أم شماء

أم شماء @am_shmaaa

رحيق الصحة

الطفل الانطوائي.. ظاهرة تحتاج إلى الاهتمام

الأمومة والطفل

د. محمد صفوان موصلي
طبيب أطفال ورضّع


يعتبر اكتئاب الأطفال من الأمراض التي بدأ التركيز على معالجتها منذ المراحل الأولى من الطفولة، إن الخجل هو من خصائص الإنسان الأكثر شيوعاً التي لا يعير لها الأهل اهتماماً كبيراً فنلاحظ بأن الأهل يتقبلون هذه الصفة وقد يرحبون بها لأن الطفل المصاب بالخجل أو الاكتئاب لا يزعج أحداً فيمر الجميع على خجله مرور الكرام وقد ترحب معلمات المرحلة الابتدائية بهذه الصفة وتعتبرها دليلاً على الانضباط والاهتمام بالتعليم وهنا يجب أن نعترف بأن هنالك عاملاً وراثياً مهماً وراء هذه الاضطرابات العضوية، فلقد أثبتت الدراسات الحديثة التي ظهرت نتائجها حديثاً بأن هنالك دوراً هرمونياً تحدده الوراثة للإصابة بالكآبة عند الأطفال ويتركز حول إفراز هرمون النمو حيث لوحظ عند دراسة شريحة من الأطفال ولفترة سنوات طويلة بعد أن تم إعطاؤهم الهرمون الخاص لتحريض إفراز هرمون النموG.H.R.F بأن شريحة الأطفال المصابين بالكآبة لوحظ بأن إفراز هرمون النمو (GH) يكون أقل من أقرانهم وهذا يضع سبباً عضوياً وراء الاستعداد للإصابة بالاضطرابات النفسية كالاكتئاب والخجل المرضي.



وهنا يجب التمييز بين نوعين من الخجل، الخجل السوي عند الأطفال والخجل الشديد الذي يؤثر على ثقة الطفل بنفسه ويجعله عرضة للكآبة فبعض الأولاد يتميزون ببطء الاستجابة فهم لا ينفعلون بسرعة ويفكرون بالأشياء قبل القيام بها ويفضلون المراقبة على المشاركة ولكنهم إذا حصلوا على درجة من التشجيع فإنهم قادرون على الانخراط في دائرة الحياة والقيام بالمهام بالشكل المطلوب وهنا يجب التعامل مع هذه النوعية من الأطفال حسب إيقاعهم وعدم الضغط عليهم مع مراعاة الاستمرار بتشجيعهم ومنذ مراحل الطفولة الأولى.

يجب أن يكون واضحاً بأن اضطرابات السلوك كالاكتئاب والخجل الشديد الذي قد يترافق مع الإحساس بالقلق والخوف الذي يمكن أن يكون شديداً جداً بحيث يصل إلى درجة الرهاب قد يكون وراءه عامل وراثي كما بينت الدراسات على العديد من التوائم ولكن يجب الأخذ بالحسبان أن الخجل يعتبر من الخصائص المرنة في شخصية الإنسان ويتأثر كثيراً بالمحيط الذي ينشأ ويترعرع فيه الولد. إن الاستعداد الوراثي هو حقيقة في هذا المجال للعديد من الحالات فهنالك أساس جيني لهذه الاضطرابات كما تؤكد الدراسات في هذا المجال لكن معظم علماء النفس يرون في دور التربية التي يتلقاها الطفل في البيت أهمية بالغة في تطوير شخصيته.

يتميز العديد من الأطفال بجهاز عصبي حساس جداً بحيث يتظاهر ذلك بشدة تأثره بالمؤثرات الخارجية كسماع صوت حاد أو رؤية أشياء غير مألوفة ويتظاهر ذلك بسرعة انفعالهم تجاه أي تغير مفاجئ في محيطهم ينعكس على شكل بكاء حاد وتوتر ولكن هنا يجب الإشارة إلى أنه بعد إجراء العديد من الدراسات تبين بأن هذه النسبة من الأطفال الحساسين قد تصل إلى عشرين بالمائة من الشريحة المدروسة من الأولاد والبنات ولكن وبعد الاستمرار بالدراسة لعدة سنوات تبين بأن خمسين بالمائة من هذه الشريحة الحساسة من الأولاد ممن أتيحت لهم فرصة الدعم الاجتماعي في محيط العائلة فظهر بأنهم يتميزون بشخصية اجتماعية منفتحة على الآخرين ويتميزون بتفاعل إيجابي مع المجتمع ويأخذون بشجاعة روح المبادرة بينما بقي الخمسون بالمائة الآخرون خجولين اعتماداً على استعدادهم الإرثي ولفقر اهتمام محيطهم الخارجي بإعطاء هذه المشكلة حيزاً من اهتمامهم.

إن قدرة الأهل على تدريب أولادهم على التأقلم مع الظروف غير الاعتيادية وتقبل الأشياء الطارئة والمتغيرات التي تحصل في محيط الطفل بشكل يومي من رؤيته أشخاصاً جديدين وسماعه مؤثرات صوتية جديدة تؤثر بشكل كبير على قدرته على التأقلم في المستقبل وعلى زرع الروح الإيجابية لدى الطفل بحيث يكون عنده القدرة على القيام بالمبادرة الإيجابية في المستقبل والمناورات الاجتماعية وهنا تجدر الإشارة إلى أهمية تجنب انتقاد الطفل بشكل مستمر أو ضرب الطفل أو الاعتداء عليه بشكل عضوي أو نفسي لأن ذلك سوف يزرع بداخله بذور الأمراض النفسية التي تتفاقم مع مرور الزمن. وهنا نلاحظ عند الأطفال الذين تضعف ثقتهم بالنفس ازدياد المشاكل السلوكية وقد تنعكس على شكل أمراض عضوية كآلام البطن والصداع وآلام الصدر وقد تكون على الشكل الجنوح أو الميل إلى العدوانية والقلق وعدم الحماس ما يؤدي إلى تردي التحصيل العلمي في المدرسة.

إننا بشكل عام في مجتمعاتنا العربية نشجع السلوك الهادئ عند الأولاد ما يعطي فرصة عند بعض الأسر إلى تشجيع انزواء الطفل ما قد يعمق عنده الإحساس بالكآبة و الانطوائية والخجل وقد يتظاهر ذلك بشكل أوضح عند البنات حيث بينت الدراسات بأن أكثر من ستين بالمائة من الشريحة المصابة بهذه المشاكل هم من البنات إن هذا السلوك الاجتماعي من قبل الأهل قد يدفع بالأطفال من ذوي الحساسية الخاصة إلى التصرف السلبي الاتكالي وعدم أخذ المبادرات أو إبداء الرأي بل الصمت والتصرف الخجول ما يصب في نهاية الأمر إلى إصابة الطفل بالاكتئاب النفسي الذي قد يدمر حياة الإنسان مع مرور الوقت ويعيق قدرته على العطاء في المجتمع ويؤثر بشكل كبير على قدرته في بناء أسرة متماسكة.

إن علاج هذه المشاكل السلوكية يحتاج إلى وعي من قبل الأهل منذ الأشهر الأولى من حياة الطفل وهذا يستدعي أن يهتم الأهل بالثقافة العامة في تربية الطفل بغض النظر عن الخلفية العلمية للأب والأم من قراءة الكتب التخصصية في هذا المجال والتي قد يتوفر منها كتب صغيرة بسيطة تتناسب مع المستويات المختلفة للآباء والأمهات.

تكتسب الثقة بالنفس من خلال احتضان الوالدين للطفل والبسمة والحوار فهذا كله يعطيه إحساسا بإيجابية المجتمع من حوله ويجب أن يكون هذا الدعم النفسي غير مبالغ فيه. وبين العام الأول والرابع يبدأ الطفل بالميل إلى الاستقلالية ورفض أوامر الأهل وهنا يجب أن نشجعه على هذا الميل فهو يحاول أن يكتشف الأشياء من حوله وقدراته على التعامل معها ويراعى أن يقوم الأهل بمراقبة تصرفات الطفل بشكل غير مباشر وتشجيعه على أخذ المبادرة والتصرف بحرية ضمن بيئة أمينة من حوله بحيث لا يتعرض إلى الحوادث داخل المنزل أو خارجه.

ويجب أن يراعي الأهل الاستماع إلى الطفل واحترام آرائه وأفكاره وعدم تجنب القصص التي يأتي بها تحججاً بضيق الوقت وعدم أهمية هذه الأمور فمن هنا تبدأ المراحل الأولى لبناء شخصية الطفل وزرع بذور الإيجابية والمبادرة لرجل المستقبل ويجب أيضاً التركيز على أهمية توافق آراء الأم والأب حول ما هو مسموح وما هو ممنوع فيجب أن يكون هنالك قوانين في داخل المنزل تكون مغلفة بأساليب المحبة والحنان والعطف فحصول الطفل على كل ما يريده داخل مملكته الخاصة قد يكون قنبلة موقوتة تنفجر عند خروجه إلى المجتمع الخارجي حيث لن يجد الأشخاص الذين يحيطونه في المدرسة أو خارج البيت على نفس الدرجة من التفهم وتحقيق طلباته المعتادة فلقد كان الآمر الناهي داخل الأسرة الصغيرة وهنا تبدأ مشاكله مع المجتمع الخارجي الذي يرفض تقبل كل طلباته وأوامره. إن القوانين المنطقية داخل المنزل والتي يتفق عليها الأب والأم تكون هي الوسيلة الأمثل لتعليم الطفل كيفية التعامل مع ضغوطات حياة المستقبل وزرع بذور الثقة بالنفس و القدرة على العيش ضمن المجتمع.



منقووول
0
524

يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.

تسجيل دخول

خليك أول من تشارك برأيها   💁🏻‍♀️