النظرة الراحلة ..
كانت على سرير المستشفى تئن من الألم.. دخلت عليها بابتسامة الصداقة... وابتسمت لي بابتسامة تحمل الألم
والحزن بنفس الوقت... ولكن لا تخلو من معنى الصداقة....
اقتربت منها وجلست بجانب سريرها الأبيض... الذي يحمل أناسا قد ارتدوا النظارة السوداء قبل النوم عليه...
مسحت على شعرها ونظرت إلى عينيها التي رقت لمعانا من الدموع ... فأغمضتها ليسيل ذلك الدمع على خدها
الطاهر ... ففتحتها تنظر إلي ... وقالت لي:
_ سامحيني إن فعلت لكي شيئا... وسامحيني إن ظلمتك يوما...!!!
جلست في صمت... بينما كانت أعيننا تتبادل الحديث ... وكانت يدي تضغط على يدها بشدة ....
وما لبثت إلا أن جاء صوتها وكسر حاجز الصمت قائلة :
تعرفين كيف أرى الدنيا الآن؟ أراها بمعناها الحقيقي .. أراها صغيرة أصغر من النملة السوداء ... أرى كل شيء
فيها تافه ... ليتني كنت أراها مثل ما أراها الآن ... لكان عشت حياة صحيحة مستقيمة ...
مسكت يدي قائلة :
صديقتي انظري للدنيا أنها رحلة .. وكأنك في طائرة.. ويجب أن تعرفي أن في أي وقت ستصلين إلى المكان
المقصود...لن تبقي في الطائرة للأبدية ...سوف يأتي اليوم الذي تصلين فيه ....
آآآآآآآه ليتني حفظت اجزاء القرآن كلها... وليتني لم أسمع أغاني ابدا.. وليتني لم أنظر الى تلك الأفلام وليتني
لم أضيع وقتي بالجلوس عليها.... وليتني ....
باتت بالصمت قليلا.. بينما بدات عيناها بإذراف الدموع ... ورفعت يديها ترجو الإله قائلة:
اللهم ارحمني ... وهون علي سكرات الموت... ووسع لي قبري .. واجعله اللهم روضا من رياض الجنة...آمين
فأخذتها بقوة أحضنها ..كأم لم ترى إبنها من سنين...وأخذت قائلة لها :
عزيزتي (إنما الأعمال بالنيات)... وانتي كانت نيتك سليمة طيبة .. فالله سيرحمك ويرحمنا بإذنه تعالى ...
فالتفتت إلي .. مسترجعة الذكريات .. ببسمة يعلوها الحزن والأنين... قائلة لي:
أتذكرين ... يوم إلتقينا أول مرة ....تذكرين يوم نظرت إليك .... كانت أول نظرة فماذا تسميها ؟
مسحت دموعي .. وابتسمت ابتسامة صفراء . وقلت لها:
اسميها (نظرة اللقاء)....
فقالت لي:
وهل تذكري نظراتنا لبعضنا عندما جلسنا سويا ... وأكلنا معا .. ودرسنا معا ...عندما ملكنا الدنيا بصداقتنا
الجميلة المخلصة الصادقة ... هل تذكرين عندما عقدنا عقد أن نظل اصدقاء الى الأبد .. ولن يفارق أحدنا
الآخر....
وهل تذكرين عندما مسكنا القلم لكي نوقع على هذه الإتفاقية ... فضحكنا ونظرنا نظرة ماذا تسميها؟
فازدادت دموعي ... واختنق صوتي وقلت لها :
أسميها ( النظرة الباقية )..(النظرة الأبدية)... وسنظل اصدقاء الى الأبد الى الان ولن أسمح لكي ان ترحلي
وتتركيني في هذه الدنيا لوحدي...
فإبتسمت مرة أخرى ... ولم تكترث لما قلته... وباتت صامته ... وقالت لي بصوت خافت :
وماذا تسمي هذه النظرة التي تنظريها لي الآن....
قلت لها أمازحها :
نظرة عينيك الجميلة ... ..
ولم أكمل كلامي حتى اسمع إن وقت الزيارة قد انتهى ....ولزم علي الخروج.. فقمت عن مكاني مودعة صديقتي
على أن سأزورها غدا بنفس الموعد... فمسكت يدي قائلة:
انتبهي لنفسك... وليحفظك الإله...
فسلمت عليها وخرجت حاملة ثقل الهم في قلبي ... خوفا من فراقها ...
فأتى اليوم التالي... وجاء ذلك الموعد وخرجت متحمسة إلى مقابلة صديقتي العزيزة .. متأملة بأن أرى حالها
قد تحسن ... وأنها استعادت قوتها الجسمية .....
فدخلت الى المستشفى .. حاملة معي بعض الحلوى التي تحبها صديقتي...فأتيت عند الغرفة ...ودخلت مبتسمة
ومستبشرة خيرا...ونظرت الى سريها الأبيض.. فوجدته خاليا ....ونظرت الى المرأة داخل الغرفة التي تقوم
بتنظيفها....فقلت لها:
أين الفتاة التي كانت هنا.؟
فقالت لي بحزن كلمة واحدة فقط..وهي:
رحلــــــــت..
فوقفت في مكاني انظر الى تلك الحلوى التي تحبها .. وانظر الى تلك المرأة .. فلم اسألها الى اين رحلت ...
هل رحلت البيت ؟ ام الى عالم البرزخية .!!! لأني أيقنت أنها رحلت عن الوجود كله .. أيقنت أن لن أراها مرة
أخرى...
عرفت أننا لن نتقابل مرة اخرى ... لن أسمع ضحكاتها ... لن أستمع اليها مرة أخرى ..
لقت رحلت .. رحيل بلا عودة ...
تذكرت عندما رحلت الى بلد اخر وغابت عني شهرا .. بكيت لفراقها لهذه المدة .. واشتقت اليها ... ولكن الأن
شوقي سيمتد الى مالا حدود ... وسأظل ابحث عن هذه الإنسانة التي بادلتها الحب الصادق فلن اجدها سواء بعد
شهرا او بعد سنين ....
وفي تلك اللحظة ايقنت .. أنها كانت تقصد في هذه النظرة ... الرحيل...
نعم كانت نظرتها لي هي..( النظـــــرة الراحـــــــلـــــة)...
فهذد هي حياتنا ... تبدا ب(نظرة اللقاء)... وتستمر ب(نظرة البقاء)... وتنتهي (بنظرة الرحيل)...
فكلنا ننظر الى بعضنا .... ولكن هناك لحظة ستكون فيها نظرتنا هي أخر نظره في حياتنا او حياة الغير....
فالنسبق هذه اللحظات الأخيرة بذكريات جميلة ... وليحفظنا الله اجمعين...
*النظرة الراحلة * @alnthr_alrahl
عضوة جديدة
يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.
خليك أول من تشارك برأيها 💁🏻♀️