قشطة محمضة
قشطة محمضة
" قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا "

فقال له موسي: " إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا " أي: بعد هذه المرة " فَلَا تُصَاحِبْنِي " أي: فأنت معذور بذلك, وبترك صحبتي " قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا " أي أعذرت مني, ولم تقصر.
" فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا "

" فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا " أي: استضافاهم " فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ " أي: عاب واستهدم " فَأَقَامَهُ " الخضر أي: بناه وأعاده جديدا.
فقال له موسى: " لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا " , أي: أهل هذه القرية, لم يضيفونا مع وجوب ذلك عليهم, وأنت تبنيه من دون أجرة, وأنت تقدر عليها؟ فحينئذ لم يف موسى عليه السلام بما قال, واستعذر الخضر منه, فقال له:
" قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا "

" هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ " فإنك شرطت ذلك على نفسك, فلم يبق الآن عذر, ولا موضع للصحبة.
" سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا " أي: سأخبرك بما أنكرت عليَّ, وأنبئك بأن لي في ذلك من المآرب, وما يئول إليه الأمر.
" أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا "

" أَمَّا السَّفِينَةُ " التي خرقتها " فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ " يقتضي ذلك الرقة عليهم, والرأفة بهم.
" فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا " أي: كان مرورهم على ذلك الملك الظالم, فكل سفينة صالحة تمر عليه, ما فيها عيب, غصبها وأخذها ظلما, فأردت أن أخرقها, ليكون فيها عيب, فتسلم من ذلك الظالم.
" وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا "

" وَأَمَّا الْغُلَامُ " الذي قتلته " فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا " .
وكان ذلك الغلام, قد قدر عليه, أنه لو بلغ, لأرهق أبويه طغيانا وكفرا.
أي: لحملهما على الطغيان والكفر, إما لأجل محبتهما إياه, أو للحاجة إليه يحملهما على ذلك.
أي: فقتلته, لاطلاعي على ذلك, سلامة لدين أبويه المؤمنين, وأي فائدة أعظم من هذه الفائدة الجليلة؟!! وهو وإن كان فيه إساءة إليهما, وقطع لذريتهما, فإن الله تعالى سيعطيهما من الذرية, ما هو خير منه, ولهذا قال:
" فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما "

" فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا " أي: ولدا صالحا, زكيا, واصلا لرحمه.
فإن الغلام الذي قتل, لو بلغ لعقهما أشد العقوق, بحملهما على الكفر والطغيان.
" وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا "

" وَأَمَّا الْجِدَارُ " الذي أقمته " فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا " أي: حالهما تقتضي الرأفة بهما ورحمتهما, لكونهما صغيرين, عدما أباهما, وحفظهما الله أيضا, بصلاح والدهما.
" فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا " أي: فلهذا هدمت الجدار, واستخرجت ما تحته من كنزهما, ورددته, وأعدته مجانا.
" رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ " أي: هذا الذي فعلته رحمة من الله, آتاها الله عبده الخضر " وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي " أي: ما أتيت شيئا من قبل نفسي, ومجرد إرادتي, وإنما ذلك من رحمة الله وأمره.
" ذَلِكَ " الذي فسرته لك " تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا " .
وفي هذه القصة العجيبة الجليلة, من الفوائد, والأحكام, والقواعد, شيء كثير, ننبه على بعضه بعون الله.
فمنها فضيلة العلم, والرحلة في طلبه, وأنه أهم الأمور.
فإن موسى عليه السلام, رحل مسافة طويلة, ولقي النصب في طلبه, وترك القعود عند بني إسرائيل, لتعليمهم وإرشادهم, واختار السفر لزيادة العلم على ذلك.
ومنها: البداءة بالأهم فالأهم, فإن زيادة العلم وعلم الإنسان, أهم من ترك ذلك, والاشتغال بالتعليم, من دون تزود من العلم, والجمع بين الأمرين أكمل.
ومنها: جواز أخذ الخادم في الحضر والسفر لكفاية المؤن, وطلب الراحة, كما فعل موسى.
ومنها: أن المسافر لطلب علم أو جهاد أو نحوه, إذا اقتضت المصلحة الإخبار بمطلبه, وأين يريده, فإنه أكمل من كتمه.
فإن في إظهاره, فوائد من الاستعداد له, واتخاذ عدته, وإتيان الأمر على بصيرة, وإظهار الشوق لهذه العبادة الجليلة, كما قال موسى: " لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا " .
وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه حين غزا تبوك, بوجهه, مع أن عادته التورية, وذلك تبع للمصلحة.
ومنها: إضافة الشر وأسبابه إلى الشيطان, على وجه التسويل والتزيين, وإن كان الكل بقضاء الله وقدره, لقول فتى موسى: " وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ " .
ومنها: جواز إخبار الإنسان عما هو من مقتضى طبيعة النفس, من نصب وجوع, أو عطش, إذا لم يكن على وجه التسخط وكان صدقا, لقول موسى: " لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا " .
ومنها: استحباب كون خادم الإنسان, ذكيا فطنا كيسا, ليتم له أمره الذي يريده.
ومنها: استحباب إطعام الإنسان خادمه من مأكله, وأكلهما جميعا, لأن ظاهر قوله: " آتِنَا غَدَاءَنَا " إضافة إلى الجميع, أنه أكل هو, وهو جميعا.
ومنها: أن المعونة تنزل على العبد على حسب قيامه بالمأمور به, وأن الموافق لأمر الله, يعان ما لا يعان غيره لقوله: " لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا " والإشارة إلى السفر المجاوز, لمجمع البحرين.
وأما الأول, فلم يشتك منه التعب, مع طوله, لأنه هو السفر على الحقيقة.
وأما الأخير, فالظاهر أنه بعض يوم, لأنهم فقدوا الحوت حين أووا إلى الصخرة.
فالظاهر أنهم باتوا عندها, ثم ساروا من الغد.
حتى إذا جاء وقت الغداء قال موسى لفتاه " آتِنَا غَدَاءَنَا " , فحينئذ تذكر أنه نسيه, في الموضع الذي إليه منتهى قصده.
ومنها: أن ذلك العبد الذي لقياه, ليس نبيا, بل عبدا صالحا, لأنه وصفه بالعبودية, وذكر منه الله عليه بالرحمة والعلم, لم يذكر رسالته ولا نبوته, ولو كان نبيا, لذكر ذلك, كما ذكره غيره.
وأما قوله في آخر القصة " وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي " فإنه لا يدل على أنه نبي وإنما يدل على الإلهام والتحديث, كما يكون لغير الأنبياء, كما قال تعالى " وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ " , " وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا " .
ومنها: أن العلم الذي يعلمه الله لعباده نوعان.
علم مكتسب يدركه العبد بجده واجتهاده.
ونوع علم لدني, يهبه الله لمن يمن عليه من عباده لقوله " وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا " .
ومنها: التأدب مع المعلم, وخطاب المتعلم إياه ألطف خطاب, لقول موسى عليه السلام: " هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا " فأخرج الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة, وأنك هل تأذن لي في ذلك أم لا, وإقراره بأنه يتعلم منه.
بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو الكبر, الذين لا يظهرون للمعلم افتقارهم إلى علمه بل يدعون أنه يتعاونون هم وإياه, بل ربما ظن أحدهم أنه يعلم معلمه, وهو جاهل جدا.
فالذل للمعلم, وإظهار الحاجة إلى تعليمه, من أنفع شيء للمتعلم.
ومنها تواضع الفاضل للتعلم ممن دونه فإن موسى - بلا شك - أفضل من الخضر.
ومنها: تعلم العلم الفاضل, للعلم الذي لم يتمهر فيه, ممن مهر فيه, وإن كان دونه في العلم بدرجات كثيرة.
فإن موسى عليه السلام من أولي العزم من المرسلين, الذين منحهم الله, وأعطاهم من العلم ما لم يعط سواهم, ولكن في هذا العلم الخاص, كان عند الخضر, ما ليس عنده, فلهذا حرص على التعلم منه.
فعلى هذا, لا ينبغي للفقيه الحدث, إذا كان قاصرا في علم النحو, أو الصرف, أو نحوهما من العلوم, أن لا يتعلمه ممن مهر فيه, وإن لم يكن محدثا ولا فقيها.
ومنها: إضافة العلم وغيره من الفضائل, لله تعالى, والإقرار بذلك, وشكر الله عليها لقوله: " تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ " أي: مما علمك الله تعالى.
ومنها: أن العلم النافع, هو العلم المرشد إلى الخير, فكل علم يكون فيه رشد وهداية لطريق الخير, وتحذير عن طريق الشر, أو وسيلة لذلك, فإنه من العلم النافع.
وما سوى ذلك, فإما أن يكون ضارا, أو ليس فيه فائدة لقوله: " أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا " .
ومنها: أن من ليس له قوة الصبر على صحبة العالم والعلم, وحسن الثبات على ذلك, أنه ليس بأهل لتلقي العلم.
فمن لا صبر له, لا يدرك العلم, ومن استعمل الصبر ولازمه, أدرك به كل أمر سعى فيه, لقول الخضر - يعتذر عن موسى بذكر المانع لموسى في الأخذ عنه: إنه لا يصبر معه.
ومنها: أن السبب الكبير لحصول الصبر, إحاطة الإنسان علما وخبره, بذلك الأمر, الذي أمر بالصبر عليه.
وإلا فالذي لا يدريه, أو لا يدري غايته ولا نتيجته, ولا فائدته وثمرته ليس عنده سبب الصبر لقوله: " وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا " .
فجعل الموجب لعدم صبره, وعدم إحاطته خبرا بالأمر.
ومنها: الأمر بالتأني والتثبت, وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء, حتى يعرف ما يراد منه وما هو المقصود.
ومنها: تعليق الأمور المستقبلية التي من أفعال العباد بالمشيئة, وأن لا يقول الإنسان للشيء: إني فاعل ذلك في المستقبل, إلا أن يقول " إِنْ شَاءَ اللَّهُ " .
ومنها: أن العزم على فعل الشيء, ليس بمنزلة فعله, فإن موسى قال: " سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا " فوطن نفسه على الصبر ولم يفعل.
ومنها: أن المعلم إذا رأى المصلحة في إيزاعه للمتعلم, أن يترك الابتداء في السؤال عن بعض الأشياء, حتى يكون المعلم هو الذي يوقفه عليها, فإن المصلحة تتبع.
كما إذا كان فهمه قاصرا, أو نهاه عن الدقيق في سؤال الأشياء التي غيرها أهم منها, أو لا يدركها ذهنه, أو يسأل سؤالا, لا يتعلق بموضع البحث.
ومنها: جواز ركوب البحر, في غير الحالة التي يخاف منها.
ومنها: أن الناسي غير مؤاخذ بنسيانه لا في حق الله, ولا في حقوق العباد لقوله: " لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ " .
ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يأخذ من أخلاق الناس ومعاملاتهم, العفو منها, وما سمحت به أنفسهم, ولا ينبغي له أن يكلفهم ما لا يطيقون, أو يشق عليهم, ويرهقهم, فإن هذا, مدعاة إلى النفور منه والسآمة, بل يأخذ المتيسر, ليتيسر له الأمر.
ومنها: أن الأمور تجري أحكامها على ظاهرها, وتعلق بها الأحكام الدنيوية, في الأموال, والدماء وغيرها.
فإن موسى عليه السلام, أنكر على الخضر خرقه السفينة, وقتل الغلام, وأن هذه الأمور ظاهرها, أنها من المنكر.
وموسى عليه السلام لا يسعه السكوت عنها, في غير هذه الحال, التي صحب عليها الخضر.
فاستعجل عليه السلام, وبادر إلى الحكم في حالتها العامة, ولم يلتفت إلى هذا العارض, الذي يوجب عليه الصبر, وعدم المبادرة إلى الإنكار.
ومنها: القاعدة الكبيرة الجليلة وهو أنه " يدفع الشر الكبير بارتكاب الشر الصغير " ويراعي أكبر المصلحتين, بتفويت أدناهما.
فإن قتل الغلام شر, ولكن بقاءه حتى يفتن أبويه عن دينهما, أعظم شرا منه.
وبقاء الغلام من دون قتل وعصمته, وإن كان يظن أنه خير, فالخير ببقاء دين أبويه, وإيمانهما, خير من ذلك, فلذلك قتله الخضر.
وتحت هذه القاعدة من الفروع والفوائد, ما لا يدخل تحت الحصر.
فتزاحم المصالح والمفاسد كلها, داخل في هذا.
ومنها القاعدة الكبيرة أيضا وهي أن " عمل الإنسان في مال غيره, إذا كان على وجه المصلحة وإزالة المفسدة, أنه يجوز, ولو بلا إذن حتى ولو ترتب على عمله, إتلاف بعض مال الغير, كما خرق الخضر السفينة لتعيب, فتسلم من غصب الملك الظالم " .
فعلى هذا لو وقع حرق, أو غرق, أو نحوهما, في دار إنسان أو ماله, وكان إتلاف بعض المال, أو هدم بعض الدار, فيه سلامة للباقي, جاز للإنسان بل شرع له ذلك, حفظا لمال الغير.
وكذلك لو أراد ظالم أخذ مال الغير, ودفع إليه إنسان بعض المال, إفتداء للباقي, جاز ولو من غير إذن.
ومنها: أن العمل يجوز في البحر, كما يجوز في البر لقوله: " يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ " ولم ينكر عليهم عملهم.
ومنها: أن المسكين قد يكون له مال لا يبلغ كفايته, ولا يخرج بذلك عن اسم المسكنة, لأن الله أخبر أن هؤلاء المساكين, لهم سفينة.
ومنها: أن القتل من أكبر الذنوب لقوله في قتل الغلام " لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا " .
ومنها: أن القتل قصاصا غير منكر لقوله " بِغَيْرِ نَفْسٍ " .
ومنها: أن العبد الصالح يحفظه الله, في نفسه, وفي ذريته.
ومنها: أن خدمة الصالحين, أو من يتعلق بهم, أفضل من غيرها, لأنه علل استخراج كنزهما, وإقامة جدارهما, بأن أباهما صالح.
ومنها: استعمال الأدب مع الله تعالى في الألفاظ.
فإن الخضر أضاف عيب السفينة إلى نفسه بقوله " فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا " .
وأما الخير, فأضافه إلى الله تعالى لقوله: " فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ " .
كما قال إبراهيم عليه السلام " وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ " .
وقالت الجن: " وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا " مع أن الكل بقضاء الله وقدره.
ومنها: أنه ينبغي للصاحب أن لا يفارق صاحبه, في حالة من الأحوال, ويترك صحبته, حتى يعتبه, ويعذر منه, كما فعل الخضر مع موسى.
ومنها: أن موافقة الصاحب لصاحبه, في غير الأمور المحذورة, مدعاة, وسبب لبقاء الصحبة, وتأكدها, كما أن عدم الموافقة, سبب لقطع المرافقة.
" ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا "

كان أهل الكتاب أو المشركون, سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة ذي القرنين.
فأمره الله أن يقول: " سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا " فيه نبأ مفيد, وخطاب عجيب.
أي: سأتلوا عليكم من أحواله, ما يتذكر فيه, ويكون عبرة.
وأما ما سوى ذلك من أحواله, فلم يتله عليهم.
قشطة محمضة
قشطة محمضة
" إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا "

" إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ " أي: ملكه الله تعالى, ومكنه من النفوذ في أقطار الأرض, وانقيادهم له.
" وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا " أي: أعطاه الله من الأسباب الموصلة له, لما وصل إليه, ما به يستعين على قهر البلدان, وسهولة الوصول إلى أقاصي العمران.
وعمل بتلك الأسباب, التي أعطاه الله إياها, أي: استعملها على وجهها.
فليس كل من عنده شيء من الأسباب يسلكه, ولا كل أحد يكون قادرا على السبب.
فإدا اجتمعت القدرة على السبب الحقيقي, والعمل به, حصل المقصود, وإن عدما أو أحدهما لم يحصل.
وهذه الأسباب التي أعطاه الله إياها, لم يخبرنا الله ولا رسوله بها, ولم تتناقلها الأخبار على وجه يفيد العلم, فلهذا, لا يسعنا غير السكوت عنها, وعدم الالتفات لما يذكره النقلة للإسرائيليات ونحوها.
ولكننا نعلم بالجملة, أنها أسباب قوية كثيرة, داخلية وخارجية, بها صار له جند عظيم, ذو عدد وعدد ونظام.
وبه تمكن من قهر الأعداء, ومن تسهيل الوصول إلى مشارق الأرض ومغاربها, وأنحائها.
فأعطاه الله, ما بلغ به مغرب الشمس, حتى رأى الشمس في مرأى العين, كأنها تغرب في عين حمئة, أي: سوداء, وهذا هو المعتاد لمن كان بينه وبين أفق الشمس الغربي ماء, رآها تغرب في نفس الماء وإن كانت في غاية الارتفاع, ووجد عندها, أي: عند مغربها قوما.
" قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا " أي: إما أن تعذبهم, بقتل, أو ضرب, أو أسر ونحوه, وإما أن تحسن إليهم فخير بين الأمرين, لأن الظاهر أنهم كفار, أو فساق, أو فيهم شيء من ذلك.
لأنهم لو كانوا مؤمنين غير فساق, لم يرخص في تعذيبهم.
فكان عند ذي القرنين, من السياسة الشرعية, ما استحق به المدح والثناء, لتوفيق الله له لذلك, فقال: سأجعلهم قسمين.
" قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا "

" أَمَّا مَنْ ظَلَمَ " بالكفر " فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا " أي: تحصل له العقوبتان, عقوبة الدنيا, وعقوبة الآخرة.
" وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا "

" وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى " أي: فله الجنة والحالة الحسنة عند الله جزاء يوم القيامة.
" وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا " أي: وسنحسن إليه, ونلطف له بالقول, ونيسر له المعاملة.
وهذا يدل على كونه من الملوك الصالحين الأولياء, العادلين العالمين, حيث وافق كل مرضاة الله في معاملة كل أحد, بما يليق بحاله.
" حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا "

أي لما وصل إلى مغرب الشمس كر راجعا, قاصدا مطلعها, متبعا للأسباب, التي أعطاه الله.
فوصل إلى مطلع الشمس فـ " وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا " أي: وجدها تطلع على أناس ليس لهم ستر من الشمس.
إما لعدم استعدادهم في المساكن, وذلك لزيادة همجيتهم وتوحشهم, وعدم تمدنهم.
وإما لكون الشمس, دائمة عندهم, لا تغرب غروبا يذكر, كما يوجد ذلك في شرقي أفريقيا الجنوبي.
فوصل إلى موضع انقطع عنه علم أهل الأرض, فضلا عن وصولهم إليه بأبدانهم.
ومع هذا, فكل هذا بتقدير الله له, وعلمه به ولهذا قال " كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا " بما عنده من الخير والأسباب العظيمة وعلمنا معه, حيثما توجه وسار.
" ثم أتبع سببا "

" ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ " قال المفسرون: ذهب متوجها من المشرق, قاصدا للشمال, فوصل إلى ما بين السدين, وهما سدان, كانا معروفين في ذلك الزمان.
سدان من سلاسل الجبال, المتصلة يمنة ويسره حتى تتصل بالبحار, بين يأجوج ومأجوج وبين الناس.
وجد من دون السدين قوما, لا يكادون يفقهون قولا, لعجمة ألسنتهم, واستعجام أذهانهم وقلوبهم.
وقد أعطى الله ذا القرنين من الأسباب العلمية, ما فقه به ألسنة أولئك القوم وفقههم, وراجعهم, وراجعوه.
فاشتكوا إليه ضرر يأجوج ومأجوج, وهما: أمتان عظيمتان من بني آدم فقالوا
" قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا "

" إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ " بالقتل وأخذ الأموال وغير ذلك.
" فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا " أي جعلا " عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا " ودل ذلك على عدم اقتدارهم بأنفسهم, على بنيان السد, وعرفوا اقتدار ذي القرنين عليه, فبذلوا له أجرة, ليفعل ذلك, وذكروا له السبب الداعي, وهو: إفسادهم في الأرض.
فلم يكن ذو القرنين ذا طمع, ولا رغبة في الدنيا, ولا تاركا لإصلاح أحوال الرعية.
بل قصده الإصلاح, فلذلك أجاب طلبتهم, لما فيها من المصلحة, ولم يأخذ منهم أجرة, وشكر ربه على تمكينه واقتداره, فقال لهم:
" قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما "

" مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ " أي: مما تبذلون لي وتعطوني, وإنما أطلب منكم أن تعينوني بقوة منكم بأيديكم " أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا " أي: مانعا من عبورهم عليكم.
" آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا "

" آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ " أي: قطع الحديد, فأعطوه ذلك.
" حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ " أي: الجبلين اللذين بني بينهما السد " قَالَ انْفُخُوا " أي: أوقدوها إيقادا عظيما, واستعملوا لها المنافيخ, لتشتد, فتذيب النحاس.
فلما ذاب النحاس, الذي يريد أن يلصقه بين زبر الحديد " قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا " أي: نحاسا مذابا.
فأفرغ عليه القطر, فاستحكم السد استحكاما هائلا, وامتنع له من وراءه من الناس, من ضرر يأجوج ومأجوج.
" فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا "

" فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا " أي: فما لهم استطاعة, ولا قدرة على الصعود عليه, لارتفاعه, ولا على نقبه لإحكامه وقوته.
قشطة محمضة
قشطة محمضة
تم الحفظ بعون من الله وبحمده إلى الآية 97
قشطة محمضة
قشطة محمضة
" قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا "

فلما فعل هذا الفعل الجميل والأثر الجليل, أضاف النعمة إلى موليها وقال: " هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي " أي: من فضله وإحسانه عليَّ.
وهذه حال الخلفاء والصالحين, إذا من الله عليهم بالنعم الجليلة, ازداد شكرهم وإقرارهم, واعترافهم بنعمة الله كما قال سليمان عليه السلام, لما حضر عنده عرش ملكة سبأ, مع البعد العظيم قال: " هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ " بخلاف أهل التجبر والتكبر, والعلو في الأرض فإن النعم الكبار, تزيدهم أشرا وبطرا.
كما قال قارون لما آتاه الله من الكنوز, ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة قال: " إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي " وقوله: " فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي " أي: لخروج يأجوج ومأجوج " جَعَلَهُ " أي: ذلك السد المحكم المتقن " دَكَّاءَ " أي: دكه فانهدم, واستوى هو والأرض " وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا " .
" وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا "

" وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ " يحتمل أن الضمير, يعود إلى يأجوج ومأجوج.
وأنهم إذا خرجوا على الناس من كثرتهم واستيعابهم للأرض كلها - يموج بعضهم ببعض, كما قال تعالى " حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ " .
ويحتمل أن الضمير يعود إلى الخلائق يوم القيامة, وأنهم يجتمعون فيه فيكثرون ويموج بعضهم ببعض, من الأهوال والزلازل العظام, بدليل قوله: " وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ " إلى " لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا " أي: إذا نفخ إسرافيل في الصور, أعاد الله الأرواح إلى الأجساد, ثم حشرهم, وجمعهم لموقف القيامة, الأولين منهم والأخرين, والكافرين والمؤمنين, ليسألوا ويحاسبوا ويجزوا بأعمالهم.
فأما الكافرون على اختلافهم فإن جهنم جزاؤهم, خالدين فيها أبدا.
" وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا "

ولهذا قال: " وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا " كما قال تعالى: " وإذا الجحيم برزت " أي: عرضت لهم لتكون مأواهم ومنزلهم, وليتمتعوا بأغلالها وسعيرها, وحميمها, وزمهريرها, وليذوقوا من العقاب, ما تبكم له القلوب, وتصم الآذان, وهذا آثار أعمالهم, وجزاء أفعالهم.
فإنهم في الدنيا " كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي " أي: معرضين عن الذكر الحكيم, والقرآن الكريم, وقالوا: " قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ " .
وفي أعينهم أغطية تمنعهم من رؤية آيات الله النافعة كما قال تعالى: " وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ " .
" وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا " أي: لا يقدرون على سمع آيات الله الموصلة إلى الإيمان, لبغضهم القرآن والرسول.
فإن المبغض, لا يستطيع أن يلقي سمعه إلى كلام من أبغضه.
فإذا انحجبت عنهم طرق العلم والخير, فليس لهم سمع ولا بصر, ولا عقل نافع فقد كفروا بالله, وجحدوا آياته, وكذبوا رسله, فاستحقوا جهنم, وساءت مصيرا.
" أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا "

وهذا برهان وبيان, لبطلان دعوى المشركين الكافرين, الذين اتخذوا بعض الأنبياء والأولياء, شركاء لله يعبدونهم, ويزعمون أنهم يكونون لهم أولياء, ينجونهم من عذاب الله, وينيلونهم ثوابه, وهم قد كفروا بالله ورسوله.
يقول الله لهم على وجه الاستفهام والإنكار المتقرر بطلانه في العقول: " أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ " أي: لا يكون ذلك ولا يوالي ولي الله, معاديا لله أبدا.
فإن الأولياء موافقون لله, في محبته, ورضاه, وسخطه, وبغضه.
فيكون على هذا المعنى, مشابها لقوله تعالى " وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ " .
فمن زعم أنه يتخذ ولي الله وليا له, وهو معاد لله, فهو كاذب.
ويحتمل - وهو الظاهر - أن المعنى: أفحسب الكفار بالله, المنابذون لرسله, أن يتخذوا من دون الله أولياء ينصرونهم, وينفعونهم من دون الله, ويدفعون عنهم الأذى؟.
هذا حسبان باطل, وظن فاسد, فإن جميع المخلوقين, ليس بيدهم من النفع والضر, شيء.
ويكون هذا, كقوله تعالى: " قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا " , " وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ " .
ونحو ذلك من الآيات التي يذكر الله فيها, أن المتخذ من دونه وليا ينصره ويواليه, ضال خائب الرجاء, غير نائل لبعض مقصوده.
" إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا " أي ضيافة وقرى فبئس النزل نزلهم, وبئست جهنم, ضيافتهم.
" قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا "

أي: قل يا محمد, للناس - على وجه التحذير والإنذار-: هل أخبركم بأخسر الناس أعمالا على الإطلاق؟
" الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا "

" الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا " أي: بطل واضمحل كل ما عملوه, من عمل, وهم يحسبون أنهم محسنون في صنعه.
فكيف بأعمالهم, التي يعلمون أنها باطلة, وأنها محادة لله ورسله, ومعاداة؟!! فمن هم هؤلاء الذين خسرت أعمالهم, فخسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة؟ ألا ذلك هو الخسران المبين.
" أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا "

" أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ " أي: جحدوا الآيات القرآنية والآيات العيانية, الدالة على وجوب الإيمان به, وملائكته, ورسله, وكتبه, واليوم الآخر.
" فَحَبِطَتْ " بسبب ذلك " أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا " لأن الوزن فائدته, مقابلة الحسنات بالسيئات, والنظر في الراجح منها والمرجوح وهؤلاء, لا حسنات لهم, لعدم شرطها, وهو الإيمان, كما قال تعالى " وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا " .
لكن تعد أعمالهم, وتحصى, ويقررون بها, ويخزون بها على رءوس الأشهاد, ثم يعذبون عليها, ولهذا قال: " ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ "
" ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا "

" ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ " أي: حبوط أعمالهم, وأنه لا يقام لهم يوم القيامة, وزن, لحقارتهم وخستهم, بكفرهم بآيات الله, واتخاذهم آياته ورسله, هزوا يستهزئون بها, ويسخرون منهم.
مع أن الواجب في آيات الله ورسله, الإيمان التام بها, والتعظيم لها, والقيام بها أتم القيام.
وهؤلاء عكسوا القضية, فانعكس أمرهم, وتعسوا, وانتكسوا في العذاب.
" إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا "

ولما بين مآل الكافرين وأعمالهم, بين أعمال المؤمنين ومآلهم فقال: " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا " إلى " حِوَلًا " .
أي: إن الذين آمنوا بقلوبهم, وعملوا الصالحات بجوارحهم.
وشمل هذا الوصف جميع الدين, عقائده, وأعماله, أصوله, وفروعه الظاهرة, والباطنة.
فهؤلاء - على اختلاف طبقاتهم من الإيمان, والعمل الصالح - لهم جنات الفردوس.
يحتمل أن المراد بجنات الفردوس, أعلى الجنة, ووسطها, وأفضلها, وأن هذا الثواب, لمن كمل فيه الإيمان, والعمل الصالح, والأنبياء والمقربون.
ويحتمل أن يراد بها, جميع منازل الجنان, فيشمل هذا الثواب, جميع طبقات أهل الإيمان, من المقربين, والمقتصدين كل بحسب حاله.
وهذا أول المعنيين, لعمومه, ولذكر الجنة, بلفظ الجمع المضاف إلى الفردوس, وأن الفردوس يطلق على البستان, المحتوي على الكرم, أو الأشجار الملتفة وهذا صادق على جميع الجنة.
فجنة الفردوس, نزل, وضيافة لأهل الإيمان, والعمل الصالح.
وأي ضيافة أجل, وأكبر, وأعظم, من هذه الضيافة, المحتوية على كل نعيم, للقلوب, والأرواح, والأبدان, وفيها ما تشتهيه الأنفس.
وتلذ الأعين من المنازل الأنيقة, والرياض الناضرة والأشجار المثمرة.
والطيور المغردة الشجية, والمآكل اللذيذة, والمشارب الشهية, والنساء الحسان, والخدم, والولدان, والأنهار السارحة, والمناظر الرائقة, والجمال الحسي والمعنوي, والنعمة الدائمة.
وأعلى ذلك وأفضله وأجله, التنعم بالقرب من الرحمن .
فله تلك الضيافة, ما أجلها وأجملها, وأدومها, وأكملها!! وهي أعظم من أن يحيط بها وصف أحد من الخلائق, أو تخطر على القلوب.
فلو علم العباد بعض ذلك النعيم, علما حقيقيا, يصل إلى قلوبهم, لطارت إليها قلوبهم بالأشواق, ولتقطعت أرواحهم, من ألم الفراق, ولساروا إليها زرافات ووحدانا.
ولم يؤثروا عليها دنيا فانية, ولذات منغصة متلاشية.
ولم يفوتوا أوقاتا, تذهب ضائعة خاسرة, يقابل كل لحظة منها من النعيم من الحقب آلاف مؤلفة.
ولكن الغفلة شملت.
والإيمان ضعف, والعلم قل, والإرادة وهت فكان, ما كان فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
" خالدين فيها لا يبغون عنها حولا "

وقوله " خَالِدِينَ فِيهَا " هذا هو تمام النعيم, إن فيها, النعم الكامل, ومن تمامه أنه لا ينقطع " لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا " .
أي: تحولا ولا انتقالا, لأنهم لا يرون إلا ما يعجبهم ويبهجهم, ويسرهم ويفرحهم, ولا يرون نعيما فوق ما هم فيه.
" قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا "

أي قل لهم مخبرا عن عظمة الباري, وسعة صفاته, وأنها لا يحيط العباد بشيء منها: " لَوْ كَانَ الْبَحْرُ " أي هذه الأبحر الموجودة في العالم.
" مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي " أي: وأشجار الدنيا, من أولها إلى آخرها, من أشجار البلدان والبراري, والبحار, أقلام.
" لَنَفِدَ الْبَحْرُ " وتكسرت الأقلام " قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي " وهذا شيء عظيم, لا يحيط به أحد.
وفي الآية الأخرى " ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم " وهذا من باب تقريب المعنى إلى الأذهان, لأن هذه الأشياء مخلوقة, وجميع المخلوقات, منقضية منتهية.
وأما كلام الله, فإنه من جملة صفاته, وصفاته غير مخلوقة, ولا لها حد ولا منتهى.
فأي سعة وعظمة تصورتها القلوب, فالله فوق ذلك.
وبهذا سائر صفات الله تعالى, كعلمه, وحكمته, وقدرته, ورحمته.
فلو جمع علم الخلائق من الأولين والآخرين أهل السماوات وأهل الأرض لكان بالنسبة إلى علم العظيم, أقل من نسبة عصفور, وقع على حافة البحر, فأخذ بمنقاره من البحر بالنسبة للبحر وعظمته.
ذلك بأن الله, له الصفات العظيمة الواسعة الكاملة, وأن إلى ربك المنتهى.
" قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا "

أي: " قُلْ " يا محمد للكفار وغيرهم: " إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ " أي: لست بإله, ولا لي شركة في الملك, ولا علم بالغيب, ولا عندي خزائن الله.
" إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ " عبد من عبيد ربي, " يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ " أي: فضلت عليكم بالوحي, الذي يوحيه إلي, الذي أجله الإخبار لكم, أنما إلهكم إله واحد, أي: لا شريك له, ولا أحد يستحق من العبادة مثقال ذرة, وأدعوكم إلى العمل الذي يقربكم منه, وينيلكم ثوابه, ويدفع عنكم عقابه.
ولهذا قال: " فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا " وهو الموافق لشرع الله, من واجب ومستحب.
" وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا " أي لا يرائي بعمله بل يعمله خالصا لوجه الله تعالى.
فهذا الذي جمع بين الإخلاص والمتابعة, هو الذي ينال ما يرجو ويطلب.
وأما من عدا ذلك, فإنه خاسر في دنياه وأخراه, وقد فاته القرب من مولاه, ونيل رضاه.
tiena
tiena
هلا انا حفظتها ورجعتها اكم من مره عقبالكم غالياتي