر اللهِ وما نَزَل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتابَ من قبل فَطال عليهِم الأمَدُ فَقَسَتْ قلوبُهم وكثير ٌمنهم فاسقون}...سورة الحديد...آية 16
يقولون لما سمع الصحابة هذه الآية ظلوا يبكون

شخص آخر بدا متحمساً جداً ومدافعاً عن قضايا كثيرة ثم اصابه الملل .... وفى هذا يقول تبارك وتعالى :{ أمْ حسِبتم ان تدخلوا الجنةَ ولمَّايعلم اللهُ الذين جاهدوا منكم و يعلم َالصابرين}....سورة آل عمران...آية 142

شخص أخير تأخذه هموم الحياة فيتقاعس عن الفكرة .
بسم الله الرحمن الرحيم :{يأيُّها الذين آمنوا مالكُم إذا قيلَ لكم أنفِروا فى سبيلِ اللهِ اثَّاقَلتُم الى الأرض أرضيتُم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع ُالحياةِ الدنيا في الآخرة إلا قليل "سورة التوبة...آية 38

يجمع كل هؤلاء الذين ساروا فى الطريق زمنا طال أو قصر ثم تراجعوا ولم يثبتوا،آية جميلة ذات مغزى ومدلول : بسم الله الرحمن الرحيم : {ولا تكونوا كالَّتى نقضَت غزلَها من بعد قوةٍأنكاثاً تتخذون أيمانكُم دَخَلاً بينكم أن تكونَ أمةٌ هي أَربى مِن أمة إنما يبلوكم اللهُ به وليبينَنَّ لكم يومَ القيامة ما كُنتُم فيه تختلفون.".سورة النحل...آية 92

يا الله هل تتخيلوا الصورة؟إمراة ظلت تعمل بجد واجتهاد لتغزل رداء جميلا فلما وصلت للسطر الأخير قطعت الخيط بيدها فتهلهل الغزل واصبح لا يصلح لشئ.

يقفز السؤال بخفة :كيف نثبت ؟؟ نعم بعد كل ما أوردناه من أشكال التراجع وأسبابها كيف نثبت ؟؟
لقد وجدت صعوبة شديدة لتحضير هذه الفكرة .. وكيفية تناولها ومن أين نبدأها ..
وجدت أثناء تحضيرى أفكار كثيرة سأوردها معكم حتى نصل للحل العملى الذى يتشكل فى مجموعة نقاط ,, أول طرق الثبات :
الفهم الصحيح للإسلام ... فعلا إذا أحسنَّا فهم ديننا لن نخطئ ولن نضعف .. قراءة سِيَر الصالحين والأنبياءوذوى الهمة العالية ...ونستدل على ذلك بقول الله تبارك و تعالى : {وكُلاًَّ نقُصُّ عليكَ من انباء الرسل ما نثبِّت به فؤادَك وجاءك في هذه الحق وموعظةٌ وذِكرى للمؤمنين}...سورة هود...آية 120

نصيحة أخرى فى أحد الكتب : أكثِر من ذكر الله وخاصةً قول لا إله إلا الله فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جدِّدوا إيمانكم فإن الإيمان يبلَى كما يبلَى الثوب فقالوا كيف نجدده فقال صلى الله عليه وسلم قولوا لا إله إلا الله ...

وسبيل ثالث : الصبر .. فلا تتعجلوا قال تعالى{ أتَى امرُ اللهِ فلا تستَعجلوه}....سورة النحل....آية1
وقال أيضا {واستعينوا بالصبر ِوالصلاة}....سورة البقرة...آية45

من أهم وسائل الثبات : عدم الإعجاب بالنفس
فالإعجاب بالنفس آفة من تديَّن وسار على الطريق فينسى أن المُنعم بذلك هو الله وإن لم يتفوَّه بها ويداخله شعور كما داخل قارون :{ إنما أوتيتُه على علمٍ عندى أوَلم يعلم أن اللهَ قد أهلك من قبلِه مِن القرون مَن هو أشدُّ مِنْهُ قوَّةً وأكثرُ جَمعاً ولا يُسئل عن ذنوبِهِمُ المُجرمون}...سورة القصص....آية78 ومن هنا يبدأ إنحداره وفقده للثبات ...
كل هذه الأمور أمور إيمانية فكيف يثبت الآخرين .من غير المسلمين : غاندى ..نيلسون مانديلا وغيرهم ..

هناك صفات تجمع كل الناس وتساعدهم على الثبات:
أولهم أن تكون صاحب قضية هى كل حياتك ولا ترضى بغيرها بديلا مهما كانت البدائل تبدو أحلى ..
ثانيهم إحترام الذات ..

إذن نخلص من كل ذلك الى أربع نقاط نتعامل معهم فنصبح من الثابتين بإذن الله
1-الدعاء : الإستعانة بالله بالدعاء ...لا تقلِّبوا أيديكم وشفاهكم وتقولوا أهذا ما ننتظره منك بعد كل ذلك ؟ نعم لا تستهينوا بالدعاء فهو سلاح المسلم .. إن المعونة من عند الله فاطلبها بقلب خاشع و نفس تتضرع ..تريد أن تثبِّت إيمانك ؟ اطلب من الله ان يثبِّتك . بسم الله الرحمن الرحيم ..{ يُثَبِّتُ اللهُ الذين أمَنوا بالقولِ الثابت فى الحياةِ الدُنيا وفى الآخرة} ...سورة إبراهيم...آية 27
تريد أن تثبُت اطلبها ممن يهَب الثبات :قال تعالى :{ وإذ يوحِى ربُّك الى الملائكةِ انِّى معكُم فثبِّتوا الذين آمَنوا سأُلقي في فلوبِ الذين كفروا الرعبَ فاضربوا فوق الأعناق واضرِبوا منهم كلَّ بَنان ".سورة الأنفال....آية 12
كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا فرغ من دفن احد الصحابة وقف على قبره ويقول إستغفروا الله وإسالوا لأخيكم الثبات فإنه يُسئل الآن....

انظر للنبى صلى الله عليه وسلم تقول عنه أمسلمة كان أكثر دعاء يدعوه رسول الله صلى الله عليه وسلم : "اللهم يا مقلِّب القلوب والأبصار ثبِّت قلبى على دينك" .. فتقول أم سلمة رضى الله عنها فسألته يا رسول الله لماذا هذا الدعاء فأجاب صلى الله عليه وسلم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلِّبها كيف يشاء .. ثم تلا قول الله تعالى : {ربنا لاتُزِغ قلوبَنا بعد إذ هديتَنا وهَب لَنا من لَدُنك رحمةً إنَّك أنتَ الوهَّاب} ...سورة آل عمران....آية 8

صدقونى لن نقدر على فعل شئ من غير استعانة بالله .. وهنا مثال يحدث كل عام سبحان الله أثناء صعود الحجيج للوقوف بعرفات كل منا يُمنِّى نفسه بأنه سيدعو طول النهار بكل ما يخطر على البال ولم لا والدعاء مستجاب ؟!! فإذا كنا على عرفات من الساعة الحادية عشرة صباحا لا تجد احد قادر على الدعاء بحقه .فبين نائم ومتعب وداعى بلا حماسة أو قلب حاضر ... فينتشر إحساس بالإحباط لماذا ؟ نظن أننا قادرين... أننا قادرين على الدعاء بسهولة من عند أنفسنا ..لا والله حتى يفتح الله علينا ويحدث هذا كل عام بعد صلاة العصر فترتفع الكف لأن الوقت سينتهى ولم يدع أحد كما تصور ..هنا الضراعة .. ولايمكن أن يمر عرفات يارب بدون دعاء فيمنح الله القدرة على الدعاء وتنطلق الألسن والقلوب

2-صحبة الصالحين : قل لى من صاحبُك أقل لك هل ستثبت و تتوب أم لا ... المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخالل... وأنظروا الى قوله تعالى : {والعصر ان الإنسان لفى خُسر _ الإنسان هو كل إنسان فكلنا فى خُسر إلا – إلا الذين امنوا وتواصَوا بالحقِّ و تواصَوابالصبر }..

يقول الإمام الشافعى لولم يكن فى القرآن غير هذه الآية لكفَت المسلمين ... يقول تعالى لرسوله الكريم: {واصبِر نفسك مع الذين يدْعون ربَّهم بالغَداةِ والعَشِى يُريدون وجهَه}....سورة الكهف...آية 28
إذن حتى رسول الله يحتاج لصحبة الصالحين ... لأننا سنعلِّم بعضُنا بعضا :{ وتواصَوا بالحقِّ و تواصَوا بالصبر} .فلو أن أحد اصدقائك بعيد عن الله فابتعد عنه أنت أيضاً .... وأكبر مثال على ذلك عُقبة بن أبي معيط من اشد الناس إيذاء لرسول الله صلى الله عليه و سلم وقد قتل كافرا فى غزوة بدر ... أتعرفون أن عُقبة هذا جلس الى النبى و إقتنع فعلا بالإسلام وكاد أن يُسلِم ,,فذهب الى صديقه الصَدوق المقرَّب ابوجهل فأخبره ..فقال أبو جهل لعنة الله عليه لن تحتفظ بصداقتى حتى تذهب فتبصُق فى وجه محمد ..ففعلها الغبى الجهول ... أرأيتم؟كان أمام إختيارين:الإسلام أو صديقه فاختار صديقه . بسم الله الرحمن الرحيم :{ويومَ يَعَضُّ الظالمُ على يديهِ يقولُ يا ليتني اتَّخذت ُمع الرسولِ سبيلا .يا ويلتَى ليتَنى لم أتَّخِذ فُلاناً خَليلا لقد أضلََّنى عن الذِكر بعد إذ جاءَني وكان الشيطانُ للإنسانِ خَذولاً} ....سورة الفرقان...آية 27،28،29

3-إعمل للإسلام ... إتخذ أى وسيلة تنفع بها الإسلام وقضاياه والمسلمين واحتياجاتهم .
بسم الله الرحمن الرحيم {إن تَنْصروا اللهَ ينصُركم ويثبِّت أقدامَكم} ....سورة محمد...آية 7
اذكروا غاندى كان العمل لتحرير بلاده قضية حياته فاجعلوا الإسلام قضية حياتكم ... يقول العلماء هناك منطقتان فى المخ منطقة القِيَم والقناعات ومنطقة اكثر عمقا هى منطقة الهوية والإنتماء ... أن العمل من اجل القناعة هو ما ينقلها الى مستوى الإنتماء ..ولذلك القرآن دائما يتكلم عن العمل .. قال تعالى :{ كُنتم خيرَ أمَّةٍ أُخرِجَت للنَّاس تأمرون بالمعروف وتنهَوْن عن المُنكر و تُؤمِنون بالله} ...سورة آل عمران...آية 110
كان المنطق الذى نتصوره يبدا ب"ؤمنون بالله " لكن الحق يريد منا العمل فى سبيل هذا الإيمان.
4-آخر وأهم ما نفعله لثبت : التمسك بكتاب الله ...
القرآن العظيم ... كتاب الله المنزَّل وذِكره الحكيم ... أكثِروا من قراءة القرآن و تلاوته وتعلموه واعرفوا تفسيره .. عيشوا بالقرآن و للقرآن وإدعو الله من شِغاف قلوبكم أن يكون لكم دليلا وهاديا ....
وأنا أقسم بالله العظيم اذا لجأتم لهذه الوسائل الأربعة لتثبتُن على الحق .... ثبتنا الله و إياكم وما أزلَّ أقدامنا،آمين.
0
581

يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.

تسجيل دخول

خليك أول من تشارك برأيها   💁🏻‍♀️