

الحث على وجوب أداء فريضة الحج وشروطه

الحمد لله الذي فرض الحج على عباده الى بيته الحرام ورتب
على ذلك جزيل الاجر ووافر الانعام فمن حج البيت ولم يرفث
ولم يفسق خرج كيوم ولدته أمه نقيا من الذنوب والاثام
والحج المبرور ليس له جزاء الا الجنة دار السلام
وأشهد الا اله الا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والاكرام
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل من صلى وزكى وحج
وصام صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم
باحسان ما تعاقبت الليالي والايام وسلم تسليما كثيرا
...أما بعـــد...

فيا أيها الناس أتقوا الله تعالى وأدوا ما فرض الله عليكم من الحج الى بيته الحرام حيث استطعتم الى ذلك سبيلا
فان الله تعالى قال في كتابه:( ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا ومن كفر فان الله غني عن العالمين) .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الاسلام أن تشهد الا اله الا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ان استطعت اليه سبيلا )
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم ان الاسلام بني على هذه الدعائم الخمس فلا يتم اسلام عبد حتى يحج ولا يستقيم بنيان اسلامه حتى يحج و(عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ( حين كان خليفة على المسلمين لقد هممت ان أبعث رجالا الى هذه الامصار فينظروا كل من له جدة أي كل من كان غنيا ولم يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين) .
أيها المسلمون ان فريضة الحج الى بيت الله ثابتة بكتاب اله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وباجماع المسلمين عليها اجماعا قطعيا فمن أنكر فريضة الحج فقد كفر ومن أقر بها وتركها تهاونا فهو على خطر فان الله تعالى قال بعد ذكر ايجابه على عباده قال: (ومن كفر فان الله غني عن العالمين ) أيها المسلمون كيف تطيب نفس المؤمن ان يترك الحج مع قدرته عليه بماله وبدنه وهو يعلم أنه ركن من اركان الاسلام وفرائضه كيف يبخل الانسان بماله على نفسه في أداء هذه الفريضة وهو ينفق الكثير من ماله في هوى نفسه كيف يوفر نفسه عن التعب في الحج وهو يرهق نفسه بالتعب في امور دنياه كيف يتثاقل فريضة الحج وهو لا يجب في العمر الا مرة واحدة كيف يتراخى في أداء الحج ويؤخره وهو لا يدري فلعله لا يستطيع الوصول اليه بعد عامه فاتقوا الله عباد الله وأدوا ما فرض الله عليكم من الحج تعبدا لله تعالى ورضا بحكمه وسمعا وطاعة لامره ان كنتم مؤمنين ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعصي الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ) ان المسلم اذا أدى الحج والعمرة بعد بلوغه مرة واحدة فقد أسقط الفريضة عن نفسه وأكمل بذلك أركان دينه ولم يجب عليه بعد ذلك حج ولا عمرة الا أن يوجبه على نفسه بالنذر فانه يلزمه الوفاء بما نذر لقول النبي صلى الله عليه وسلم من نذر أن يطيع الله فليطعه . ايها المسلمون ان من تمام رحمة الله ومن بالغ حكمته أن جعل للفرائض حدودا وشروطا لتنضبط بذلك وتتحدد المسؤولية وجعل هذه الشروط في غاية المناسبة للفاعل الزمان والمكان ومن هذه الفرائض التي جعل الله لها شروطا الحج الى بيت الله الحرام فان الحج له حدوداً و شروطاً لا يجب على المسلم الا اذا توافرت هذه الشروط فمن شروط الحج أن يكون الانسان بالغا ويحصل البلوغ في الذكور بواحد من أمور ثلاثة انزال المني بشهوة أو تمام خمس عشرة سنة أو نبات شعر العانة أما في الإناث فانه يحصل بذلك وزيادة أمر رابع وهو الحيض فمتى حاضت المرأة ولو لم يكن لها الا عشر سنوات فانها بالغة اما من لم يبلغ من ذكور واناث فلا حج عليه ولو كان غنيا ولكنه لو حج صح حجه تطوعا وله أجره فاذا بلغ أدى الفريضة لان حجه قبل البلوغ لا يسقط به الفرض فانه لم يفرض عليه فهو كما لو تصدق بمال ينوي به الزكاة قبل أن يملك نصابه وعلى هذا فمن حج ومعه أبناءه أو بناته الصغار فان حجوا معه كان له أجر ولهم ثواب الحج وان لم يحجوا فلا شئ عليه ولا عليهم وينبغي في هذه الحال أن ينظر الاصلح والاوفق فاذا كان يشق عليهم وعليه أن يحرموا بالحج أو العمرة فانه لا داعي لذلك لئلا يشق عليهم وعلى نفسه لانكم تعرفون أن الناس في هذه العصور كثروا كثرة عظيمة لم يوجد لها نظير في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فاذا كان يشق عليكم أو على أولادكم من بنين أو بنات أن يحرموا بالحج فانه لا داعي لذلك ومن شروط وجوب الحج ان يكون الانسان مستطيعا بماله وبدنه لقول الله تعالى:( من استطاع اليه سبيلا ) فمن لم يكن مستطيعا فلا حج عليه والاستطاعة بالمال أن يملك الانسان ما يكفي لحجه زائدا عن حوائج بيته وعن ما يحتاجه من نفقة وكسوة له ولعياله وعن أجرة سكن وعن قضاء ديون حالة فمن كان عنده مال يحتاجه لما ذكر لم يجب عليه الحج ومن كان عليه دين حال لم يجب عليه الحج حتى يوفيه والدين كل ما ثبت في ذمة المرء من قرض وثمن مبيع وأجرة وغيرها فمن كان في ذمته شئ بسبب هذه الامور أو غيرها فهو مدين ولا يجب عليه الحج حتى يبرأ من دينه كله لان قضاء الدين مهم جدا حتى ان الرجل لو قتل في سبيل الله شهيدا فان الشهادة تكفر عنه كل شئ الا الدين فانها لا تكفره وحتى ان الرجل ليموت وعليه الدين فتعلق نفسه بدينه حتى يقضى عنه ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم اذا اتى اليه بميت ليصلي عليه سأل هل عليه دين له وفاء فان قالوا نعم صلى عليه وان قالوا لا لم يصلي عليه وأمرهم أن يصلوا عليه وترك الصلاة عليه هو بنفسه وهذا يدل على عظم الدين خلافا لما يفعله بعض الناس اليوم يتهاونون بالديون عليهم يتهاونون بوفائها اذا تعلقت بذممهم ويتهاونون في استحصالها تجد الرجل يتدين لامر ليس به ضرورة بل أحيانا ليس له به حاجة ولا شك أن هذا من السفه في العقل ومن الضلال في الدين لانه لا ينبغي للانسان ان يتدين الا للحاجة الملحة أو للضرورة اما ما يفعله بعض الناس اليوم فانه أمر يؤسف له يتدينون من أجل كماليات لا حاجة لهم بها فنسأل الله أن يهدينا واياهم أما الدين المؤجل فان كان موثقا برهن يكفيه لم يسقط وجوب الحج اما اذا لم يكن فيه رهن فان كان الانسان يستطيع أن يوفيه عند حلول الاجل وعنده في وقت الحج ما يحج به فانه يحج به لانه مستطيع اما الاستطاعة بالبدن فان يكون الانسان قادرا على الوصول الى مكة بنفسه بدون مشقه فان كان لا يستطيع الوصول الى مكة أو يستطيع الوصول ولكن بمشقة شديدة فاننا ننظر ان كان يرجو الاستطاعة في المستقبل انتظر حتى يستطيع ثم يحج فان مات حج عنه من تركته وان كان لا يرجو الاستطاعة في المستقبل كالكبير و المريض والميئوس من برءه فانه يوكل من يحج عنه من اقاربه أو غيرهم فان مات قبل التوكيل عنه حج عنه من تركته واذا لم يكن للمرأة محرم ليس عليها حج بل ولا يحل لها أن تحج لانها لا تستطيع الوصول الى مكة لانها ممنوعة من السفر شرعا بلا محرم قال ابن عباس رضي الله عنهما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يقول:( لا يخلون رجل بامرأة الا ومعها ذو محرم ولا تسافر امرأة الا مع ذي محرم فقام رجل فقال يا رسول الله ان امرأتي خرجت حاجة واني اكتتبت في غزوة كذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم انطلق فحج مع امراتك) فامره النبي صلى الله عليه وسلم أن يحج بامراته أن يحج مع امراته وان يدع الغزوة التي كتب فيها ولم يستفصل النبي صلى الله عليه وسلم هل كانت امراته شابة هل كان معها نساء هل هي آمنة وهذا دليل على أن المرأة يحرم عليها السفر على أي حال وعلى أي مركوب كان سواء كانت على طائرة أو على سيارة أو في سفينة أو غير ذلك لا يحل لها ان تسافر الا بمحرم والمقصود من المحرم أن يكون حافظا لها صائنا لها عما يمكن أن يكون عليها في هذا السفر أيها المسلمون من رأى من نفسه أنه قد استكمل شروط وجوب الحج فليبادر به ولا يتأخر فان أوامر الله ورسوله على الفور بدون تأخير قال ابن القيم رحمه الله وهو من العلماء المشهورين ومن أكبر تلاميذ شيخ الإسلام بن تيمية قال رحمه الله من ترك الحج عمداً مع القدرة عليه حتى مات أو ترك الزكاة فلم يخرجها حتى مات فان مقتضى الدليل وقاعد الشرع تقتضي أن فعلهما بعد موته لايبرئ ذمته ولا يقبل منه قال والحق احق أن يتبع وما قاله رحمه الله فانه وجيه الا في الزكاة لان الزكاة يتعلق بها حق الغير فاذا مات ولم يخرجها فانها تخرج من تركته ولكنه يبوء بإثمها حيث أخرها في حياته بدون عذر أيها المسلمون إن الإنسان لا يدري ماذا يحصل له في المستقبل وان الله قد يسر لنا ولله الحمد في هذه البلاد ما لم ييسره لغيرنا من سهولة الوصول الى البيت وأداء المناسك فقابلوا هذه النعمة بشكرها وأدوا فريضة الله عليكم قبل أن يأتي أحدكم الموت فيندم حين لا ينفع الندم وأسمعوا قول الله عز وجل: ( وأنيبوا الى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون* واتبعوا أحسن ما أنزل اليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون* أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وان كنت لمن الساخرين* أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين* أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين) اللهم وفقنا جميعا للقيام بفرائضك والتزام حدودك وزودنا من فضلك وكرمك اللهم اعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك اللهم أجعلنا من المنيبين اليك المسلمين لك يا ذا الجلال والاكرام يا حي يا قيوم انك جواد كريم والحمد لله رب العالمين واصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين . إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب اليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد الا اله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله واصحابه ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين
أما بعـــــد

ايها الناس فانه قد اشتهر عند بعض العامة ان من لم يتم له فانه لا يصح حجه يعني من لم يعق عنه فانه لا يصح حجه وهذا ليس بصحيح فان الانسان يصح حجه وان لم يعق عنه ولا علاقة بين العقيقة والحج فالحج ركن من اركان الاسلام متعلق بنفس الانسان الحاج اما العقيقة فانها سنة مؤكدة متعلقة بنفس الاب فالاب هو المطالب بالعقيقة وليس الولد فان كان غنيا وقت وجوب العقيقة فانه مندوب أن يعق عن ولده عن الذكر اثنتين وعن الانثى واحدة وان بعض الناس يتوهم أن العقيقة مثل الاضحية فيكون عنده أولاد متعددون فيعق عنهم بعيرا يظن أن البعير تجزئ عن سبع عقائق ولكن هذا ليس بصحيح فالبعير لا تجزئ الا عن عقيقة واحدة مع أن الشاة أفضل منها فاذا كان عند الانسان بعير وعنده شاة واراد أن يعق وسألنا هل الافضل أن أعق بالبعير أو بالشاة قلنا الافضل أن تعق بالشاة لان هذا هو الذي جاءت به السنة ولم يأتى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم العقيقة بالبعير ولهذا قال العلماء ان الشاة أفضل من البعير في باب العقيقة وقالوا ان العقيقة لا تجزئ الا عن شاة واحدة اما الأمر الثاني فانه قد اشتهر عند العامة أيضا أن من عليه قضاء من رمضان فانه لا يحج وهذا ليس بصحيح ايضا فالانسان يجوز أن يحج ولو كان عليه قضاء من رمضان ولا علاقة بين الحج وبين قضاء رمضان لان قضاء رمضان عبادة مستقلة والحج عبادة مستقلة وكل واحدة من جنس غير الجنس الاخر أيها المسلمون اتقوا الله تعالى واعرفوا حدود ما أنزل الله على رسوله واياكم أن تفتوا أحدا بغير علم فان من افتى بغير علم فقد قال على الله ما لا يعلم (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم ان الله لا يهدي القوم الظالمين) وحري بمن افتى بغير علم حري الا يهديه الله لان الله قال: ( ان الله لا يهدي القوم الظالمين ) أما من أراد الحق والتمس الحق وتحرى الحق ولم يفتي للناس الا بما يعلم أو بما يغلب على ظنه بمقتضى الكتاب والسنة وهو أهل لان يستنبط الاحكام من الكتاب والسنة فانه لا اثم عليه ولا حرج عليه ايها المسلمون اسألوا اذا أشكل عليكم الأمر اسألوا العلماء فان العلماء ورثة الانبياء لان الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا وانما ورثوا العلم فمن أخذ بالعلم أخذ بحظ وافر من ميراث الأنبياء اللهم انا نسالك علما نافعا وعملا صالحا ورزقا طيبا واسعا تغنينا به عن خلقك وتعيننا به على طاعتك يا رب العالمين واعلموا أيها المسلمون أن خير الحديث كتاب الله خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الامور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار فعليكم بالجماعة عليكم بالجماعة فان يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الله أمركم بأمر بدأه بنفسه فقال جل من قائل عليما:( ان الله وملائكته يصلون على النبي يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) اللهم صلي وسلم على عبدك ورسولك محمد اللهم أرزقنا محبته واتباعه ظاهرا وباطنا اللهم توفنا على ملته اللهم أحشرنا في زمرته اللهم أسقنا من حوضه اللهم أدخلنا في شفاعته اللهم اجمعنا به في جنات النعيم في جوارك يا رب العالمين مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان اللهم أنصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان اللهم أنصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان اللهم من أراد بالمسلمين سوءا فاجعل كيده في نحره شتت شمله وفرق جمعه وأهزم جنده واجعل تدبيره تدميرا عليه يا رب العالمين يا ذا الجلال والإكرام اللهم أصلح للمسلمين ولاة أمورهم اللهم أصلح للمسلمين ولاة أمورهم اللهم أصلح للمسلمين ولاة أمورهم اللهم أصلح لولاة أمور المسلمين بطانتهم اللهم هئ لهم بطانة صالحة تدلهم على الخير وتحثهم عليه وتبين لهم الشر وتحذرهم منه يا رب العالمين اللهم أصلح شعوب المسلمين اللهم أصلح شعوب المسلمين ذكورهم وإناثهم شبابهم وكهولهم وشيوخهم يا رب العالمين انك جواد كريم اللهم انا نسألك أن تؤيد هذه الصحوة الإسلامية بتأييدك وأن تنصرها بنصرك وأن ترزقها علما ترشد به الى ما فيه رضاك يا رب العالمين انك على كل شئ قدير عباد الله ان الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ان الله يعلم ما تفعلون واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .

فضيلة الشيخ... محمد العثيمين رحمه الله.
فقــــه الحـــج
الحمد لله الذي فضل بحكمته البيت الحرام ، وفرض حجه على من استطاع إليه السبيل من أهل الإيمان و الإسلام ، وغفر لمن حج واعتمر ما اكتسب من الذنوب والآثام ، أحمده حمداً كثيراً طيباً على مر الليالي والأيام وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله أفضل الخلق وصفوة الأنام .
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه الأخيار ،
أما بعد …
فهذه رسالة موجزة ومختصرة في ( توضيح الأحكام الخاصة في مناسك الحج والعمرة )
والزيارة فيها من أقوال أهل العلم المختصر المفيد ،
وقد أرجعنا ما أشكل علينا من المسائل إلى ترجيحات سماحة الشيخ / محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى وجزاه الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء .
فما كان من صواب فمن الواحد المنان وما كان من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان . والله أسأل أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم وأن ينفع به كل من قرأه وطبعه ونشره وأن يجعله سبباً للفوز لديه في جنات النعيم إنه سميع مجيب وهو حسبنا ونعم الوكيل والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
المبحث الأول : تعريف الحج والعمرة لغة وشرعاً :
الحج لغة :- القصد ( النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 1/340 ) تقول العرب :
حج بنو فلان فلاناً إذا قصدوه وأكثروا التردد عليه ثم غلب في الاستعمال الشرعي والعرفي على حج بيت الله تعالى وإتيانه ، فلا يفهم عند الإطلاق إلا هذا النوع الخاص من القصد لأنه هو المشروع الموجود كثيراً (شرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة لشيخ الإسلام ابن تيمية 1/75 وانظر المصباح المنير 1/121 ).
الحج شرعاً :- هو التعبد لله عز وجل بأعمال مخصوصة في أوقات مخصوصة ، في مكان مخصوص من شخص مخصوص على ما جاء في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم .
العمرة لغة :- الزيارة
العمرة شرعاً :- التعبد لله عز وجل بزيارة البيت العتيق على وجه مخصوص ، بإحرام وطواف وسعي وحلق أو تقصير ، ثم تحلل .
المبحث الثاني : حكم الحج والعمرة :
أولاً الحج :- وهو واجب وفرض بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وبإجماع المسلمين ( الإجماع لابن المنذر ص54 وشرح العمدة 15/87 ) . وهو أحد أركان الإسلام التي بني عليها . وهو واجب على من توافرت به الشروط في العمر مرة واحدة إلا أن ينذر فيجب عليه الوفاء بالنذر وما زاد فهو تطوع .
ودليل وجوب الحج هو قول الله تبارك وتعالى سورة آل عمران آية 97 . وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : رواه مسلم 2/975 في الحج باب فرض الحج مرة في العمر .
ومن أنكر فرضية الحج فهو كافر مرتد عن الإسلام إلا أن يكون جاهلاً بذلك كأن يكون حديث عهد بإسلام أو ناشئ في بادية بعيدة لا يعرف من أحكام الإسلام شيئاً فهذا يعذر بجهله ويعرّف ، ويبين له الحكم ، فإن أصر على إنكاره حكم بردّته ، وأما من تركه متهاوناً مع اعترافه بفرضيته فهذا لا يكفر ولكنه على خطر عظيم لأن الراجح أن الحج واجب على الفور فيمن توافرت فيه شروط الحج ( التي سيتم ذكرها بعد قليل لأن الأصل في الأمر أن يكون على الفور ولهذا غضب النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية حين أمرهم بالإحلال وتباطؤوا ) أخرجه البخاري في الشروط (2731 ) ، (2732 ) . ولأن الإنسان لا يدري ما يعرض له فقد يكون الآن قادراً وفي المستقبل عاجزاً ولأن في ذلك إبراء للذمة قبل معاجلة الموت ولأن الله تعالى أمر بالاستباق إلى الخيرات فقال :- سورة البقرة آية 148 . وبعد أن تبينا حكم الحج نود أن نتعرض لتاريخ مشروعية :
تاريخ مشروعية الحج ( متى فرض الحج ) :اختلف العلماء في تاريخ مشروعية الحج على أقوال فمنهم من قال في السنة السادسة للهجرة وقال آخرون في السنة التاسعة وهو الصواب لأن آية فرضيته هو قول الله تعالى وهي في صدر سورة آل عمران وقد نزل صدر هذه السورة عام الوفود (شرح العمدة لشيخ الإسلام 1/219 وتفسير ابن كثير 1/368 ) وفي هذا العام قدم وفد نجران وصالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على أداء الجزية والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع . وحكمة تأخر فرضية الحج والله تعالى أعلم ، أن مكة زادها الله شرفاً ، كانت قبل تلك السنة تحت سيطرة المشركين من قريش فليس يتسنى للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن يحجوا على الوجه الأكمل ومن المتوقع أن تمنعهم قريش من الحج كما فعلوا في السنة السادسة عندما صدوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن إتمام عمرتهم ، ولكن بعد أن تحررت مكة من الكفر بعد فتحها صار إيجاب الحج على الناس موافقاً للحكمة .
ثانياً : العمرة :- فقد اختلف العلماء في حكم العمرة فمنهم من يرى أنها واجبة ومنهم من قال أنها سنة ومنهم من فرق بين المكي وغيره ، فقال هي واجبة على غير المكي أما أهل مكة فلا تجب عليهم . والراجح والله تعالى أعلم أنها واجبة على المكي وغيره في العمر مرة لكن وجوبها أدنى من وجوب الحج ، لأن وجوب الحج فرض مؤكداً ، وهو أحد أركان الإسلام بخلاف العمرة يقول ابن عمر رضي الله عنهما البخاري مع الفتح 3/597 . وعندما سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله هل على النساء جهاد ؟ قال : أخرجه الإمام أحمد في مسنده 65/156 وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه 2/151 .
وعن أبي رزين أنه قال : أخرجه أهل السنن وقال الألباني صحيح النسائي 2/556 – أبي داود 1/341 . وهذا هو الصواب الذي دلت عليه الأدلة الشرعية أن الحج والعمرة واجبان في العمر مرة واحدة لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن الأقرع بن حابس سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله الحج في كل سنة أو مرة واحدة ؟ قال : صححه الألباني في صحيح أبي داود 1/324 والنسائي 2/556 وابن ماجه 2/148 .
المبحث الثالث : شروط وجوب الحج والعمرة :
فما هي شروط الحج والعمرة : يجب الحج والعمرة بخمسة شروط (شرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة لابن تيمية 1/113 ) .
الشرط الأول : لقوله تعالى سورة التوبة آية 28 . ولأنه لا يصح منهم ذلك ومحال أن يجب ما لا يصح لأن العبادات لا تجب إلا على المسلم لأن كل عبادة لا تصح من كافر لقوله تعالى سورة التوبة آية 54 .
الشرط الثاني : فلا حج ولا عمرة على مجنون إلا أن يفيق لقوله صلى الله عليه وسلم رواه الإمام أحمد وأهل السنن وصححه الألباني ص ج ص 2/35 .
الشرط الثالث : فلا يجب الحج على الصبي حتى يبلغ ولكن لو حج صح حجه لكن لا يجزئه عن حجة الإسلام . لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة رفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم صبياً فقالت : ألهذا حج ؟ قال : رواه مسلم 2/974 .
ولقوله عليه الصلاة والسلام : رواه الخطيب البغدادي وصححه الألباني في ص ج ص 2729 .
الشرط الرابع : فلا يجب الحج على المملوك ولكنه لو حج فحجه صحيح لكن لا يجزئه عن حجة الإسلام لقوله صلى الله عليه وسلم : نفس المصدر السابق .
الشرط الخامس : :
* فإن كان الإنسان قادراً بماله دون بدنه فإنه ينيب من يحج عنه لفعل المرأة الخثعمية التي سألت النبي صلى الله عليه وسلم ( فقالت يا رسول الله : إن أبي أدركته فريضة الله على عباده في الحج شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه ؟ قال عليه الصلاة والسلام وذلك في حجة الوداع ) شريطة أن يكون النائب قد حج عن نفسه .
* أما من كان قادراً ببدنه دون ماله ولا يستطيع الوصول إلى مكة فإن الحج لا يجب عليه .
* أن تجد المرأة محرماً لها . فإن لم تجد محرماً فإن الحج لا يجب عليها لقوله عليه الصلاة والسلام البخاري مع الفتح 6/143 ومسلم 3/978 .
* لكن لو حجت المرأة بغير محرم أجزأتها الحجة عن حجة الفرض مع معصيتها وعظيم الإثم عليها . .
• لكن اختلف العلماء هل يجب على من لم تجد محرم أن تنيب من يحج عنها ويعتمر ؟ أو لا يجب ؟
على قولين لأهل العلم بناء على أن وجود المحرم هل هو شرط لوجوب الأداء ؟ أو هو شرط للوجوب من أصله ؟ والمشهور عند الحنابلة رحمهم الله تعالى- أن المحرم شرط للوجوب وأن المرأة التي لا تجد محرماً لا يلزمها حج ولا يلزمها أن تقيم من يحج عنها .
المبحث الرابع : فضل الحج والعمرة1-
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : البخاري مع الفتح 4/20 – مسلم 2/984 . وفي لفظ مسلم : مسلم 2/983 وفي الترمذي " غفر له ما تقدم من ذنبه " صحيح الترمذي 1/345 .
2- وعنه أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : البخاري مع الفتح 3/597 ومسلم 2/983 .
الحج المبرور هو الذي لا رياء فيه ولا سمعة ، ولم يخالطه إثم ولا يعقبه معصية وهو الحج الذي وفيت أحكامه ووقع موقعاً كما طُلب من المكلف على الوجه الأكمل ، وهو الحج المبرور ومن علامات القبول أن يرجع خيراً مما كان و لا يعاود المعاصي .
3- وسئل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الأعمال أفضل ؟ قال :" إيمان بالله ورسوله " قيل ثم ماذا ؟ قال : " جهاد في سبيل الله " قيل : ثم ماذا ؟ قال : " حج مبرور " .
4- وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : النسائي والترمذي وابن ماجة وأحمد وغيرهم وصححه الألباني في صحيح النسائي 2/558 .
5- وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : حسنه الألباني في صحيح ابن ماجة 2/149 .
6- وقال صلى الله عليه وسلم في فضل الحجر الأسود والركن اليماني : رواه الإمام أحمد في مسنده عن ابن عمر وهو صحيح ص ج ص 2194 .
المبحث الخامس : آداب السفر وأحكامه :
الآداب التي ينبغي للمعتمر والحاج معرفتها والعمل بها ، ليحصل على عمرة مقبولة ، ويوفق لحج مبرور آداب كثيرة منها :
آداب واجبة وآداب مستحبة وأذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الآداب الآتية :
1. الاستخارة ، ينبغي للمسافر أن يستخير الله سبحانه وتعالى في الوقت ، والراحلة ، والرفيق وجهة الطريق إن كثرت الطرق ، ويستشير في ذلك أهل الخبرة والصلاح . وصفة الاستخارة أن يصلي ركعتين ثم يدعو بالدعاء الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
2. يجب على الحاج والمعتمر أن يقصد بحجه وعمرته وجه الله تعالى والتقرب إليه ، وأن يحذر أن يقصد حطام الدنيا أو حيازة الألقاب أو الرياء والسمعة فإن ذلك سبب في بطلان العمل وعدم قبوله .
3. التوبة من جميع الذنوب والمعاصي ، وذلك بالإقلاع عن الذنوب وتركها والندم على ما مضى منها والعزيمة على عدم العودة إليها وإن كان عنده للناس مظالم ردها وتحللهم منها .
4. على الحاج أو المعتمر أن ينتخب المال الحلال لحجه وعمرته لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً .
5. ومن آداب المسافر أيضاً أن يخرج يوم الخميس وهذا هو المستحب لما ورد في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم البخاري .
6. أن يخبر من يحب بعزمه على السفر ، فقد قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم إني أريد سفراً ! فقال " أوصيك بتقوى الله ! والتكبير على كل شرف " ( أي كل مكان مرتفع ) فلما ولى ، قال " اللهم ازو له الأرض وهون عليه السفر " ابن حبان .
7. وكان صلى الله عليه وسلم يسير في مجموعة سار سيراً هادئاً ، ويسمى ( العَنَق ) فإذا وجد فراغاً أسرع قليلاً ويسمى ( النص ) . ابن خزيمة .
8. وكان يقول عليه الصلاة والسلام "لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس "مسلم .
9. وكان يكره عليه الصلاة السلام للمسافر وحده أن يسير بالليل ، قال " لو يعلم الناس ما في الوحدة ما سار أحد وحده بليل " البخاري .
10. وكان ينهى أن يطرق الرجل أهله ليلاً ، إذا طالت غيبته عنهم بل يدخل عليهم غدوة أو عشية " البخاري ومسلم " وهذا من كمال الأدب وعظيم الاحترام بين رب الأسرة وأفراد أسرته وتقدير الخصوصيات .
11. وكان إذا دخل قرية يريد دخولها يقول عليه الصلاة والسلام ابن خزيمة .
12. ويستحب أن يقوم الأصحاب في السفر بتأمير واحد منهم يطيعونه ، فعن أبي سعبد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا : أبو داود.
13. وأن يذكر دعاء السفر ذهاباً وإياباً ويقول في الذهاب رواه مسلم 4/2080 . فإنه إذا قال ذلك لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك .
15. ويستحب له أن يكبر على المرتفعات ويسبح إذا هبط المنخفضات والأودية وأن يكثر من الدعاء في السفر فإنه حري أن تجاب دعوته ويعطى مسألته ويكثر الحاج من الدعاء كذلك على الصفا والمروة – وفي عرفات وفي المشعر الحرام بعد الفجر – وبعد رمي الجمرة الصغرى والوسطى أيام التشريف – لأن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر في هذه المواطن الستة من الدعاء .
16. يحافظ على جميع الواجبات ومن أعظمها الصلاة في أوقاتها مع الجماعة ويكثر من الطاعات ويبتعد عن جميع المعاصي ويتخلق بالأخلاق الحسنة وأن يحسن إلى الآخرين ويرفق بهم ولا يؤذيهم بلسانه أو بيده ولا يزاحم الحجاج والمعتمرين زحاماً يؤذيهم مع إعانتهم عند الحاجة بنفسه وماله .
17.على الحاج والمعتمر التفقه في أحكام العمرة والحج وأحكام السفر قبل أن يسافر من القصر – والجمع وأحكام التيمم والمسح على الخفين وغير ذلك مما يحتاجه في طريقه إلى أداء المناسك .
ولأن الإسلام دين اليسر والسهولة ولا حرج فيه ولا مشقة فكلما وجبت المشقة فتح الله لليسر أبواباً ولما كان السفر مظنة المشقة غالباً خففت أحكامه فمن ذلك :
أولاً : في الطهارة :
أ) جواز التيمم للمسافر إذا لم يجد الماء أو كان معه من الماء ما يحتاجه لأكله وشربه ، وصفة التيمم أن يضرب الأرض ضربة واحدة ثم يمسح وجهه كله وكفيه من أطراف أصابعه إلى رسغه والتيمم رافع للحدث الأصغر والأكبر .
ب) وللمسافر أن يمسح على خفيه أو جوربيه ثلاث أيام بلياليها بخلاف المقيم فإنه يمسح يوماً وليلة فقط .
ثانياً : في الصلاة :أ) صلاة الفريضة : فالمسافر يصلي الصلاة الرباعية وهي ( الظهر والعصر والعشاء ) ركعتين فقط من حين أن يخرج من بلده حتى يرجع إليها ، أما إذا صلى المسافر خلف إمام يتم فإنه يتم معه لأن الجماعة في حقه واجبة طالما وجد الجماعة . أما جمع المسافر بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء فهي سنة حيث كان على ظهر سير - أي حيث كان سائراً ، أما إذا كان نازلاً فالسنة لا يجمع إلا إذا احتاج إلى ذلك لشغل يقضيه أو نوم يستريح فيه .
ب) وصلاة النافلة : فالمسافر تسقط عنه السنن الرواتب ماعدا سنة الفجر القبلية فإنها لا تسقط في حضر ولا سفر .
أما صلاة التطوع غير الرواتب فيشرع للمسافر أن يتطوع بها كالمقيم فيصلي ( صلاة الليل والوتر والضحى وتحية المسجد وصلاة الكسوف والخسوف وصلاة الجنازة ... ) وللمسافر أن يتطوع في السفر وهو على ظهر مركوبه حيث كان وجهه وإن لم يكن إلى جهة القبلة .