لكن، حين يغالي الباذل في عطائه، ويتجاوز حدوده، يتحوّل من فضيلة تُزكّي الروح إلى عبءٍ ثقيل يستنزفها .
فالمشكلة ليست في العطاء ذاته، بل في كمّيته حين يغيب عنه التوازن، وتفقد بوصلة توجيهه.
ما زلت أستذكر أيامي الخوالي حين كنتُ أمدّ يدي دائمًا، بلا حساب، بلا تمييز، بلا انتظار ل"جزاء أو شكورا" بلا سؤال: هل يستحق من أعطيه؟ كنتُ أرى في العطاء حدًّا لا يُمكن تجاوزه، بل هواية ومتعة ألفتها ولازمتني، حتى ذبلت، وصار التعب يرافق كل لمسة رحمة، ومسحة عطاء.أهملتُ نفسي تدريجيًا، وضحّيت بما كان حقي: راحتي، صحتي، وطمأنينتي.
كنت أظن أن التضحية المطلقة هي قمة البر والإحسان فقد تعلمت أن "جزاء الإحسان إلا الإحسان"، حتى اكتشفت أن الإحسان الحقيقي يبدأ بحفظ الذات أولًا.
فالعطاء الذي يُفني صاحبه ليس فضيلة، بل خلل في ميزان الحياة.

مع مرور الأيام ، صار الألم معلمي الصادق، وخيبات الأمل تتراكم مع من أعطيتهم بلا حدود، حتى شعرت أنني أوشكت على الانهيار. حينها فقط، أدركت أن الاستمرار في هذا الطريق لن يؤدي إلا إلى فقدان نفسي وراحة روحي.
بدأتُ أُعيد ترتيب أولوياتي، أضع حدودًا واضحة، أتعلم أن أقول “لا” حين يلزم، وأن أُعطي بوعي، في موضعه، دون أن يكون العطاء على حساب نفسي.
لم يعد العطاء بالنسبة لي كل شيء، بل أصبح فنًّا متوازنًا، بين عطائي للآخرين وحقّي في ذاتي فديننا أمرنا بالتوسط في كل شيء( وكذلك جعلناكم أمة وسطا) .
واليوم، أعيش في هذا التوازن بحذرٍ ووعي، لا أفراط ولا تفريط . أعطي بقدر، وأحفظ نفسي بقدر، لأجعل لكل منّي مكانًا، ولغيري قيمةً حقيقية لا إفراط فيها.تعلّمت أن العطاء الحقيقي هو الذي يبقيك قائمًا، لا الذي يُسقطك.
وأن النفس أمانة لا يجوز التفريط بها بحجة الإحسان للآخرين.
فهل يمكننا أن نعطي دون أن نُرهق أنفسنا؟ وهل يمكن أن يكون عطاؤنا قوةً، لا ضعفًا؟ هذا هو التوازن الذي يستحق أن نسعى إليه.
طييييييف
وأنصفت نفسك بذلك !!
كتاباتك قطعت شوطاً بعيداً ..
وأسلوبك متمكن مليء بالثقة
غني بالمعاني
فمرحباً بك بعد غياب ..
وبورك الحضور الجميل