ام نايف م
•
اعتذر على تأخر الدرس المنتدى كانت فيه مشكلة
جَزآكـ الله جَنةٌ عَرضُهآ آلسَموآتَ وَ الآرضْ
بآرَكـَ الله فيكـِ عَ آلمَوضوعْ
آسْآل الله آنْ يعَطرْ آيآمكـِ بآلريآحينْ
دمْت بـِ طآعَة الله ..}
بآرَكـَ الله فيكـِ عَ آلمَوضوعْ
آسْآل الله آنْ يعَطرْ آيآمكـِ بآلريآحينْ
دمْت بـِ طآعَة الله ..}
ام نايف م :
السلام عليكن ورحمة الله وبركاته حياكن الرحمن في الدرس السادس من سورة الحشر 13-18 s1OccYPpsck لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لّا يَفْقَهُون (13)َ لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لّا يَعْقِلُون (14)َ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم (15)ٌ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِين (16)َ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِين (17)َ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون 18ََ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون(19)َ)) لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنْ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (13) لَخوفُ المنافقين وخشيتهم إياكم- أيها المؤمنون- أعظم وأشد في صدورهم من خوفهم وخشيتهم من الله؛ وذلك بسبب أنهم قوم لا يفقهون عظمة الله والإيمان به, ولا يرهبون عقابه. لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (14) لا يواجهكم اليهود بقتال مجتمعين إلا في قرى محصنة بالأسوار والخنادق, أو من خلف الحيطان, عداوتهم فيما بينهم شديدة, تظن أنهم مجتمعون على كلمة واحدة, ولكن قلوبهم متفرقة؛ وذلك بسبب أنهم قوم لا يعقلون أمر الله ولا يتدبرون آياته. كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (15) مثل هؤلاء اليهود فيما حلَّ بهم من عقوبة الله كمثل كفار قريش يوم "بدر", ويهود بني قينقاع, حيث ذاقوا سوء عاقبة كفرهم وعداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا, ولهم في الآخرة عذاب أليم موجع. كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) ومثل هؤلاء المنافقين في إغراء اليهود على القتال ووَعْدهم بالنصر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كمثل الشيطان حين زيَّن للإنسان الكفر ودعاه إليه, فلما كفر قال: إني بريء منك, إني أخاف الله رب الخلق أجمعين. فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (17) فكان عاقبة أمر الشيطان والإنسان الذي أطاعه فكفر, أنهما في النار, ماكثَيْن فيها أبدًا, وذلك جزاء المعتدين المتجاوزين حدود الله. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه, خافوا الله, واحذروا عقابه بفعل ما أمركم به وترك ما نهاكم عنه, ولتتدبر كل نفس ما قدمت من الأعمال ليوم القيامة, وخافوا الله في كل ما تأتون وما تَذَرون, إن الله سبحانه خبير بما تعملون, لا يخفى عليه شيء من أعمالكم, وهو مجازيكم عليها. وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (19) ولا تكونوا- أيها المؤمنون- كالذين تركوا أداء حق الله الذي أوجبه عليهم, فأنساهم بسبب ذلك حظوظ أنفسهم من الخيرات التي تنجيهم من عذاب يوم القيامة, أولئك هم الموصوفون بالفسق, الخارجون عن طاعة الله طاعة ورسوله. التحليل الموضوعي ================== لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون . لما كان المقصود من ذكر وهن المنافقين في القتال تشديد نفس النبيء - صلى الله عليه وسلم - وأنفس المؤمنين حتى لا يرهبوهم ولا يخشوا مساندتهم لأهل حرب المسلمين أحلاف المنافقين قريظة وخيبر أعقب ذلك بإعلام المؤمنين بأن المنافقين وأحلافهم يخشون المسلمين خشية شديدة وصفت شدتها بأنها أشد من خشيتهم الله [ ص: 102 ] تعالى ، فإن خشية جميع الخلق من الله أعظم خشية فإذا بلغت الخشية في قلب أحد أن تكون أعظم من خشية الله فذلك منتهى الخشية . والمقصود تشديد نفوس المسلمين ليعلموا أن عدوهم مرهب منهم ، وذلك مما يزيد المسلمين إقداما في محاربتهم إذ ليس سياق الكلام للتسجيل على المنافقين واليهود قلة رهبتهم لله بل إعلام المسلمين بأنهم أرهب لهم من كل أعظم الرهبات . والخطاب للنبيء - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من المسلمين . والصدور مراد بها : النفوس والضمائر لأن محل أجهزتها في الصدور . والرهبة : مصدر رهب ، أي خاف . وقوله ( في صدورهم ) ل ( رهبة ) فهي رهبة أولئك . وضمير ( صدورهم ) عائد إلى الذين نافقوا و ( الذين كفروا من أهل الكتاب ) إذ ليس اسم أحد الفريقين أولى بعود الضمير إليه مع صلاحية الضمير لكليهما ، ولأن المقصودين بالقتال هم يهود قريظة وخيبر وأما المنافقون فكانوا أعوانا لهم . وإسناد " أشد " إلى ضمير المسلمين المخاطبين إسناد سببي كأنه قيل : لرهبتكم في صدورهم أشد من رهبة فيها . فالرهبة في معنى المصدر المضاف إلى مفعوله ، وكل مصدر لفعل متعد يحتمل أن يضاف إلى فاعله أو إلى مفعوله ، ولذلك فسره الزمخشري بأشد مرهوبية . . وهذا تركيب غريب النسج بديعه . والمألوف في أداء مثل هذا المعنى أن يقال : لرهبتهم منكم في صدورهم أشد من رهبتهم من الله ، فحول عن هذا النسج إلى [ ص: 103 ] النسج الذي حبك عليه في الآية ، ليتأتى الابتداء بضمير المسلمين اهتماما به وليكون متعلق الرهبة ذوات المسلمين لتوقع بطشهم وليأتي التمييز المحول عن الفاعل لما فيه من خصوصية الإجمال مع التفصيل كما تقرر في خصوصية قوله تعالى واشتعل الرأس شيبا دون : واشتعل شيب رأسي . وليتأتى حذف المضاف في تركيب ( من الله ) ، إذ التقدير : من رهبة الله لأن حذفه لا يحسن إلا إذا كان موقعه متصلا بلفظ رهبة ، إذ لا يحسن أن يقال : لرهبتهم أشد من الله . وانظر ما تقدم عند تفسير قوله تعالى إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية في سورة النساء . فاليهود والمنافقون من شأنهم أن يخشوا الله . أما اليهود فلأنهم أهل دين فهم يخافون الله ويحذرون عقاب الدنيا وعقاب الآخرة . وأما المنافقون فهم مشركون وهم يعترفون بأن الله تعالى هو الإله الأعظم ، وأنه أولى الموجودات بأن يخشى لأنه رب الجميع وهم لا يثبتون البعث والجزاء فخشيتهم الله قاصرة على خشية عذاب الدنيا من خسف وقحط واستئصال ونحو ذلك وليس وراء ذلك خشية . وهذا بشارة للنبيء - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين بأن الله أوقع الرعب منهم في نفوس عدوهم كما قال النبيء - صلى الله عليه وسلم - نصرت بالرعب مسيرة شهر . ووجه وصف الرهبة بأنها في صدورهم الإشارة إلى أنها رهبة جد خفية ، أي أنهم يتظاهرون بالاستعداد لحرب المسلمين ويتطاولون بالشجاعة ليرهبهم المسلمون وما هم بتلك المثابة فأطلع الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - على دخيلتهم فليس قوله ( في صدورهم ) وصفا كاشفا . وإذ قد حصلت البشارة من الخبر عن الرعب الذي في قلوبهم ثني عنان الكلام إلى مذمة هؤلاء الأعداء من جراء كونهم أخوف للناس منهم لله تعالى بأن ذلك من قلة فقه نفوسهم ، ولو فقهوا لكانوا أخوف لله منهم للناس فنظروا فيما يخلصهم من عقاب التفريط في النظر في دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فعلموا صدقه فنجوا من عواقب كفرهم به في الدنيا والآخرة فكانت رهبتهم من المسلمين هذه الرهبة مصيبة عليهم وفائدة للمسلمين . فالجملة معترضة بين البيان ومبينه . [ ص: 104 ] والإشارة بذلك إلى المذكور من قوله لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله واجتلاب اسم الإشارة ليتميز الأمر المحكوم عليه أتم تمييز لغرابته . والباء للسببية والمجرور خبر عن اسم الإشارة ، أي سبب ذلك المذكور وهو انتفاء فقاهتهم . وإقحام لفظ ( قوم ) لما يؤذن به من أن عدم فقه أنفسهم أمر عرفوا به جميعا وصار من مقومات قوميتهم لا يخلو عنه أحد منهم ، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى : إن في اختلاف الليل والنهار إلى قوله لآيات لقوم يعقلون في سورة البقرة . والفقه : فهم المعاني الخفية ، وقد تقدم عند قوله تعالى فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا في سورة النساء ، وقوله انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون في سورة الأنعام ، ذلك أنهم تبعوا دواعي الخوف المشاهد وذهلوا عن الخوف المغيب عن أبصارهم ، وهو خوف الله فكان ذلك من قلة فهمهم للخفيات . » قوله تعالى بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون . استئناف بياني لأن الإخبار عن أهل الكتاب وأنصارهم بأنهم لا يقاتلون [ ص: 106 ] المسلمين إلا في قرى محصنة المفيد أنهم لا يتفقون على جيش واحد متساندين فيه مما يثير في نفس السامع أن يسأل عن موجب ذلك مع أنهم متفقون على عداوة المسلمين . فيجاب بأن بينهم بأسا شديدا وتدابرا ، فهم لا يتفقون . وافتتحت الجملة بـ ( بأسهم ) للاهتمام بالأخبار عنه بأنه بينهم ، أي متسلط من بعضهم على بعض وليس بأسهم على المسلمين ، وفي تهكم . ومعنى بينهم : أن مجال البأس في محيطهم فما في بأسهم من إضرار فهو منعكس إليهم ، وهذا التركيب نظير قوله تعالى رحماء بينهم . وجملة ( تحسبهم جميعا ) إلى آخرها استئناف عن جملة بأسهم بينهم شديد . لأنه قد يسأل السائل : كيف ذلك ونحن نراهم متفقين ؟ فأجيب بأن ظاهر حالهم حال اجتماع واتحاد وهم في بواطنهم مختلفون فآراؤهم غير متفقة لا إلفة بينهم لأن بينهم إحنا وعداوات فلا يتعاضدون . والخطاب لغير معين لأن النبيء - صلى الله عليه وسلم - لا يحسب ذلك . وهذا تشجيع للمسلمين على قتالهم والاستخفاف بجماعتهم . وفي الآية تربية للمسلمين ليحذروا من التخالف والتدابر ويعلموا أن الأمة لا تكون ذات بأس على أعدائها إلا إذا كانت متفقة الضمائر يرون رأيا متماثلا في أصول مصالحهما المشتركة ، وإن اختلفت في خصوصياتها التي لا تنقض أصول مصالحها ، ولا تفرق جامعتها ، وأنه لا يكفي في الاتحاد توافق الأقوال ولا التوافق على الأغراض إلا أن تكون الضمائر خالصة من الإحن والعداوات . والقلوب : العقول والأفكار ، وإطلاق القلب على العقل كثير في اللغة . وشتى : جمع شتيت بمعنى مفارق بوزن فعلى مثل قتيل وقتلى ، شبهت العقول المختلفة مقاصدها بالجماعات المتفرقين في جهات في أنها لا تتلاقى في مكان واحد ، والمعنى : أنهم لا يتفقون على حرب المسلمين . وقوله ( ذلك ) إشارة إلى ما ذكر من أن بأسهم بينهم ومن تشتت قلوبهم أي ذلك مسبب على عدم عقلهم إذ انساقوا إلى إرضاء خواطر الأحقاد والتشفي بين أفرادهم وأهملوا النظر في عواقب الأمور واتباع المصالح فأضاعوا مصالح قومهم . [ ص: 107 ] ولذلك أقحم لفظ القوم في قوله بأنهم قوم لا يعقلون إيماء إلى أن ذلك من آثار ضعف عقولهم حتى صارت عقولهم كالمعدومة فالمراد : أنهم لا يعقلون المعقل الصحيح . وأوثر هنا ( لا يعقلون ) . وفي الآية التي قبلها ( لا يفقهون ) لأن معرفة مآل التشتت في الرأي وصرف البأس إلى المشارك في المصلحة من الوهن والفت في ساعد الأمة معرفة ( مشهورة ) بين العقلاء قال أحد بني نبهان يخاطب قومه إذ أزمعوا على حرب بعضهم : وأن الحزامة أن تصرفوا لحي سوانا صدور الأسل . فإهمالهم سلوك ذلك جعلهم سواء مع من لا عقول لهم فكانت هذه الحالة شقوة لهم حصلت منها سعادة للمسلمين . م وقد تقدم غير مرة أن إسناد الحكم إلى عنوان قوم يؤذن بأن ذلك الحكم كالجبلة المقومة للقومية وقد ذكرته آنفا . كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين . هذا مثل آخر لممثل آخر ، وليس مثلا منضما إلى المثل الذي قبله لأنه لو كان ذلك لكان معطوفا عليه بالواو ، أو بـ ( أو ) كقوله تعالى أو كصيب من السماء . والوجه : أن هذا المثل متصل بقوله ( ولهم عذاب أليم ) كما يفصح عنه قوله في آخره فكان عاقبتهما أنهما في النار الآية ، أي مثلهم في تسببهم لأنفسهم [ ص: 109 ] عذاب الآخرة كمثل الشيطان إذ يوسوس للإنسان بأن يكفر ثم يتركه ويتبرأ منه فلا ينتفع أحدهما بصاحبه ويقعان معا في النار . فجملة كمثل الشيطان حال من ضمير ( ولهم عذاب أليم ) أي في الآخرة . والتعريف في ( الشيطان ) تعريف الجنس وكذلك تعريف ( الإنسان ) . والمراد به الإنسان الكافر . ولم ترد في الآخرة حادثة معينة من وسوسة الشيطان لإنسان معين في الدنيا ، وكيف يكون ذلك والله تعالى يقول : فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين ، وهل يتكلم الشيطان مع الناس في الدنيا فإن ظاهرة قوله قال إني بريء منك أنه يقوله للإنسان ، وأما احتمال أن يقوله في نفسه فهو احتمال بعيد . فالحق : أن قول الشيطان هذا هو ما في آية وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل في سورة إبراهيم . وقد حكى ابن عباس وغيرهما من السلف في هذه الآية قصة راهب بحكاية مختلفة جعلت كأنها المراد من الإنسان في هذه الآية . ذكرها ابن جرير والقرطبي وضعف ابن عطية أسانيدها فلئن كانوا ذكروا القصة فإنما أرادوا أنها تصلح مثالا لما يقع من الشيطان للإنسان كما مال إليه ابن كثير . فالمعنى : إذ قال للإنسان في الدنيا اكفر فلما كفر ووافى القيامة على الكفر قال الشيطان يوم القيامة : إني بريء منك ، أي قال كل شيطان لقرينه من الإنس إني بريء منك طمعا في أن يكون ذلك منجيه من العذاب . ففي الآية إيجاز حذف حذف فيها معطوفات مقدرة بعد شرط ( لما ) هي داخلة في الشرط إذ التقدير : فلما كفر واستمر على الكفر وجاء يوم الحشر واعتذر بأن الشيطان أضله قال الشيطان : إني بريء منك إلخ . وهذه المقدرات مأخوذة من آيات أخرى مثل آية سورة إبراهيم وآية سورة ق . قال قرينه ربنا ما أطغيته [ ص: 110 ] الآية . وظاهر أن هذه المحاجة لا تقع إلا في يوم الجزاء وبعد موت الكافر على الكفر دون من أسلموا . وقول فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها من تمام المثل . أي كان عاقبة المثل بهما خسرانهما معا . وكذلك تكون عاقبة الفريقين الممثلين أنهما خائبان فيما دبرا وكادا للمسلمين . وجملة وذلك جزاء الظالمين تذييل ، والإشارة إلى ما يدل عليه فكان عاقبتهما أنهما في النار من معنى ، فكانت عاقبتهما سوأى والعاقبة السوأى جزاء جميع الظالمين المعتدين على الله والمسلمين ، فكما كانت عاقبة الكافر وشيطانه عاقبة سوء كذلك لكون عاقبة الممثلين بهما وقد اشتركا في ظلم أهل الخير والهدى . يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون . انتقال من الامتنان على المسلمين بما يسر الله من فتح قرية بني النضير بدون قتال ، وما أفاء الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - منهم ، ووصف ما جرى من خيبتهم وخيبة أملهم في نصرة المنافقين ، ومن الإيذان بأن عاقبة أهل القرى الباقية كعاقبة أسلافهم . وكذلك موقف أنصارهم معهم إلى الأمر بتقوى الله شكرا له على ما منح وما وعد من صادق الوعد فإن الشكر جزاء العبد عن نعمة ربه إذ لا يستطيع جزاء غير ذلك فأقبل على خطاب الذين آمنوا بالأمر بتقوى الله . ولما كان ما تضمنته السورة من تأييد الله إياهم وفيض نعمه عليهم كان من منافع الدنيا ، أعقبه بتذكيرهم بالإعداد للآخرة بقوله ولتنظر نفس ما قدمت لغد أي لتتأمل كل نفس فيما قدمته للآخرة . وجملة ولتنظر نفس ما قدمت لغد عطف أمر على أمر آخر . وهي معترضة بين جملة ( اتقوا الله ) وجملة إن الله خبير بما تعملون . وذكر [ ص: 111 ] ( نفس ) إظهار في مقام الإضمار لأن مقتضى الظاهر : وانظروا ما قدمتم ، فعدل عن الإظهار لقصد العموم أي لتنظروا وتنظر كل نفس . وتنكير نفس يفيد العموم في سياق الأمر ، أي لتنظر كل نفس ، فإن الأمر والدعاء ونحوهما كالشرط تكون النكرة في سياقها مثل ما هي في سياق النفي كقوله تعالى وإن أحد من المشركين استجارك فأجره وكقول الحريري : يا أهل ذا المغنى وقيتم ضرا أي ( كل ضر ) وإنما لم يعرف بلام التعريف على العموم لئلا يتوهم نفس معهودة . وأطلق ( غد ) على الزمن المستقبل مجازا لتقريب الزمن المستقبل من البعيد لملازمة اقتراب الزمن لمفهوم الغد ، لأن الغد هو اليوم الموالي لليوم الذي فيه المتكلم فهو أقرب أزمنة المستقبل كما قال قراد بن أجدع : فإن يك صدر هذا اليوم ولى فإن غدا لناظره قريب وهذا المجاز شائع في كلام العرب في لفظ غد وأخواته قال زهير : وأعلم علم اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عم يريد باليوم الزمن الحاضر ، وبالأمس الزمن الماضي ، وبالغد الزمن المستقبل . وتنكير غد للتعظيم والتهويل ، أي لغد لا يعرف كنهه . واللام في قوله ( لغد ) لام العلة ، أي ما قدمته لأجل يوم القيامة ، أي لأجل الانتفاع به . والتقديم : مستعار للعمل الذي يعمل لتحصيل فائدته في زمن آت شبه قصد الانتفاع به في المستقبل بتقديم من يحل في المنزل قبل ورود السائرين إليه من جيش أو سفر ليهيء لهم ما يصلح أمرهم ، ومنه مقدمة الجيش وتقديم الرائد قبل القافلة . قال تعالى : وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ويقال في ضده : أخر ، إذا ترك عمل شيء قال تعالى : علمت نفس ما قدمت وأخرت . [ ص: 112 ] وإعادة ( واتقو الله ) ليبني عليه إن الله خبير بما تعملون فيحصل الربط بين التعليل والمعلل إذ وقع بينهما فصل ولتنظر نفس ما قدمت لغد وإنما أعيد بطريق العطف لزيادة التأكيد فإن التوكيد اللفظي يؤتى به تارة معطوفا كقوله تعالى : أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى وقوله كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون . وقول عدي بن زيد . وألفى قولها كذبا ومينا . وذلك أن في العطف إيهام أن يكون التوكيد يجعل كالتأسيس لزيادة الاهتمام بالمؤكد . فجملة إن الله خبير بما تعملون تعليل للحث على تقوى الله وموقع ( إن ) فيها موقع التعليل . ويجوز أن يكون ( اتقوا الله ) المذكور أولا مرادا به التقوى بمعنى الخوف من الله وهي الباعثة على العمل ولذلك أردف بقوله ولتنظر نفس ما قدمت لغد ويكون ( اتقوا الله ) المذكور ثانيا مرادا به الدوام على التقوى الأولى ، أي ودوموا على التقوى على حد قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ولذلك أردف بقوله إن الله خبير بما تعملون أي بمقدار اجتهادكم في التقوى ، وأردف بقوله ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أي أهملوا التقوى بعد أن تقلدوها كما سيأتي أنهم المنافقون فإنهم تقلدوا الإسلام وأضاعوه قال تعالى : نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون . وفي قوله إن الله خبير بما تعملون إظهار اسم الجلالة في مقام الإضمار ، فتكون الجملة مستقلة بدلالتها أتم استقلال فتجري مجرى الأمثال ولتربية المهابة في نفس المخاطبين .السلام عليكن ورحمة الله وبركاته حياكن الرحمن في الدرس السادس من سورة الحشر...
السلام عليكن ورحمة الله وبركاته
حياكن الرحمن في الدرس السابع
من سورة الحشر 20-24
لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)
لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ الْفَائِزُونَ (20)
لا يستوي أصحاب النار المعذَّبون, وأصحاب الجنة المنعَّمون, أصحاب الجنة هم الظافرون بكل مطلوب, الناجون من كل مكروه.
لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21)
لو أنزلنا هذا القرآن على جبل من الجبال, ففهم ما فيه مِن وعد ووعيد, لأبصَرْته على قوته وشدة صلابته وضخامته، خاضعًا ذليلا متشققًا من خشية الله تعالى. وتلك الأمثال نضربها, ونوضحها للناس ؛ لعلهم يتفكرون في قدرة الله وعظمته. وفي الآية حث على تدبر القرآن, وتفهم معانيه, والعمل به.
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22)
هو الله سبحانه وتعالى المعبود بحق الذي لا إله سواه, عالم السر والعلن, يعلم ما غاب وما حضر, هو الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء, الرحيم بأهل الإيمان به.
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23)
هو الله المعبود بحق, الذي لا إله إلا هو, الملك لجميع الأشياء, المتصرف فيها بلا ممانعة ولا مدافعة, المنزَّه عن كل نقص, الذي سلِم من كل عيب, المصدِّق رسله وأنبياءه بما ترسلهم به من الآيات البينات, الرقيب على كل خلقه في أعمالهم, العزيز الذي لا يغالَب, الجبار الذي قهر جميع العباد, وأذعن له سائر الخلق, المتكبِّر الذي له الكبرياء والعظمة. تنزَّه الله تعالى عن كل ما يشركونه به في عبادته.
هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ْبِ (24)
هو الله سبحانه وتعالى الخالق المقدر للخلق، البارئ المنشئ الموجد لهم على مقتضى حكمته, المصوِّر خلقه كيف يشاء, له سبحانه الأسماء الحسنى والصفات العلى, يسبِّح له جميع ما في السموات والأرض, وهو العزيز شديد الانتقام مِن أعدائه, الحكيم في تدبيره أمور خلقه.
تم تفسير سورة الحشر، فلله الحمد على ذلك، والمنة والإحسان..
التحليل الموضوعي
================
ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون .
بعد أن أمر المؤمنين بتقوى الله وإعداد العدة للآخرة أعقبه بهذا النهي تحذيرا عن الإعراض عن الدين والتغافل عن التقوى ، وذلك يفضي إلى الفسوق . وجيء في النهي بنهيهم عن حالة قوم تحققت فيهم هذه الصلة ليكون النهي عن إضاعة التقوى مصورا في صورة محسوسة هي صورة قوم تحققت فيهم تلك الصلة وهم الذين أعرضوا عن التقوى .
وهذا الإعراض مراتب قد تنتهي إلى الكفر الذي تلبس به اليهود وإلى النفاق الذي تلبس به فريق ممن أظهروا الإسلام في أول سني الهجرة ، وظاهر الموصول أنه لطائفة معهودة فيحتمل أن يراد بـ ( الذين نسوا الله ) المنافقين لأنهم كانوا مشركين ولم يهتدوا للتوحيد بهدى الإسلام فعبر عن النفاق بنسيان الله لأنه جهل بصفات الله من التوحيد والكمال . وعبر عنهم بالفاسقين قوله تعالى : نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون في سورة براءة ، فتكون هذه الآية ناظرة إلى تلك .
ويحتمل أن يكون المراد بهم اليهود لأنهم أضاعوا دينهم ولم يقبلوا رسالة عيسى عليه السلام وكفروا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - .
فالمعنى : نسوا دين الله وميثاقه الذي واثقهم به ، قال تعالى وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم .
وقد أطلق نسيانهم على الترك والإعراض عن عمد أي فنسوا دلائل توحيد الله ودلائل صفاته ودلائل صدق رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفهم كتابه فالكلام بتقدير حذف مضاف أو مضافين .
ومعنى أنساهم أنفسهم أن الله لم يخلق في مداركهم التفطن لفهم الهدي الإسلامي فيعملوا بما ينجيهم من عذاب الآخرة ولما فيه صلاحهم في الدنيا ، إذ خذلهم بذبذبة آرائهم فأصبح اليهود في قبضة المسلمين يخرجونهم من ديارهم ، وأصبح المنافقون ملموزين بين اليهود بالغدر ونقض العهد وبين المسلمين بالاحتقار واللعن .
وأشعر فاء التسبب بأن إنساء الله إياهم أنفسهم مسبب على نسيانهم دين الله ، أي لما أعرضوا عن الهدى بكسبهم وإرادتهم عاقبهم الله بأن خلق فيهم نسيان أنفسهم .
وإظهار اسم الجلالة في قوله تعالى كالذين نسوا الله دون أن يقال : نسوه لاستفظاع هذا النسيان فعلق باسم الله الذين خلقهم وأرشدهم .
والقصر المستفاد من ضمير الفصل في قوله أولئك هم الفاسقون قصر ادعائي للمبالغة في وصفهم بشدة الفسق حتى كأن فسق غيرهم ليس بفسق في جانب فسقهم .
واسم الإشارة للتشهير بهم بهذا الوصف .
والفسق : الخروج من المكان الموضوع للشيء فهو صفة ذم غالبا لأنه مفارقة للمكان اللائق بالشيء ، ومنه قيل : فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها ، فالفاسقون هم الآتون بفواحش السيئات ومساوي الأعمال وأعظمها الإشراك .
وجملة أولئك هم الفاسقون مستأنفة استئنافا بيانيا لبيان الإبهام الذي أفاده قوله فأنساهم أنفسهم كأن السامع سأل : ماذا كان إثر إنساء الله إياهم أنفسهم ؟ فأجيب بأنهم بلغوا بسبب ذلك منتهى الفسق في الأعمال السيئة حتى حق عليهم أن يقال : إنه لا فسق بعد فسقهم .
*لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون .
تذييل لجملة يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد إلخ . لأنه جامع لخلاصة عاقبة الحالين : حال التقوى والاستعداد للآخرة ، وحال نسيان ذلك وإهماله ، ولكلا الفريقين عاقبة عمله . ويشمل الفريقين وأمثالهم .
والجملة أيضا فذلكة لما قبلها من حال المتقين والذين نسوا الله ونسوا أنفسهم لأن ذكر مثل هذا الكلام بعد ذكر أحوال المتحدث عنه يكون في الغالب للتعريض بذلك المتحدث عنه كقولك عندما ترى أحدا يؤذي الناس المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، فمعنى الآية كناية عن كون المؤمنين هم أصحاب الجنة ، وكون الذين نسوا الله هم أهل النار فتضمنت الآية وعدا للمتقين ووعيدا للفاسقين .
والمراد من نفي الاستواء في مثل هذا الكناية عن البون بين الشيئين .
وتعيين المفضل من الشيئين موكول إلى فهم السامع من قرينة المقام كما في قول السموأل :
فليس سواء عالم وجهول
وقول أبي حزام غالب بن الحارث العكلي :
وأعلم أن تسليما وتركا للا متشابهان ولا سواء
ومنه قوله تعالى ليسوا سواء بعد قوله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم الآية . وقيل قوله من أهل الكتاب أمة قائمة . وقد يردف بما يدل على جهة التفضيل كما في قوله تعالى لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا . وقوله هنا أصحاب الجنة هم الفائزون ، وتقدم في قوله تعالى لا يستوي القاعدون من المؤمنين الآية في سورة النساء .
وأما من ذهب من علماء الأصول إلى تعميم نحو ( لا يستوون ) من قوله تعالى أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون فاستدلوا به على أن الفاسق لا يلي ولاية النكاح ، وهو استدلال الشافعية فليس ذلك بمرضي ، وقد أباه الحنفية ووافقهم تاج الدين السبكي في غير جمع الجوامع .
والقصر المستفاد من ضمير الفصل في قوله تعالى أصحاب الجنة هم الفائزون قصر ادعائي لأن فوزهم أبدي فاعتبر فوز غيرهم ببعض أمور الدنيا كالعدم .
( *لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون . )
لما حذر المسلمين من الوقوع في مهواة نسيان الله التي وقع فيها الفاسقون وتوعد الذين نسوا الله بالنار ، وبين حالهم بأن الشيطان سول لهم الكفر . وكان القرآن دالا على مسالك الخير ومحذرا من مسالك الشر ، وما وقع الفاسقون في الهلكة إلا من جراء إهمالهم التدبر فيه ، وذلك من نسيانهم الله تعالى انتقل الكلام إلى التنويه بالقرآن وهديه البين الذي لا يصرف الناس عنه إلا أهواءهم ومكابرتهم ، وكان إعراضهم عنه أصل استمرار ضلالهم وشركهم ، ضرب لهم هذا المثل تعجيبا من تصلبهم في الضلال .
وفي هذا الانتقال إيذان بانتهاء السورة لأنه انتقال بعد طول الكلام في غرض فتح قرى اليهود وما ينال المنافقين من جرائه من خسران في الدنيا والآخرة .
و هذا القرآن إشارة إلى المقدار الذي نزل منه ، وهو ما عرفوه وتلوه وسمعوا تلاوته .
وفائدة الإتيان باسم إشارة القريب التعريض لهم بأن القرآن غير بعيد عنهم . وأنه في متناولهم ولا كلفة عليهم في تدبره ولكنهم قصدوا الإعراض عنه .
وهذا مثل ساقه الله تعالى كما دل عليه قوله ( وتلك الأمثال ) إلخ . وقد ضرب هذا مثلا لقسوة الذين نسوا الله وانتفاء تأثرهم بقوارع القرآن .
والمراد بالجبل : حقيقته ، لأن الكلام فرض وتقدير كما هو مقتضى ( لو ) أن تجيء في الشروط المفروضة .
فالجبل : مثال لأشد الأشياء صلابة وقلة تأثر بما يقرعه . وإنزال القرآن مستعار للخطاب به . عبر عنه بالإنزال على طريقة التبعية تشبيها لشرف الشيء بعلو المكان ، ولإبلاغه للغير بإنزال الشيء من علو .
والمعنى : لو كان المخاطب بالقرآن جبلا ، وكان الجبل يفهم الخطاب لتأثر بخطاب القرآن تأثرا ناشئا من خشية لله خشية تؤثرها فيه معاني القرآن .
والمعنى : لو كان الجبل في موضع هؤلاء الذين نسوا الله وأعرضوا عن فهم القرآن ولم يتعظوا بمواعظه لاتعظ الجبل وتصدع صخره وتربه من شدة تأثره بخشية الله .
وضرب التصدع مثلا لشدة الانفعال والتأثر لأن منتهى تأثر الأجسام الصلبة أن تنشق وتتصدع إذ لا يحصل ذلك لها بسهولة .
والخشوع : التطأطؤ والركوع ، أي لرأيته ينزل أعلاه إلى الأرض .
والتصدع : التشقق ، أي لتزلزل وتشقق من خوفه الله تعالى .
والخطاب في لرأيته لغير معين فيعم كل من يسمع هذا الكلام ، والرؤية بصرية ، وهي منفية لوقوعها جوابا لحرف ( لو ) الامتناعية .
والمعنى : لو كان كذلك لرأيت الجبل في حالة الخشوع والتصدع .
وجملة وتلك الأمثال نضربها للناس تذييل لأن ما قبلها سيق مساق المثل فذيل بأن الأمثال التي يضربها الله في كلامه مثل المثل أراد منها أن يتفكروا فإن لم يتفكروا بها فقد سجل عليهم عنادهم ومكابرتهم ، فالإشارة بتلك إلى مجموع ما مر على أسماعهم من الأمثال الكثيرة ، وتقدير الكلام : ضربنا هذا مثلا ، وتلك الأمثال نضربها للناس .
وضرب المثل سوقه ، أطلق عليه الضرب بمعنى الوضع كما يقال : ضرب بيتا ، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما في سورة البقرة .
(*هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم . )
لما تكرر في هذه السورة ذكر اسم الله وضمائره وصفاته أربعين مرة منها أربع وعشرون بذكر اسم الجلالة وست عشرة مرة بذكر ضميره الظاهر ، أو صفاته العلية . وكان ما تضمنته السورة دلائل على عظيم قدرة الله وبديع تصرفه وحكمته .
وكان ما حوته السورة الاعتبار بعظيم قدرة الله إذ أيد النبيء - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين ونصرهم على بني النضير ذلك النصر الخارق للعادة ، وذكر ما حل بالمنافقين أنصارهم وأن ذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله وقوبل ذلك بالثناء على المؤمنين بالله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - الذين نصروا الدين ، ثم الأمر بطاعة الله والاستعداد ليوم الجزاء ، والتحذير من الذين أعرضوا عن كتاب الله ومن سوء عاقبتهم ، وختم ذلك بالتذكير بالقرآن الدال على الخير ، والمعرف بعظمة الله المقتضية شدة خشيته عقب ذلك بذكر طائفة من عظيم صفات الله ذات الآثار العديدة في تصرفاته المناسبة لغرض السورة زيادة في تعريف المؤمنين بعظمته المقتضية للمزيد من خشيته . وبالصفات الحسنى الموجبة لمحبته ، وزيادة في إرهاب المعاندين المعرضين من صفات بطشه وجبروته ، ولذلك ذكر في هذه الآيات الخواتم للسورة من صفاته تعالى ما هو مختلف التعلق والآثار للفريقين حظ ما يليق به منها .
وفي غضون ذلك كله دلائل على بطلان إشراكهم به أصنامهم . وسنذكر مراجع هذه الأسماء إلى ما اشتملت عليه السورة فيما يأتي .
فضمير الغيبة الواقع في أول الجملة عائد إلى اسم الجلالة في قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ) ، و ( هو ) مبتدأ واسم الجلالة خبر عنه و ( الذي ) صفة لاسم الجلالة .
وكان مقتضى الظاهر الاقتصار على الضمير دون ذكر اسم الجلالة لأن المقصود الإخبار عن الضمير بـ ( الذي لا إله إلا هو ) وبما بعد ذلك من الصفات العليا ، فالجمع بين الضمير وما يساوي معادة اعتبار بأن اسم الجلالة يجمع صفات الكمال لأن أصله الإله ومدلول الإله يقتضي جمع صفات الكمال .
ويجوز أن يجعل الضمير ضمير الشأن ويكون الكلام استئنافا قصد منه تعليم المسلمين هذه الصفات ليتبصروا فيها وللرد على المشركين إشراكهم بصاحب هذه الصفات معه أصنافا ليس لواحد منها شيء من مثل هذه الصفات ، ولذلك ختمت طائفة منها بجملة سبحان الله عما يشركون ، لتكون خاتما لهذه السورة الجليلة التي تضمنت منة عظيمة ، وهي منة الفتح الواقع والفتح الميسر في المستقبل ، لا جرم أنه حقيق بأن يعرفوا جلائل صفاته التي لتعلقاتها آثار في الأحوال الحاصلة والتي ستحصل من هذه الفتوح وليعلم المشركون والكافرون من اليهود أنهم ما تعاقبت هزائمهم إلا من جراء كفرهم . ولما كان شأن هذه الصفات عظيما ناسب أن تفتتح الجملة بضمير الشأن ، فيكون اسم الجلالة مبتدأ و " الذي لا إله إلا هو " خبرا . والجملة خبرا عن ضمير الشأن .
وابتدئ في هذه الصفات العلية بصفة الوحدانية وهي مدلول الذي لا إله إلا هو وهي الأصل فيما يتبعها من الصفات . ولذلك كثر في القرآن ذكرها عقب اسم الجلالة كما في آية الكرسي . وفاتحة آل عمران .
وثني بصفة عالم الغيب لأنها التي تقتضيها صفة الإلهية إذ علم الله هو العلم الواجب وهي تقتضي جميع الصفات إذ لا تقوم حقيقة العلم الواجب إلا بالصفات السلبية ، وإذ هو يقتضي الصفات المعنوية ، وإنما من متعلقات علمه أمور الغيب لأنه الذي فارق به علم الله تعالى علم غيره ، وذكر معه علم الشهادة للاحتراس توهم أنه يعلم الحقائق العالية الكلية فقط كما ذهب إليه فريق من الفلاسفة الأقدمين ولأن التعريف في الغيب والشهادة للاستغراق . أي كل غيب وشهادة ، وذلك مما لا يشاركه فيه غيره . وهو علم الغيب والشهادة ، أي الغائب عن إحساس الناس والمشاهد لهم . فالمقصود فيها بمعنى اسم الفاعل ، أي عالم ما ظهر وما غاب عنهم من كل غائب يتعلق به العلم على ما هو عليه .
والتعريف في الغيب والشهادة للاستغراق الحقيقي .
وفي ذكر الغيب إيماء إلى ضلال الذين قصروا أنفسهم على المشاهدات وكفروا بالمغيبات من البعث والجزاء وإرسال الرسل ، أما ذكر علم الشهادة فتتميم على أن المشركين يتوهمون الله لا يطلع على ما يخفونه . قال تعالى وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم إلى قوله " من الخاسرين " .
وضمير هو الرحمن الرحيم ضمير فصل يفيد قصر الرحمة عليه تعالى لعدم الاعتداد برحمة غيره لقصورها قال تعالى ورحمتي وسعت كل شيء . وقال النبيء - صلى الله عليه وسلم - جعل الله الرحمة في مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا وأنزل في الأرض جزءا واحدا . فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه . وقد تقدم الكلام على الرحمن والرحيم في سورة الفاتحة .
ووجه تعقيب صفة عموم العلم بصفة الرحمة أن عموم العلم يقتضي أن لا يغيب عن علمه شيء من أحوال خلقه وحاجتهم إليه ، فهو يرحم المحتاجين إلى رحمته ويمهل المعاندين إلى عقاب الآخرة ، فهو رحمان بهم في الدنيا ، وقد كثر إتباع اسم الجلالة بصفتي الرحمن الرحيم في القرآن كما في الفاتحة .
( *» قوله تعالى هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر)
*هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر .
القول في ضمير هو كالقول في نظيره في الجملة الأولى . وهذا تكرير للاستئناف لأن المقام مقام تعظيم وهو من مقامات التكرير ، وفيه اهتمام بصفة الوحدانية .
و الملك : الحاكم في الناس ، ولا ملك على الإطلاق إلا الله تعالى وأما وصف غيره بالملك فهو بالإضافة إلى طائفة معينة من الناس . وعقب وصفا الرحمة بوصف الملك للإشارة إلى أن رحمته فضل وأنه مطلق التصرف كما وقع في سورة الفاتحة .
و ( القدوس ) بضم القاف في الأفصح ، وقد تفتح القاف قال ابن جني : فعول في الصفة قليل ، وإنما هو في الأسماء مثل تنور وسفود وعبود . وذكر سيبويه السبوح بالفتح ، وقال ثعلب لم يرد فعول بضم أوله إلا القدوس والسبوح . وزاد غيره الذروح ، وهو ذباب أحمر متقطع الحمرة بسواد يشبه الزنبور . ويسمى في اصطلاح الأطباء ذباب الهند . وما عداهما مفتوح مثل سفود وكلوب . وتنور وسمور وشبوط صنف من الحوت وكأنه يريد أن ( سبوح ) ( وقدوس ) صارا اسمين .
وعقب بـ ( القدوس ) وصف ( الملك ) للاحتراس إشارة إلى أنه منزه عن نقائص الملوك المعروفة من الغرور ، والاسترسال في الشهوات ونحو ذلك من نقائص النفوس .
و ( السلام ) مصدر بمعنى المسالمة وصف الله تعالى به على طريقة الوصف بالمصدر للمبالغة في الوصف ، أي ذو السلام ، أي السلامة ، وهي أنه تعالى سالم الخلق من الظلم والجور . وفي الحديث إن الله هو السلام ومنه السلام . وبهذا ظهر تعقيب وصف ( الملك ) بوصف ( السلام ) فإنه بعد أن عقب بـ ( القدوس ) للدلالة على نزاهة ذاته ، عقب بـ ( السلام ) للدلالة على العدل في معاملته الخلق ، وهذا احتراس أيضا . و ( المؤمن ) اسم فاعل من آمن الذي همزته للتعدية ، أي جعل غيره آمنا .
فالله هو الذي جعل الأمان في غالب أحوال الموجودات ، إذ خلق نظام المخلوقات بعيدا عن الأخطار والمصائب ، وإنما تعرض للمخلوقات المصائب بعوارض تتركب من تقارن أو تضاد أو تعارض مصالح ، فيرجح أقواها ويدحض أدناها ، وقد تأتي من جراء أفعال الناس .
وذكر وصف ( المؤمن ) عقب الأوصاف التي قبله إتمام للاحتراس من توهم وصفه تعالى بـ ( الملك ) أنه كالملوك المعروفين بالنقائص . فأفيد أولا نزاهة ذاته بوصف القدوس ، ونزاهة تصرفاته المغيبة عن الغدر والكيد بوصف ( المؤمن ) ، ونزاهة تصرفاته الظاهرة عن الجور والظلم بوصف ( السلام ) .
و ( المهيمن ) : الرقيب بلغة قريش ، والحافظ في لغة بقية العرب .
واختلف في اشتقاقه فقيل مشتق من " أمن " الداخل عليه همزة التعدية فصار ءامن وأن وزن الوصف مؤيمن قلبت همزته هاء ، ولعل موجب القلب إرادة نقله من الوصف إلى الاسمية بقطع النظر عن معنى الأمن ، بحيث صار كالاسم الجامد . وصار معناه : رقب : ألا ترى أنه لم يبق فيه معنى إلا من الذي في المؤمن لما صار اسما للرقيب والشاهد ، وهو قلب نادر مثل قلب همزة : أراق إلى الهاء فقالوا : هراق ، وقد وضعه الجوهري في فصل الهمزة من باب النون ووزنه مفعلل اسم فاعل من آمن مثل مدحرج ، فتصريفه مؤأمن بهمزتين بعد الميم الأولى المزيدة ، فأبدلت الهمزة الأولى هاء كما أبدلت همزة أراق فقالوا : هراق .
وقيل : أصله هيمن بمعنى : رقب ، كذا في لسان العرب وعليه فالهاء أصلية ووزنه مفيعل . وذكره صاحب القاموس في فصل الهاء من باب النون ولم يذكره في فصل الهمزة منه . وذكره الجوهري في فصل الهمزة وفصل الهاء من باب النون مصرحا بأن هاءه أصلها همزة . وعدل الراغب وصاحب الأساس عن ذكره .
وذلك يشعر بأنهما يريان هاءه مبدلة من الهمزة وأنه مندرج في معاني الأمن وفي المقصد الأسنى في شرح الأسماء الحسنى للغزالي المهيمن في حق الله : القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم ، وإنما قيامه عليهم باطلاعه واستيلائه وحفظه . والإشراف ( أي الذي هو الاطلاع ) يرجع إلى العلم ، والاستيلاء يرجع إلى كمال القدرة ، والحفظ يرجع إلى الفعل . والجامع بين هذه المعاني اسمه المهيمن ولن يجتمع على ذلك الكمال والإطلاق إلا الله تعالى ، ولذلك قيل : إنه من أسماء الله تعالى في الكتب القديمة اهـ . وفي هذا التعريف بهذا التفصيل نظر ولعله جرى من حجة الإسلام مجرى الاعتبار بالصفة لا تفسير مدلولها .
وتعقيب ( المؤمن ) بـ ( المهيمن ) لدفع توهم أن تأمينه عن ضعف أو عن مخافة غيره ، فاعلموا أن تأمينه لحكمته مع أنه رقيب مطلع على أحوال خلقه فتأمينه إياهم رحمة بهم .
و العزيز الذي لا يغلب ولا يذله أحد ، ولذلك فسر بالغالب .
و الجبار : القاهر المكره غيره على الانفعال بفعله ، فالله جبار كل مخلوق على الأفعال لما كونه عليه لا يستطيع مخلوق اجتياز ما حده له في خلقته فلا يستطيع الإنسان الطيران ولا يستطيع ذوات الأربع المشي على رجلين فقط ، وكذلك هو جبار للموجودات على قبول ما أراده بها وما تعلقت به قدرته عليها .
وإذا وصف الإنسان بالجبار كان وصف ذم لأنه يشعر بأنه يحمل غيره على هواه ولذلك قال تعالى إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين . فالجبار من أمثلة المبالغة لأنه مشتق من أجبره ، وأمثلة المبالغة تشتق من المزيد بقلة مثل الحكيم بمعنى المحكم . قال الفراء : لم أسمع فعالا في أفعل إلا جبارا ودراكا . وكان القياس أن يقال : المجبر والمدرك ، وقيل : الجبار معناه المصلح من جبر الكسر ، إذا أصلحه ، فاشتقاقه لا نذرة فيه .
و المتكبر : الشديد الكبرياء ، أي العظمة والجلالة . وأصل صيغة التفعل أن تدل على التكلف لكنها استعملت هنا في لازم التكلف وهو القوة لأن الفعل الصادر عن تأنق وتكلف يكون أتقن .
ويقال : فلان يتظلم على الناس ، أي يكثر ظلمهم .
ووجه ذكر هذه الصفات الثلاث عقب صفة المهيمن أن جميع ما ذكره آنفا من الصفات لا يؤذن إلا باطمئنان العباد لعناية ربهم بهم وإصلاح أمورهم وأن صفة المهيمن تؤذن بأمر مشترك فعقبت بصفة ( العزيز ) ليعلم الناس أن الله غالب لا يعجزه شيء . واتبعت بصفة ( الجبار ) الدالة على أنه مسخر المخلوقات لإرادته ثم صفة المتكبر الدالة على أنه ذو الكبرياء يصغر كل شيء دون كبريائه فكانت هذه الصفات في جانب التخويف كما كانت قبلها في جانب الإطماع .
مسألة :
سبحان الله عما يشركون ذيلت هذه الصفات بتنزيه الله تعالى عن أن يكون له شركاء بأن أشرك به المشركون . فضمير ( يشركون ) عائد إلى معلوم من المقام وهم المشركون الذين لم يزل القرآن يقرعهم بالمواعظ .
هو الله الخالق البارئ المصور القول في ضمير ( هو ) المفتتح به وفي تكرير الجملة كالقول في التي سبقتها فإن كان ضمير الغيبة ضمير شأن فالجملة بعده خبر عنه .
وجملة ( الله الخالق ) تفيد قصرا بطريق تعريف جزأي الجملة هو الخالق لا شركاؤهم . وهذا إبطال لإلهية ما لا يخلق . قال تعالى والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ، وقال أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ، وإن كان عائدا على اسم الجلالة المتقدم فاسم الجلالة بعده خبر عنه و ( الخالق ) صفة .
والخالق : اسم فاعل من الخلق ، وأصل الخلق في اللغة إيجاد شيء على صورة مخصوصة . وقد تقدم عند قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير الآية في سورة آل عمران . ويطلق الخلق على معنى أخص من إيجاد الصور وهو إيجاد ما لم يكن موجودا . كقوله تعالى ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام . وهذا هو المعنى الغالب من إطلاق اسم الله تعالى ( الخالق ) .
قال في الكشاف ( المقدر لما يوجده ) . ونقل عنه في بيان مراده بذلك أنه قال ( لما كانت إحداثات الله مقدرة بمقادير الحكمة عبر عن إحداثه بالخلق اهـ . يشير إلى أن الخالق في صفة الله بمعنى المحدث الأشياء عن عدم ، وبهذا يكون الخلق أعم من التصوير . ويكون ذكر البارئ والمصور بعد الخالق تنبيها على أحوال خاصة في الخلق . قال تعالى ولقد خلقناكم ثم صورناكم على أحد التأويلين .
وقال الراغب : الخلق التقدير المستقيم واستعمل في إيداع الشيء من غير أصل ولا احتذاء اهـ .
وقال أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي على سنن الترمذي : الخالق : المخرج الأشياء من العدم إلى الوجود المقدر لها على صفاتها فخلط بين المعنيين ثم قال : فالخالق عام ، والبارئ أخص منه ، والمصور أخص من الأخص وهذا قريب من كلام صاحب الكشاف . وقال الغزالي في المقصد الأسنى : الخالق البارئ المصور قد يظن أن هذه الأسماء مترادفة ولا ينبغي أن يكون كذلك بل كل ما يخرج من العدم إلى الوجود يفتقر إلى تقدير أولا وإلى الإيجاد على وفق التقدير ثانيا وإلى التصوير بعد الإيجاد ثالثا . والله خالق من حيث إنه مقدر وبارئ من حيث إنه مخترع موجود ، ومصور من حيث إنه مرتب صور المخترعات أحسن ترتيب اهـ . فجعل المعاني متلازمة وجعل الفرق بينها بالاعتبار ، ولا أحسبه ينطبق على مواقع استعمال هذه الأسماء .
و البارئ اسم فاعل من برأ مهموزا . قال في الكشاف المميز لما يوجده بعضه من بعض بالأشكال المختلفة اهـ . وهو مغاير لمعنى الخالق بالخصوص . وفي الحديث من شر ما خلق وذرأ وبرأ . ومن كلام علي رضي الله عنه : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، فيكون اسم البريئة غير خاص بالناس في قوله تعالى ( أولئك هم شر البريئة ) ( أولئك هم خير البريئة ) . وقال الراغب : البريئة : الخلق .
وقال ابن العربي في العارضة : البارئ : خالق الناس من البرى مقصورا وهو التراب خاصا بخلق جنس الإنسان ، وعليه يكون اسم البريئة خاصا بالبشر في قوله تعالى ( أولئك هم شر البريئة ) ( أولئك هم خير البريئة ) .
وفسره ابن عطية بمعنى الخالق . وكذلك صاحب القاموس . وفسره الغزالي بأنه الموجود المخترع ، وقد علمت أنه غير منطبق فأحسن تفسير له ما في الكشاف .
و المصور : مكون الصور لجميع المخلوقات ذوات الصور المرئية .
وإنما ذكرت هذه الصفات متتابعة لأن من مجموعها يحصل تصور الإبداع الإلهي للإنسان فابتدئ بالخلق الذي هو الإيجاد الأصلي ثم بالبرء الذي هو تكوين جسم الإنسان ثم بالتصور الذي هو إعطاء الصورة الحسنة ، كما أشار إليه قوله تعالى الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ، الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء .
ووجه ذكرها عقب الصفات المتقدمة ، أي هذه الصفات الثلاث أريد منها الإشارة إلى تصرفه في البشر بالإيجاد على كيفيته البديعة ليثير داعية شكرهم على ذلك . ولذلك عقبت بجملة يسبح له ما في السماوات والأرض .
واعلم أن وجه إرجاع هذه الصفات الحسنى إلى ما يناسبها مما اشتملت عليه السورة ينقسم إلى ثلاثة أقسام ولكنها ذكرت في الآية بحسب تناسب مواقع بعضها عقب بعض من تنظير أو احتراس أو تتميم كما علمته آنفا .
القسم الأول يتعلق بما يناسب أحوال المشركين وأحلافهم اليهود المتألبين على النبيء - صلى الله عليه وسلم - وعلى المسلمين بالحرب والكيد والأذى ، وأنصارهم من المنافقين المخادعين للمسلمين .
ض
وإلى هذا القسم تنضوي صفة ( لا إله إلا هو ) وهذه الصفة هي الأصل في التهيؤ للتدبر والنظر في بقية الصفات ، فإن الإشراك أصل الضلالات ، والمشركون هم الذين يغرون اليهود ، والمنافقون بين يهود ومشركين تستروا بإظهار الإسلام ، فالشرك هو الذي صد الناس عن الوصول إلى مسالك الهدى ، قال تعالى وما زادوهم غير تتبيب .
وصفة ( عالم الغيب ) فإن من أصول الشرك إنكار الغيب الذي من آثاره إنكار البعث والجزاء ، وعلى الاسترسال في الغي وأعمال السيئات وإنكار الوحي والرسالة . وهذا ناظر إلى قوله تعالى ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله الآية .
وكذلك ذكر صفات الملك ، والعزيز ، والجبار ، والمتكبر ، لأنها تناسب ما أنزله ببني النضير من الرعب والخزي والبطشة .
القسم الثاني متعلق بما اجتناه المؤمنون من ثمرة النصر في قصة بني النضير ، وتلك صفات : السلام المؤمن لقوله فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ، أي لم يتجشم المسلمون للغنى مشقة ولا أذى ولا قتالا .
وكذلك صفتا ( الرحمان الرحيم ) لمناسبتهما لإعطاء حظ في الفيء للضعفاء .
القسم الثالث متعلق بما يشترك فيه الفريقان المذكوران في هذه السورة فيأخذ كل فريق حظه منها ، وهي صفات : القدوس ، المهيمن ، الخالق ، الباريء ، المصور .
يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم جملة ( يسبح له ) إلخ في موضع الحال من ضمير ( له الأسماء الحسنى ) يعني أن اتصافه بالصفات الحسنى يضطر ما في السماوات والأرض من العقلاء على تعظيمه بالتسبيح والتنزيه عن النقائص فكل صنف يبعثه علمه ببعض أسماء الله على أن ينزهه ويسبحه بقصد أو بغير قصد . فالدهري أو الطبائعي إذا نوه بنظام الكائنات وأعجب بانتساقها فإنما يسبح في الواقع للفاعل المختار وإن كان هو يدعوه دهرا أو طبيعة ، وهذا إذا حمل التسبيح على معناه الحقيقي وهو التنزيه بالقول ، فأما إن حمل على ما يشمل المعنيين الحقيقي والمجازي من دلالة على التنويه ولو بلسان الحال . فالمعنى : أن ما ثبت له من صفات الخلق والإمداد والقهر تدل عليه شواهد المخلوقات وانتظام وجودها .
وجملة ( وهو العزيز الحكيم ) عطف على جملة الحال وأوثر هاتان الصفتان لشدة مناسبتهما لنظام الخلق .
وفي هذه الآية رد العجز على الصدر لأن صدر السورة مماثل لآخرها .
روى الترمذي بسند حسن عن معقل بن يسار عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال : من قال حين يصبح ثلاث مرات : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، ثم قرأ الثلاث آيات من آخر سورة الحشر هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب إلى آخر السورة ، وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي ، وإن مات ذلك اليوم مات شهيدا . ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة . فهذه فضيلة لهذه الآيات أخروية .
ملاحظة:
(هذا الحديث رواه الترمذي في كتاب فضائل القرآن ، باب فيمن قرأ حرفا من القرآن ماله من الأجر رقم (2922) .
والإمام أحمد في مسنده رقم (19795)
وفي سنده خالد بن طهمان قال عنه ابن حجر: صدوق رمي بالتشيع ثم اختلط .
تقريب التهذيب (1644)
وضعفه الألباني رحمه الله ، انظر ضعيف أبو داود (2922)
وهناك الكثير من أذكار الصباح والمساء الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم انظر بعضها في سؤال رقم ( 12173 )
والله أعلم .) على هذا يكون الحديث ضعيف
منتدى
وروى الخطيب البغدادي في تاريخه بسنده إلى إدريس بن عبد الكريم الحداد قال : قرأت على خلف راوي حمزة فلما بلغت هذه الآية لو أنزلنا هذا القرآن على جبل إلى آخر السورة قال : ضع يدك على رأسك فإني قرأت على الأعمش . فلما بلغت هذه الآية قال : ضع يدك على رأسك فإني قرأت على يحيى بن وثاب ، فلما بلغت هذه الآية قال : ضع يدك على رأسك ، فإني قرأت على علقمة والأسود فلما بلغت هذه الآية قال : ضع يدك على رأسك فإنا قرأنا على عبد الله فلما بلغنا هذه الآية قال : ضعا أيديكما على رؤوسكما ، فإني قرأت على النبيء - صلى الله عليه وسلم - فلما بلغت هذه الآية قال لي : ضع يدك على رأسك فإن جبريل لما نزل بها إلي قال : ضع يدك على رأسك فإنها شفاء من كل داء إلا السام . والسام الموت . قلت : هذا حديث أغر مسلسل إلى جبريل عليه السلام .
وأخرج الديلمي عن علي وابن مسعود عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في قوله تعالى لو أنزلنا هذا القرآن إلى آخر السورة : هي رقية الصداع ، فهذه مزية لهذه الآيات . (التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور)
ملاحظة:
1 - إني قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم فلما بلغت هذه الآية قال لي ضع يدك على رأسك فإن جبريل لما نزل بها قال لي ضع يدك على رأسك فإنها شفاء من كل داء إلا السام
الراوي: عبد الله بن مسعود المحدث: الذهبي - المصدر: فتح القدير - الصفحة أو الرقم: 5/297
خلاصة حكم المحدث: باطل
2 - ضع يدك على رأسك ؛ فإن جبريل لما نزل بها إلي قال : ضع يدك على رأسك ؛ فإنها شفاء من كل داء إلا السام ، والسام : الموت . يعني : آية : { لو أنزلنا هذا القرآن . . . }
الراوي: عبدالله بن مسعود المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الضعيفة - الصفحة أو الرقم: 5596
خلاصة حكم المحدث: ضعيف
الدرر السنية الحديثية
حياكن الرحمن في الدرس السابع
من سورة الحشر 20-24
لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)
لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ الْفَائِزُونَ (20)
لا يستوي أصحاب النار المعذَّبون, وأصحاب الجنة المنعَّمون, أصحاب الجنة هم الظافرون بكل مطلوب, الناجون من كل مكروه.
لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21)
لو أنزلنا هذا القرآن على جبل من الجبال, ففهم ما فيه مِن وعد ووعيد, لأبصَرْته على قوته وشدة صلابته وضخامته، خاضعًا ذليلا متشققًا من خشية الله تعالى. وتلك الأمثال نضربها, ونوضحها للناس ؛ لعلهم يتفكرون في قدرة الله وعظمته. وفي الآية حث على تدبر القرآن, وتفهم معانيه, والعمل به.
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22)
هو الله سبحانه وتعالى المعبود بحق الذي لا إله سواه, عالم السر والعلن, يعلم ما غاب وما حضر, هو الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء, الرحيم بأهل الإيمان به.
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23)
هو الله المعبود بحق, الذي لا إله إلا هو, الملك لجميع الأشياء, المتصرف فيها بلا ممانعة ولا مدافعة, المنزَّه عن كل نقص, الذي سلِم من كل عيب, المصدِّق رسله وأنبياءه بما ترسلهم به من الآيات البينات, الرقيب على كل خلقه في أعمالهم, العزيز الذي لا يغالَب, الجبار الذي قهر جميع العباد, وأذعن له سائر الخلق, المتكبِّر الذي له الكبرياء والعظمة. تنزَّه الله تعالى عن كل ما يشركونه به في عبادته.
هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ْبِ (24)
هو الله سبحانه وتعالى الخالق المقدر للخلق، البارئ المنشئ الموجد لهم على مقتضى حكمته, المصوِّر خلقه كيف يشاء, له سبحانه الأسماء الحسنى والصفات العلى, يسبِّح له جميع ما في السموات والأرض, وهو العزيز شديد الانتقام مِن أعدائه, الحكيم في تدبيره أمور خلقه.
تم تفسير سورة الحشر، فلله الحمد على ذلك، والمنة والإحسان..
التحليل الموضوعي
================
ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون .
بعد أن أمر المؤمنين بتقوى الله وإعداد العدة للآخرة أعقبه بهذا النهي تحذيرا عن الإعراض عن الدين والتغافل عن التقوى ، وذلك يفضي إلى الفسوق . وجيء في النهي بنهيهم عن حالة قوم تحققت فيهم هذه الصلة ليكون النهي عن إضاعة التقوى مصورا في صورة محسوسة هي صورة قوم تحققت فيهم تلك الصلة وهم الذين أعرضوا عن التقوى .
وهذا الإعراض مراتب قد تنتهي إلى الكفر الذي تلبس به اليهود وإلى النفاق الذي تلبس به فريق ممن أظهروا الإسلام في أول سني الهجرة ، وظاهر الموصول أنه لطائفة معهودة فيحتمل أن يراد بـ ( الذين نسوا الله ) المنافقين لأنهم كانوا مشركين ولم يهتدوا للتوحيد بهدى الإسلام فعبر عن النفاق بنسيان الله لأنه جهل بصفات الله من التوحيد والكمال . وعبر عنهم بالفاسقين قوله تعالى : نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون في سورة براءة ، فتكون هذه الآية ناظرة إلى تلك .
ويحتمل أن يكون المراد بهم اليهود لأنهم أضاعوا دينهم ولم يقبلوا رسالة عيسى عليه السلام وكفروا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - .
فالمعنى : نسوا دين الله وميثاقه الذي واثقهم به ، قال تعالى وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم .
وقد أطلق نسيانهم على الترك والإعراض عن عمد أي فنسوا دلائل توحيد الله ودلائل صفاته ودلائل صدق رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفهم كتابه فالكلام بتقدير حذف مضاف أو مضافين .
ومعنى أنساهم أنفسهم أن الله لم يخلق في مداركهم التفطن لفهم الهدي الإسلامي فيعملوا بما ينجيهم من عذاب الآخرة ولما فيه صلاحهم في الدنيا ، إذ خذلهم بذبذبة آرائهم فأصبح اليهود في قبضة المسلمين يخرجونهم من ديارهم ، وأصبح المنافقون ملموزين بين اليهود بالغدر ونقض العهد وبين المسلمين بالاحتقار واللعن .
وأشعر فاء التسبب بأن إنساء الله إياهم أنفسهم مسبب على نسيانهم دين الله ، أي لما أعرضوا عن الهدى بكسبهم وإرادتهم عاقبهم الله بأن خلق فيهم نسيان أنفسهم .
وإظهار اسم الجلالة في قوله تعالى كالذين نسوا الله دون أن يقال : نسوه لاستفظاع هذا النسيان فعلق باسم الله الذين خلقهم وأرشدهم .
والقصر المستفاد من ضمير الفصل في قوله أولئك هم الفاسقون قصر ادعائي للمبالغة في وصفهم بشدة الفسق حتى كأن فسق غيرهم ليس بفسق في جانب فسقهم .
واسم الإشارة للتشهير بهم بهذا الوصف .
والفسق : الخروج من المكان الموضوع للشيء فهو صفة ذم غالبا لأنه مفارقة للمكان اللائق بالشيء ، ومنه قيل : فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها ، فالفاسقون هم الآتون بفواحش السيئات ومساوي الأعمال وأعظمها الإشراك .
وجملة أولئك هم الفاسقون مستأنفة استئنافا بيانيا لبيان الإبهام الذي أفاده قوله فأنساهم أنفسهم كأن السامع سأل : ماذا كان إثر إنساء الله إياهم أنفسهم ؟ فأجيب بأنهم بلغوا بسبب ذلك منتهى الفسق في الأعمال السيئة حتى حق عليهم أن يقال : إنه لا فسق بعد فسقهم .
*لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون .
تذييل لجملة يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد إلخ . لأنه جامع لخلاصة عاقبة الحالين : حال التقوى والاستعداد للآخرة ، وحال نسيان ذلك وإهماله ، ولكلا الفريقين عاقبة عمله . ويشمل الفريقين وأمثالهم .
والجملة أيضا فذلكة لما قبلها من حال المتقين والذين نسوا الله ونسوا أنفسهم لأن ذكر مثل هذا الكلام بعد ذكر أحوال المتحدث عنه يكون في الغالب للتعريض بذلك المتحدث عنه كقولك عندما ترى أحدا يؤذي الناس المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، فمعنى الآية كناية عن كون المؤمنين هم أصحاب الجنة ، وكون الذين نسوا الله هم أهل النار فتضمنت الآية وعدا للمتقين ووعيدا للفاسقين .
والمراد من نفي الاستواء في مثل هذا الكناية عن البون بين الشيئين .
وتعيين المفضل من الشيئين موكول إلى فهم السامع من قرينة المقام كما في قول السموأل :
فليس سواء عالم وجهول
وقول أبي حزام غالب بن الحارث العكلي :
وأعلم أن تسليما وتركا للا متشابهان ولا سواء
ومنه قوله تعالى ليسوا سواء بعد قوله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم الآية . وقيل قوله من أهل الكتاب أمة قائمة . وقد يردف بما يدل على جهة التفضيل كما في قوله تعالى لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا . وقوله هنا أصحاب الجنة هم الفائزون ، وتقدم في قوله تعالى لا يستوي القاعدون من المؤمنين الآية في سورة النساء .
وأما من ذهب من علماء الأصول إلى تعميم نحو ( لا يستوون ) من قوله تعالى أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون فاستدلوا به على أن الفاسق لا يلي ولاية النكاح ، وهو استدلال الشافعية فليس ذلك بمرضي ، وقد أباه الحنفية ووافقهم تاج الدين السبكي في غير جمع الجوامع .
والقصر المستفاد من ضمير الفصل في قوله تعالى أصحاب الجنة هم الفائزون قصر ادعائي لأن فوزهم أبدي فاعتبر فوز غيرهم ببعض أمور الدنيا كالعدم .
( *لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون . )
لما حذر المسلمين من الوقوع في مهواة نسيان الله التي وقع فيها الفاسقون وتوعد الذين نسوا الله بالنار ، وبين حالهم بأن الشيطان سول لهم الكفر . وكان القرآن دالا على مسالك الخير ومحذرا من مسالك الشر ، وما وقع الفاسقون في الهلكة إلا من جراء إهمالهم التدبر فيه ، وذلك من نسيانهم الله تعالى انتقل الكلام إلى التنويه بالقرآن وهديه البين الذي لا يصرف الناس عنه إلا أهواءهم ومكابرتهم ، وكان إعراضهم عنه أصل استمرار ضلالهم وشركهم ، ضرب لهم هذا المثل تعجيبا من تصلبهم في الضلال .
وفي هذا الانتقال إيذان بانتهاء السورة لأنه انتقال بعد طول الكلام في غرض فتح قرى اليهود وما ينال المنافقين من جرائه من خسران في الدنيا والآخرة .
و هذا القرآن إشارة إلى المقدار الذي نزل منه ، وهو ما عرفوه وتلوه وسمعوا تلاوته .
وفائدة الإتيان باسم إشارة القريب التعريض لهم بأن القرآن غير بعيد عنهم . وأنه في متناولهم ولا كلفة عليهم في تدبره ولكنهم قصدوا الإعراض عنه .
وهذا مثل ساقه الله تعالى كما دل عليه قوله ( وتلك الأمثال ) إلخ . وقد ضرب هذا مثلا لقسوة الذين نسوا الله وانتفاء تأثرهم بقوارع القرآن .
والمراد بالجبل : حقيقته ، لأن الكلام فرض وتقدير كما هو مقتضى ( لو ) أن تجيء في الشروط المفروضة .
فالجبل : مثال لأشد الأشياء صلابة وقلة تأثر بما يقرعه . وإنزال القرآن مستعار للخطاب به . عبر عنه بالإنزال على طريقة التبعية تشبيها لشرف الشيء بعلو المكان ، ولإبلاغه للغير بإنزال الشيء من علو .
والمعنى : لو كان المخاطب بالقرآن جبلا ، وكان الجبل يفهم الخطاب لتأثر بخطاب القرآن تأثرا ناشئا من خشية لله خشية تؤثرها فيه معاني القرآن .
والمعنى : لو كان الجبل في موضع هؤلاء الذين نسوا الله وأعرضوا عن فهم القرآن ولم يتعظوا بمواعظه لاتعظ الجبل وتصدع صخره وتربه من شدة تأثره بخشية الله .
وضرب التصدع مثلا لشدة الانفعال والتأثر لأن منتهى تأثر الأجسام الصلبة أن تنشق وتتصدع إذ لا يحصل ذلك لها بسهولة .
والخشوع : التطأطؤ والركوع ، أي لرأيته ينزل أعلاه إلى الأرض .
والتصدع : التشقق ، أي لتزلزل وتشقق من خوفه الله تعالى .
والخطاب في لرأيته لغير معين فيعم كل من يسمع هذا الكلام ، والرؤية بصرية ، وهي منفية لوقوعها جوابا لحرف ( لو ) الامتناعية .
والمعنى : لو كان كذلك لرأيت الجبل في حالة الخشوع والتصدع .
وجملة وتلك الأمثال نضربها للناس تذييل لأن ما قبلها سيق مساق المثل فذيل بأن الأمثال التي يضربها الله في كلامه مثل المثل أراد منها أن يتفكروا فإن لم يتفكروا بها فقد سجل عليهم عنادهم ومكابرتهم ، فالإشارة بتلك إلى مجموع ما مر على أسماعهم من الأمثال الكثيرة ، وتقدير الكلام : ضربنا هذا مثلا ، وتلك الأمثال نضربها للناس .
وضرب المثل سوقه ، أطلق عليه الضرب بمعنى الوضع كما يقال : ضرب بيتا ، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما في سورة البقرة .
(*هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم . )
لما تكرر في هذه السورة ذكر اسم الله وضمائره وصفاته أربعين مرة منها أربع وعشرون بذكر اسم الجلالة وست عشرة مرة بذكر ضميره الظاهر ، أو صفاته العلية . وكان ما تضمنته السورة دلائل على عظيم قدرة الله وبديع تصرفه وحكمته .
وكان ما حوته السورة الاعتبار بعظيم قدرة الله إذ أيد النبيء - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين ونصرهم على بني النضير ذلك النصر الخارق للعادة ، وذكر ما حل بالمنافقين أنصارهم وأن ذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله وقوبل ذلك بالثناء على المؤمنين بالله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - الذين نصروا الدين ، ثم الأمر بطاعة الله والاستعداد ليوم الجزاء ، والتحذير من الذين أعرضوا عن كتاب الله ومن سوء عاقبتهم ، وختم ذلك بالتذكير بالقرآن الدال على الخير ، والمعرف بعظمة الله المقتضية شدة خشيته عقب ذلك بذكر طائفة من عظيم صفات الله ذات الآثار العديدة في تصرفاته المناسبة لغرض السورة زيادة في تعريف المؤمنين بعظمته المقتضية للمزيد من خشيته . وبالصفات الحسنى الموجبة لمحبته ، وزيادة في إرهاب المعاندين المعرضين من صفات بطشه وجبروته ، ولذلك ذكر في هذه الآيات الخواتم للسورة من صفاته تعالى ما هو مختلف التعلق والآثار للفريقين حظ ما يليق به منها .
وفي غضون ذلك كله دلائل على بطلان إشراكهم به أصنامهم . وسنذكر مراجع هذه الأسماء إلى ما اشتملت عليه السورة فيما يأتي .
فضمير الغيبة الواقع في أول الجملة عائد إلى اسم الجلالة في قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ) ، و ( هو ) مبتدأ واسم الجلالة خبر عنه و ( الذي ) صفة لاسم الجلالة .
وكان مقتضى الظاهر الاقتصار على الضمير دون ذكر اسم الجلالة لأن المقصود الإخبار عن الضمير بـ ( الذي لا إله إلا هو ) وبما بعد ذلك من الصفات العليا ، فالجمع بين الضمير وما يساوي معادة اعتبار بأن اسم الجلالة يجمع صفات الكمال لأن أصله الإله ومدلول الإله يقتضي جمع صفات الكمال .
ويجوز أن يجعل الضمير ضمير الشأن ويكون الكلام استئنافا قصد منه تعليم المسلمين هذه الصفات ليتبصروا فيها وللرد على المشركين إشراكهم بصاحب هذه الصفات معه أصنافا ليس لواحد منها شيء من مثل هذه الصفات ، ولذلك ختمت طائفة منها بجملة سبحان الله عما يشركون ، لتكون خاتما لهذه السورة الجليلة التي تضمنت منة عظيمة ، وهي منة الفتح الواقع والفتح الميسر في المستقبل ، لا جرم أنه حقيق بأن يعرفوا جلائل صفاته التي لتعلقاتها آثار في الأحوال الحاصلة والتي ستحصل من هذه الفتوح وليعلم المشركون والكافرون من اليهود أنهم ما تعاقبت هزائمهم إلا من جراء كفرهم . ولما كان شأن هذه الصفات عظيما ناسب أن تفتتح الجملة بضمير الشأن ، فيكون اسم الجلالة مبتدأ و " الذي لا إله إلا هو " خبرا . والجملة خبرا عن ضمير الشأن .
وابتدئ في هذه الصفات العلية بصفة الوحدانية وهي مدلول الذي لا إله إلا هو وهي الأصل فيما يتبعها من الصفات . ولذلك كثر في القرآن ذكرها عقب اسم الجلالة كما في آية الكرسي . وفاتحة آل عمران .
وثني بصفة عالم الغيب لأنها التي تقتضيها صفة الإلهية إذ علم الله هو العلم الواجب وهي تقتضي جميع الصفات إذ لا تقوم حقيقة العلم الواجب إلا بالصفات السلبية ، وإذ هو يقتضي الصفات المعنوية ، وإنما من متعلقات علمه أمور الغيب لأنه الذي فارق به علم الله تعالى علم غيره ، وذكر معه علم الشهادة للاحتراس توهم أنه يعلم الحقائق العالية الكلية فقط كما ذهب إليه فريق من الفلاسفة الأقدمين ولأن التعريف في الغيب والشهادة للاستغراق . أي كل غيب وشهادة ، وذلك مما لا يشاركه فيه غيره . وهو علم الغيب والشهادة ، أي الغائب عن إحساس الناس والمشاهد لهم . فالمقصود فيها بمعنى اسم الفاعل ، أي عالم ما ظهر وما غاب عنهم من كل غائب يتعلق به العلم على ما هو عليه .
والتعريف في الغيب والشهادة للاستغراق الحقيقي .
وفي ذكر الغيب إيماء إلى ضلال الذين قصروا أنفسهم على المشاهدات وكفروا بالمغيبات من البعث والجزاء وإرسال الرسل ، أما ذكر علم الشهادة فتتميم على أن المشركين يتوهمون الله لا يطلع على ما يخفونه . قال تعالى وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم إلى قوله " من الخاسرين " .
وضمير هو الرحمن الرحيم ضمير فصل يفيد قصر الرحمة عليه تعالى لعدم الاعتداد برحمة غيره لقصورها قال تعالى ورحمتي وسعت كل شيء . وقال النبيء - صلى الله عليه وسلم - جعل الله الرحمة في مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا وأنزل في الأرض جزءا واحدا . فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه . وقد تقدم الكلام على الرحمن والرحيم في سورة الفاتحة .
ووجه تعقيب صفة عموم العلم بصفة الرحمة أن عموم العلم يقتضي أن لا يغيب عن علمه شيء من أحوال خلقه وحاجتهم إليه ، فهو يرحم المحتاجين إلى رحمته ويمهل المعاندين إلى عقاب الآخرة ، فهو رحمان بهم في الدنيا ، وقد كثر إتباع اسم الجلالة بصفتي الرحمن الرحيم في القرآن كما في الفاتحة .
( *» قوله تعالى هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر)
*هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر .
القول في ضمير هو كالقول في نظيره في الجملة الأولى . وهذا تكرير للاستئناف لأن المقام مقام تعظيم وهو من مقامات التكرير ، وفيه اهتمام بصفة الوحدانية .
و الملك : الحاكم في الناس ، ولا ملك على الإطلاق إلا الله تعالى وأما وصف غيره بالملك فهو بالإضافة إلى طائفة معينة من الناس . وعقب وصفا الرحمة بوصف الملك للإشارة إلى أن رحمته فضل وأنه مطلق التصرف كما وقع في سورة الفاتحة .
و ( القدوس ) بضم القاف في الأفصح ، وقد تفتح القاف قال ابن جني : فعول في الصفة قليل ، وإنما هو في الأسماء مثل تنور وسفود وعبود . وذكر سيبويه السبوح بالفتح ، وقال ثعلب لم يرد فعول بضم أوله إلا القدوس والسبوح . وزاد غيره الذروح ، وهو ذباب أحمر متقطع الحمرة بسواد يشبه الزنبور . ويسمى في اصطلاح الأطباء ذباب الهند . وما عداهما مفتوح مثل سفود وكلوب . وتنور وسمور وشبوط صنف من الحوت وكأنه يريد أن ( سبوح ) ( وقدوس ) صارا اسمين .
وعقب بـ ( القدوس ) وصف ( الملك ) للاحتراس إشارة إلى أنه منزه عن نقائص الملوك المعروفة من الغرور ، والاسترسال في الشهوات ونحو ذلك من نقائص النفوس .
و ( السلام ) مصدر بمعنى المسالمة وصف الله تعالى به على طريقة الوصف بالمصدر للمبالغة في الوصف ، أي ذو السلام ، أي السلامة ، وهي أنه تعالى سالم الخلق من الظلم والجور . وفي الحديث إن الله هو السلام ومنه السلام . وبهذا ظهر تعقيب وصف ( الملك ) بوصف ( السلام ) فإنه بعد أن عقب بـ ( القدوس ) للدلالة على نزاهة ذاته ، عقب بـ ( السلام ) للدلالة على العدل في معاملته الخلق ، وهذا احتراس أيضا . و ( المؤمن ) اسم فاعل من آمن الذي همزته للتعدية ، أي جعل غيره آمنا .
فالله هو الذي جعل الأمان في غالب أحوال الموجودات ، إذ خلق نظام المخلوقات بعيدا عن الأخطار والمصائب ، وإنما تعرض للمخلوقات المصائب بعوارض تتركب من تقارن أو تضاد أو تعارض مصالح ، فيرجح أقواها ويدحض أدناها ، وقد تأتي من جراء أفعال الناس .
وذكر وصف ( المؤمن ) عقب الأوصاف التي قبله إتمام للاحتراس من توهم وصفه تعالى بـ ( الملك ) أنه كالملوك المعروفين بالنقائص . فأفيد أولا نزاهة ذاته بوصف القدوس ، ونزاهة تصرفاته المغيبة عن الغدر والكيد بوصف ( المؤمن ) ، ونزاهة تصرفاته الظاهرة عن الجور والظلم بوصف ( السلام ) .
و ( المهيمن ) : الرقيب بلغة قريش ، والحافظ في لغة بقية العرب .
واختلف في اشتقاقه فقيل مشتق من " أمن " الداخل عليه همزة التعدية فصار ءامن وأن وزن الوصف مؤيمن قلبت همزته هاء ، ولعل موجب القلب إرادة نقله من الوصف إلى الاسمية بقطع النظر عن معنى الأمن ، بحيث صار كالاسم الجامد . وصار معناه : رقب : ألا ترى أنه لم يبق فيه معنى إلا من الذي في المؤمن لما صار اسما للرقيب والشاهد ، وهو قلب نادر مثل قلب همزة : أراق إلى الهاء فقالوا : هراق ، وقد وضعه الجوهري في فصل الهمزة من باب النون ووزنه مفعلل اسم فاعل من آمن مثل مدحرج ، فتصريفه مؤأمن بهمزتين بعد الميم الأولى المزيدة ، فأبدلت الهمزة الأولى هاء كما أبدلت همزة أراق فقالوا : هراق .
وقيل : أصله هيمن بمعنى : رقب ، كذا في لسان العرب وعليه فالهاء أصلية ووزنه مفيعل . وذكره صاحب القاموس في فصل الهاء من باب النون ولم يذكره في فصل الهمزة منه . وذكره الجوهري في فصل الهمزة وفصل الهاء من باب النون مصرحا بأن هاءه أصلها همزة . وعدل الراغب وصاحب الأساس عن ذكره .
وذلك يشعر بأنهما يريان هاءه مبدلة من الهمزة وأنه مندرج في معاني الأمن وفي المقصد الأسنى في شرح الأسماء الحسنى للغزالي المهيمن في حق الله : القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم ، وإنما قيامه عليهم باطلاعه واستيلائه وحفظه . والإشراف ( أي الذي هو الاطلاع ) يرجع إلى العلم ، والاستيلاء يرجع إلى كمال القدرة ، والحفظ يرجع إلى الفعل . والجامع بين هذه المعاني اسمه المهيمن ولن يجتمع على ذلك الكمال والإطلاق إلا الله تعالى ، ولذلك قيل : إنه من أسماء الله تعالى في الكتب القديمة اهـ . وفي هذا التعريف بهذا التفصيل نظر ولعله جرى من حجة الإسلام مجرى الاعتبار بالصفة لا تفسير مدلولها .
وتعقيب ( المؤمن ) بـ ( المهيمن ) لدفع توهم أن تأمينه عن ضعف أو عن مخافة غيره ، فاعلموا أن تأمينه لحكمته مع أنه رقيب مطلع على أحوال خلقه فتأمينه إياهم رحمة بهم .
و العزيز الذي لا يغلب ولا يذله أحد ، ولذلك فسر بالغالب .
و الجبار : القاهر المكره غيره على الانفعال بفعله ، فالله جبار كل مخلوق على الأفعال لما كونه عليه لا يستطيع مخلوق اجتياز ما حده له في خلقته فلا يستطيع الإنسان الطيران ولا يستطيع ذوات الأربع المشي على رجلين فقط ، وكذلك هو جبار للموجودات على قبول ما أراده بها وما تعلقت به قدرته عليها .
وإذا وصف الإنسان بالجبار كان وصف ذم لأنه يشعر بأنه يحمل غيره على هواه ولذلك قال تعالى إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين . فالجبار من أمثلة المبالغة لأنه مشتق من أجبره ، وأمثلة المبالغة تشتق من المزيد بقلة مثل الحكيم بمعنى المحكم . قال الفراء : لم أسمع فعالا في أفعل إلا جبارا ودراكا . وكان القياس أن يقال : المجبر والمدرك ، وقيل : الجبار معناه المصلح من جبر الكسر ، إذا أصلحه ، فاشتقاقه لا نذرة فيه .
و المتكبر : الشديد الكبرياء ، أي العظمة والجلالة . وأصل صيغة التفعل أن تدل على التكلف لكنها استعملت هنا في لازم التكلف وهو القوة لأن الفعل الصادر عن تأنق وتكلف يكون أتقن .
ويقال : فلان يتظلم على الناس ، أي يكثر ظلمهم .
ووجه ذكر هذه الصفات الثلاث عقب صفة المهيمن أن جميع ما ذكره آنفا من الصفات لا يؤذن إلا باطمئنان العباد لعناية ربهم بهم وإصلاح أمورهم وأن صفة المهيمن تؤذن بأمر مشترك فعقبت بصفة ( العزيز ) ليعلم الناس أن الله غالب لا يعجزه شيء . واتبعت بصفة ( الجبار ) الدالة على أنه مسخر المخلوقات لإرادته ثم صفة المتكبر الدالة على أنه ذو الكبرياء يصغر كل شيء دون كبريائه فكانت هذه الصفات في جانب التخويف كما كانت قبلها في جانب الإطماع .
مسألة :
سبحان الله عما يشركون ذيلت هذه الصفات بتنزيه الله تعالى عن أن يكون له شركاء بأن أشرك به المشركون . فضمير ( يشركون ) عائد إلى معلوم من المقام وهم المشركون الذين لم يزل القرآن يقرعهم بالمواعظ .
هو الله الخالق البارئ المصور القول في ضمير ( هو ) المفتتح به وفي تكرير الجملة كالقول في التي سبقتها فإن كان ضمير الغيبة ضمير شأن فالجملة بعده خبر عنه .
وجملة ( الله الخالق ) تفيد قصرا بطريق تعريف جزأي الجملة هو الخالق لا شركاؤهم . وهذا إبطال لإلهية ما لا يخلق . قال تعالى والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ، وقال أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ، وإن كان عائدا على اسم الجلالة المتقدم فاسم الجلالة بعده خبر عنه و ( الخالق ) صفة .
والخالق : اسم فاعل من الخلق ، وأصل الخلق في اللغة إيجاد شيء على صورة مخصوصة . وقد تقدم عند قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير الآية في سورة آل عمران . ويطلق الخلق على معنى أخص من إيجاد الصور وهو إيجاد ما لم يكن موجودا . كقوله تعالى ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام . وهذا هو المعنى الغالب من إطلاق اسم الله تعالى ( الخالق ) .
قال في الكشاف ( المقدر لما يوجده ) . ونقل عنه في بيان مراده بذلك أنه قال ( لما كانت إحداثات الله مقدرة بمقادير الحكمة عبر عن إحداثه بالخلق اهـ . يشير إلى أن الخالق في صفة الله بمعنى المحدث الأشياء عن عدم ، وبهذا يكون الخلق أعم من التصوير . ويكون ذكر البارئ والمصور بعد الخالق تنبيها على أحوال خاصة في الخلق . قال تعالى ولقد خلقناكم ثم صورناكم على أحد التأويلين .
وقال الراغب : الخلق التقدير المستقيم واستعمل في إيداع الشيء من غير أصل ولا احتذاء اهـ .
وقال أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي على سنن الترمذي : الخالق : المخرج الأشياء من العدم إلى الوجود المقدر لها على صفاتها فخلط بين المعنيين ثم قال : فالخالق عام ، والبارئ أخص منه ، والمصور أخص من الأخص وهذا قريب من كلام صاحب الكشاف . وقال الغزالي في المقصد الأسنى : الخالق البارئ المصور قد يظن أن هذه الأسماء مترادفة ولا ينبغي أن يكون كذلك بل كل ما يخرج من العدم إلى الوجود يفتقر إلى تقدير أولا وإلى الإيجاد على وفق التقدير ثانيا وإلى التصوير بعد الإيجاد ثالثا . والله خالق من حيث إنه مقدر وبارئ من حيث إنه مخترع موجود ، ومصور من حيث إنه مرتب صور المخترعات أحسن ترتيب اهـ . فجعل المعاني متلازمة وجعل الفرق بينها بالاعتبار ، ولا أحسبه ينطبق على مواقع استعمال هذه الأسماء .
و البارئ اسم فاعل من برأ مهموزا . قال في الكشاف المميز لما يوجده بعضه من بعض بالأشكال المختلفة اهـ . وهو مغاير لمعنى الخالق بالخصوص . وفي الحديث من شر ما خلق وذرأ وبرأ . ومن كلام علي رضي الله عنه : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، فيكون اسم البريئة غير خاص بالناس في قوله تعالى ( أولئك هم شر البريئة ) ( أولئك هم خير البريئة ) . وقال الراغب : البريئة : الخلق .
وقال ابن العربي في العارضة : البارئ : خالق الناس من البرى مقصورا وهو التراب خاصا بخلق جنس الإنسان ، وعليه يكون اسم البريئة خاصا بالبشر في قوله تعالى ( أولئك هم شر البريئة ) ( أولئك هم خير البريئة ) .
وفسره ابن عطية بمعنى الخالق . وكذلك صاحب القاموس . وفسره الغزالي بأنه الموجود المخترع ، وقد علمت أنه غير منطبق فأحسن تفسير له ما في الكشاف .
و المصور : مكون الصور لجميع المخلوقات ذوات الصور المرئية .
وإنما ذكرت هذه الصفات متتابعة لأن من مجموعها يحصل تصور الإبداع الإلهي للإنسان فابتدئ بالخلق الذي هو الإيجاد الأصلي ثم بالبرء الذي هو تكوين جسم الإنسان ثم بالتصور الذي هو إعطاء الصورة الحسنة ، كما أشار إليه قوله تعالى الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ، الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء .
ووجه ذكرها عقب الصفات المتقدمة ، أي هذه الصفات الثلاث أريد منها الإشارة إلى تصرفه في البشر بالإيجاد على كيفيته البديعة ليثير داعية شكرهم على ذلك . ولذلك عقبت بجملة يسبح له ما في السماوات والأرض .
واعلم أن وجه إرجاع هذه الصفات الحسنى إلى ما يناسبها مما اشتملت عليه السورة ينقسم إلى ثلاثة أقسام ولكنها ذكرت في الآية بحسب تناسب مواقع بعضها عقب بعض من تنظير أو احتراس أو تتميم كما علمته آنفا .
القسم الأول يتعلق بما يناسب أحوال المشركين وأحلافهم اليهود المتألبين على النبيء - صلى الله عليه وسلم - وعلى المسلمين بالحرب والكيد والأذى ، وأنصارهم من المنافقين المخادعين للمسلمين .
ض
وإلى هذا القسم تنضوي صفة ( لا إله إلا هو ) وهذه الصفة هي الأصل في التهيؤ للتدبر والنظر في بقية الصفات ، فإن الإشراك أصل الضلالات ، والمشركون هم الذين يغرون اليهود ، والمنافقون بين يهود ومشركين تستروا بإظهار الإسلام ، فالشرك هو الذي صد الناس عن الوصول إلى مسالك الهدى ، قال تعالى وما زادوهم غير تتبيب .
وصفة ( عالم الغيب ) فإن من أصول الشرك إنكار الغيب الذي من آثاره إنكار البعث والجزاء ، وعلى الاسترسال في الغي وأعمال السيئات وإنكار الوحي والرسالة . وهذا ناظر إلى قوله تعالى ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله الآية .
وكذلك ذكر صفات الملك ، والعزيز ، والجبار ، والمتكبر ، لأنها تناسب ما أنزله ببني النضير من الرعب والخزي والبطشة .
القسم الثاني متعلق بما اجتناه المؤمنون من ثمرة النصر في قصة بني النضير ، وتلك صفات : السلام المؤمن لقوله فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ، أي لم يتجشم المسلمون للغنى مشقة ولا أذى ولا قتالا .
وكذلك صفتا ( الرحمان الرحيم ) لمناسبتهما لإعطاء حظ في الفيء للضعفاء .
القسم الثالث متعلق بما يشترك فيه الفريقان المذكوران في هذه السورة فيأخذ كل فريق حظه منها ، وهي صفات : القدوس ، المهيمن ، الخالق ، الباريء ، المصور .
يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم جملة ( يسبح له ) إلخ في موضع الحال من ضمير ( له الأسماء الحسنى ) يعني أن اتصافه بالصفات الحسنى يضطر ما في السماوات والأرض من العقلاء على تعظيمه بالتسبيح والتنزيه عن النقائص فكل صنف يبعثه علمه ببعض أسماء الله على أن ينزهه ويسبحه بقصد أو بغير قصد . فالدهري أو الطبائعي إذا نوه بنظام الكائنات وأعجب بانتساقها فإنما يسبح في الواقع للفاعل المختار وإن كان هو يدعوه دهرا أو طبيعة ، وهذا إذا حمل التسبيح على معناه الحقيقي وهو التنزيه بالقول ، فأما إن حمل على ما يشمل المعنيين الحقيقي والمجازي من دلالة على التنويه ولو بلسان الحال . فالمعنى : أن ما ثبت له من صفات الخلق والإمداد والقهر تدل عليه شواهد المخلوقات وانتظام وجودها .
وجملة ( وهو العزيز الحكيم ) عطف على جملة الحال وأوثر هاتان الصفتان لشدة مناسبتهما لنظام الخلق .
وفي هذه الآية رد العجز على الصدر لأن صدر السورة مماثل لآخرها .
روى الترمذي بسند حسن عن معقل بن يسار عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال : من قال حين يصبح ثلاث مرات : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، ثم قرأ الثلاث آيات من آخر سورة الحشر هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب إلى آخر السورة ، وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي ، وإن مات ذلك اليوم مات شهيدا . ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة . فهذه فضيلة لهذه الآيات أخروية .
ملاحظة:
(هذا الحديث رواه الترمذي في كتاب فضائل القرآن ، باب فيمن قرأ حرفا من القرآن ماله من الأجر رقم (2922) .
والإمام أحمد في مسنده رقم (19795)
وفي سنده خالد بن طهمان قال عنه ابن حجر: صدوق رمي بالتشيع ثم اختلط .
تقريب التهذيب (1644)
وضعفه الألباني رحمه الله ، انظر ضعيف أبو داود (2922)
وهناك الكثير من أذكار الصباح والمساء الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم انظر بعضها في سؤال رقم ( 12173 )
والله أعلم .) على هذا يكون الحديث ضعيف
منتدى
وروى الخطيب البغدادي في تاريخه بسنده إلى إدريس بن عبد الكريم الحداد قال : قرأت على خلف راوي حمزة فلما بلغت هذه الآية لو أنزلنا هذا القرآن على جبل إلى آخر السورة قال : ضع يدك على رأسك فإني قرأت على الأعمش . فلما بلغت هذه الآية قال : ضع يدك على رأسك فإني قرأت على يحيى بن وثاب ، فلما بلغت هذه الآية قال : ضع يدك على رأسك ، فإني قرأت على علقمة والأسود فلما بلغت هذه الآية قال : ضع يدك على رأسك فإنا قرأنا على عبد الله فلما بلغنا هذه الآية قال : ضعا أيديكما على رؤوسكما ، فإني قرأت على النبيء - صلى الله عليه وسلم - فلما بلغت هذه الآية قال لي : ضع يدك على رأسك فإن جبريل لما نزل بها إلي قال : ضع يدك على رأسك فإنها شفاء من كل داء إلا السام . والسام الموت . قلت : هذا حديث أغر مسلسل إلى جبريل عليه السلام .
وأخرج الديلمي عن علي وابن مسعود عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في قوله تعالى لو أنزلنا هذا القرآن إلى آخر السورة : هي رقية الصداع ، فهذه مزية لهذه الآيات . (التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور)
ملاحظة:
1 - إني قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم فلما بلغت هذه الآية قال لي ضع يدك على رأسك فإن جبريل لما نزل بها قال لي ضع يدك على رأسك فإنها شفاء من كل داء إلا السام
الراوي: عبد الله بن مسعود المحدث: الذهبي - المصدر: فتح القدير - الصفحة أو الرقم: 5/297
خلاصة حكم المحدث: باطل
2 - ضع يدك على رأسك ؛ فإن جبريل لما نزل بها إلي قال : ضع يدك على رأسك ؛ فإنها شفاء من كل داء إلا السام ، والسام : الموت . يعني : آية : { لو أنزلنا هذا القرآن . . . }
الراوي: عبدالله بن مسعود المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الضعيفة - الصفحة أو الرقم: 5596
خلاصة حكم المحدث: ضعيف
الدرر السنية الحديثية
الصفحة الأخيرة