ذكرى قلبي
•
الحافلة رقم (19)
قصة للأديب محمد مكرم
"هناك على الضفة الأخرى من طبريا ، هناك جهة المشرق ، يعيش الناس ككل الناس ، يسكنون ويعملون ويسافرون حيث يريدون ، هناك يعيش الناس أحراراً ، لا يوقفهم أحد ولا يفتشهم أحد ، ولا ينعتهم أحد بالعرب ، "فالعربي" ليست سبة عندهم كما هي عندنا.هناك لا يستطيع أحد أن يصفهم بالوحشية والتخلف ويقتلهم بدم بارد دون سبب.هناك لا وجوه غريبة باردة قاسية ولا أصوات تنعب "بالخاء" وتعوي "بالعين" طوال الوقت ، لا عيون تدور وتدور في محاجرها ، ولا بنادق محشوة مستعدة لقذف النيران من أجوافها السوداء عند أدنى حركة."
" طبريا اليوم غير طبريا الأمس ، طبريا اليوم أوكار للمفسدين والمترفين من أقصى العالم إلى أقصاه ، طبريا اليوم ضحكات ساقطات وأجساد متمايلات ، وأنّات دنسة. وطبريا الأمس هي تلك المباني المهدمة ، بجدرانها المتصدعة بجدرانها المتصدعة وساحاتها المقفرة ونوافيرها المنزلية الخربة ، ومسجدها الأسير ، ذلك المسجد الذي يمد عنقه إلى علٍ كمن يشرف على الغرق.إنها ذكريات الصيادين البسطاء ، وقناديل المقاهي الفقيرة في ليالي الصيف الصافية."
" أتمنى لو أنني أعرف السباحة لرميت بنفسي في حضنك الدافئ أيتها الحانية الغالية ، لأغسل همومي وأنسى ، أنسى كل شيء ، أنسى منظر فادي ويده التي تقبض على الحجر ، والدم يملء ملابسه ، وعينه فجوة سوداء ، لا شيء هنالك سوى اللاشيء.
" فادي مات يا اسماعيل . . فادي مات . . طخّوه . . " ، " لا ، فادي لا يمكن أن يموت ، فادي في المدرسة . . " ، " لا ، لقد رأيته على التلفزيون ، قميصه الأبيض وبنطاله الأخضر ، وحقيبته الحمراء على ظهره ، رمى حجراً وأمسك بآخر ليرميه وقبل أن يفعل سقط على الأرض."
كانت أمي على حق ، أذكر صورة فادي ذي سبع السنين ، وقد أحضروه إلى البيت ، الحجر في يده ، وحقيبته على ظهره وعينه المغمضة خجلاً من أختها التي فجرّها رصاص "يهود" ، كان منظره . . . لا أعرف كيف شعرت لحظتها . . لا أعرف.شعرت بأنني مسؤول عن قتله ، لماذا لم أكن أنا؟! أنا أخوه الأكبر وأحق بالموت منه ، عندها شعرت بأن الحياة لعبة تافهة مملة ، وأن الموت هو الحقيقة الوحيدة على هذه الأرض ، فإن كان لا بد لنا من الموت " فعليّ وعلى أعدائي يا رب . . "
نظر إسماعيل إلى حقيبة التي كانت تقبع إلى جانبه على المقعد الخشبي لموقف انتظار الحافلات ، وحدّق بها ثم أخذ ينظر إلى البحيرة من جديد ،" اليوم سنستوفي ديننا يا فادي ، حقيبتي وحقيبتك ستفقآن عيونهم كما فقأوا عينك ، ستشتعل ناراً يحرق أجسادهم وقلوبهم كما أحرقوا قلوبنا عليك.إنتظرني ساعات معدودة وربما أقل من ذلك ، في الحافلة رقم (19) المغادرة إلى تل أبيب سيكون لقاؤنا.
إسماعيل يلتفت وقد علا ضجيج غير عادي حوله ، فإذا عشرات الناس قد تجمهروا بجانب الموقف ، فانتفض على الفور وحمل حقيبته بيده ممسكاً بطرف خيط خفي بين أصابعه.كان الناس ينظرون إلى البحيرة ويشيرون بأيديهم إلى شيء ما ، إنّه غلام صغير."
-" انظروا . . إنه يغرق . . يصعد وينزل . . " صرخ أحد الواقفين.
-" لينزل أحدكم ويساعده . . " قالت امرأة مخاطبة جمهور الواقفين من الرجال.
-" ليكن الرب معه . . اسبح . . اسبح . . هيا . . هيا . . " قال أحد المتدينين اليهود
-" ولدي . . ولدي . . يوسيف . . يوسيف . . ليساعده أحدكم . . " صرخت امرأة وهي تركض بسرعة نحو الحشد المتفرج ، أخذت المرأة تدور على الجميع تمسك بأذرعهم وتهزها بعنف قائلة " ساعدوه . . ساعدوه . . أرجوكم سيموت . . " ، كانت يد الولد وهو يحاول الصعود إلى سطح الماء تقبض على كتلة بيضاء صغيرة ، يصعد وينزل.
" يوسيف . . يوسيف . . " أخذت الأم تنادي ولدها ، كان الولد يصوّب نظره نحو إسماعيل كلما صعد إلى سطح الماء ، كان كأنه فادي الصغير وهو يقبض على ذلك الشيء الأبيض في يده ، إنه يدعو . . ينادي . . يستغيث " لا تدعوني أمت مرتين ، أنقذني يا إسماعيل . . "
قذف إسماعيل حقيبته جانباً ورمى بنفسه في الماء وأخذ يصارع ويصارع ويصارع ، والماء يتطاير في كل الاتجاهات وصوت ذراعيه وهما تهشّمان سطح الماء ، والجمهور ينادي ، والطفل يغوص ، وفادي الصغير وحقيبته الحمراء وعينه المفجرة ، والدماء . . الدماء تملأ كل شيء . . . بحر من الدماء . . وصوت الارتطام ، وفجأة تعلق شيء برقبته ، إنه الطفل الصغير ، لم يكن يشبه فادي على الإطلاق ، وجهه مليء بالنمش الأشقر وعيناه رماديتان صغيرتان ، في هذه الأثناء وصلت الحافلة رقم (19) إلى الموقف ، ونزل السائق والركّاب ليشاهدوا المنظر.
دفع إسماعيل الطفل إلى أعلى وأخذ يدفع ويدفع ويدفع ، وينزل إلى أسفل ثم يرتفع ويدفع ، ثم ينزل يرتفع يدفع ، ثم . . لا شيء . . نزل إلى أسفل ثم ارتفع ولا شيء ، نزل وارتفع مراراً ، لم يكن يستطيع الرؤيا ، كل ما حوله هالة بيضاء كبيرة ، وصور تتوالى ثم تغيب.
-" أنقذوه . . أنقذوه . . لقد أنقذ ولدي . . ليفعل أحدكم شيئاً . . " صرخت أم الطفل وهي تشير إلى إسماعيل.
-" لم نستطع أن ننقذ طفلاً صغيراً فكيف تريدين منا أن ننقذ فتىً في التاسة عشرة من عمره."
-" إنه بطل ، لقد أنقذ الطفل لكنه مات بعده." قالت إحدى الواقفات.
-" كفّي يا امرأة ، إنه مجرد "عربي" لقد سخّر لنا "الجوييم" دائماً من أجل خدمتنا ، دعوه يغرق وهكذا سينقص القتلة واحداً." قال اليهودي المتدين.
-" ماما ، لقد سقطت كرتي في الماء وأردت أن أحضرها." قال الطفل والجميع ينظر إلى إسماعيل وأعلى أصابع يده الممدودة إلى الهواء تختفي شيئاً فشيئاً .
-" والآن وقد مات هذا العربي القذر " قال المتدين " دعونا نمحو أثره إلى الأبد وحمل حقيبة إسماعيل عن المقعد وسط صرخات التأييد ، وبكل قوته قذفها نحوه ، لكن انفجاراً هائلاً دوى في المكان ليحيله إلى فجوة سوداء.
قصة للأديب محمد مكرم
"هناك على الضفة الأخرى من طبريا ، هناك جهة المشرق ، يعيش الناس ككل الناس ، يسكنون ويعملون ويسافرون حيث يريدون ، هناك يعيش الناس أحراراً ، لا يوقفهم أحد ولا يفتشهم أحد ، ولا ينعتهم أحد بالعرب ، "فالعربي" ليست سبة عندهم كما هي عندنا.هناك لا يستطيع أحد أن يصفهم بالوحشية والتخلف ويقتلهم بدم بارد دون سبب.هناك لا وجوه غريبة باردة قاسية ولا أصوات تنعب "بالخاء" وتعوي "بالعين" طوال الوقت ، لا عيون تدور وتدور في محاجرها ، ولا بنادق محشوة مستعدة لقذف النيران من أجوافها السوداء عند أدنى حركة."
" طبريا اليوم غير طبريا الأمس ، طبريا اليوم أوكار للمفسدين والمترفين من أقصى العالم إلى أقصاه ، طبريا اليوم ضحكات ساقطات وأجساد متمايلات ، وأنّات دنسة. وطبريا الأمس هي تلك المباني المهدمة ، بجدرانها المتصدعة بجدرانها المتصدعة وساحاتها المقفرة ونوافيرها المنزلية الخربة ، ومسجدها الأسير ، ذلك المسجد الذي يمد عنقه إلى علٍ كمن يشرف على الغرق.إنها ذكريات الصيادين البسطاء ، وقناديل المقاهي الفقيرة في ليالي الصيف الصافية."
" أتمنى لو أنني أعرف السباحة لرميت بنفسي في حضنك الدافئ أيتها الحانية الغالية ، لأغسل همومي وأنسى ، أنسى كل شيء ، أنسى منظر فادي ويده التي تقبض على الحجر ، والدم يملء ملابسه ، وعينه فجوة سوداء ، لا شيء هنالك سوى اللاشيء.
" فادي مات يا اسماعيل . . فادي مات . . طخّوه . . " ، " لا ، فادي لا يمكن أن يموت ، فادي في المدرسة . . " ، " لا ، لقد رأيته على التلفزيون ، قميصه الأبيض وبنطاله الأخضر ، وحقيبته الحمراء على ظهره ، رمى حجراً وأمسك بآخر ليرميه وقبل أن يفعل سقط على الأرض."
كانت أمي على حق ، أذكر صورة فادي ذي سبع السنين ، وقد أحضروه إلى البيت ، الحجر في يده ، وحقيبته على ظهره وعينه المغمضة خجلاً من أختها التي فجرّها رصاص "يهود" ، كان منظره . . . لا أعرف كيف شعرت لحظتها . . لا أعرف.شعرت بأنني مسؤول عن قتله ، لماذا لم أكن أنا؟! أنا أخوه الأكبر وأحق بالموت منه ، عندها شعرت بأن الحياة لعبة تافهة مملة ، وأن الموت هو الحقيقة الوحيدة على هذه الأرض ، فإن كان لا بد لنا من الموت " فعليّ وعلى أعدائي يا رب . . "
نظر إسماعيل إلى حقيبة التي كانت تقبع إلى جانبه على المقعد الخشبي لموقف انتظار الحافلات ، وحدّق بها ثم أخذ ينظر إلى البحيرة من جديد ،" اليوم سنستوفي ديننا يا فادي ، حقيبتي وحقيبتك ستفقآن عيونهم كما فقأوا عينك ، ستشتعل ناراً يحرق أجسادهم وقلوبهم كما أحرقوا قلوبنا عليك.إنتظرني ساعات معدودة وربما أقل من ذلك ، في الحافلة رقم (19) المغادرة إلى تل أبيب سيكون لقاؤنا.
إسماعيل يلتفت وقد علا ضجيج غير عادي حوله ، فإذا عشرات الناس قد تجمهروا بجانب الموقف ، فانتفض على الفور وحمل حقيبته بيده ممسكاً بطرف خيط خفي بين أصابعه.كان الناس ينظرون إلى البحيرة ويشيرون بأيديهم إلى شيء ما ، إنّه غلام صغير."
-" انظروا . . إنه يغرق . . يصعد وينزل . . " صرخ أحد الواقفين.
-" لينزل أحدكم ويساعده . . " قالت امرأة مخاطبة جمهور الواقفين من الرجال.
-" ليكن الرب معه . . اسبح . . اسبح . . هيا . . هيا . . " قال أحد المتدينين اليهود
-" ولدي . . ولدي . . يوسيف . . يوسيف . . ليساعده أحدكم . . " صرخت امرأة وهي تركض بسرعة نحو الحشد المتفرج ، أخذت المرأة تدور على الجميع تمسك بأذرعهم وتهزها بعنف قائلة " ساعدوه . . ساعدوه . . أرجوكم سيموت . . " ، كانت يد الولد وهو يحاول الصعود إلى سطح الماء تقبض على كتلة بيضاء صغيرة ، يصعد وينزل.
" يوسيف . . يوسيف . . " أخذت الأم تنادي ولدها ، كان الولد يصوّب نظره نحو إسماعيل كلما صعد إلى سطح الماء ، كان كأنه فادي الصغير وهو يقبض على ذلك الشيء الأبيض في يده ، إنه يدعو . . ينادي . . يستغيث " لا تدعوني أمت مرتين ، أنقذني يا إسماعيل . . "
قذف إسماعيل حقيبته جانباً ورمى بنفسه في الماء وأخذ يصارع ويصارع ويصارع ، والماء يتطاير في كل الاتجاهات وصوت ذراعيه وهما تهشّمان سطح الماء ، والجمهور ينادي ، والطفل يغوص ، وفادي الصغير وحقيبته الحمراء وعينه المفجرة ، والدماء . . الدماء تملأ كل شيء . . . بحر من الدماء . . وصوت الارتطام ، وفجأة تعلق شيء برقبته ، إنه الطفل الصغير ، لم يكن يشبه فادي على الإطلاق ، وجهه مليء بالنمش الأشقر وعيناه رماديتان صغيرتان ، في هذه الأثناء وصلت الحافلة رقم (19) إلى الموقف ، ونزل السائق والركّاب ليشاهدوا المنظر.
دفع إسماعيل الطفل إلى أعلى وأخذ يدفع ويدفع ويدفع ، وينزل إلى أسفل ثم يرتفع ويدفع ، ثم ينزل يرتفع يدفع ، ثم . . لا شيء . . نزل إلى أسفل ثم ارتفع ولا شيء ، نزل وارتفع مراراً ، لم يكن يستطيع الرؤيا ، كل ما حوله هالة بيضاء كبيرة ، وصور تتوالى ثم تغيب.
-" أنقذوه . . أنقذوه . . لقد أنقذ ولدي . . ليفعل أحدكم شيئاً . . " صرخت أم الطفل وهي تشير إلى إسماعيل.
-" لم نستطع أن ننقذ طفلاً صغيراً فكيف تريدين منا أن ننقذ فتىً في التاسة عشرة من عمره."
-" إنه بطل ، لقد أنقذ الطفل لكنه مات بعده." قالت إحدى الواقفات.
-" كفّي يا امرأة ، إنه مجرد "عربي" لقد سخّر لنا "الجوييم" دائماً من أجل خدمتنا ، دعوه يغرق وهكذا سينقص القتلة واحداً." قال اليهودي المتدين.
-" ماما ، لقد سقطت كرتي في الماء وأردت أن أحضرها." قال الطفل والجميع ينظر إلى إسماعيل وأعلى أصابع يده الممدودة إلى الهواء تختفي شيئاً فشيئاً .
-" والآن وقد مات هذا العربي القذر " قال المتدين " دعونا نمحو أثره إلى الأبد وحمل حقيبة إسماعيل عن المقعد وسط صرخات التأييد ، وبكل قوته قذفها نحوه ، لكن انفجاراً هائلاً دوى في المكان ليحيله إلى فجوة سوداء.
aloon
•
روعة الصور .. اول مرة بدخل ... انا فلسطينية في امريكا بس كنت في فلسطين ... يعني غربة مؤقته ان شاء الله .. و ما بتخيل اني اظل بعيدة ... فلسطين في قلبي
الصفحة الأخيرة