الحمدلله انتهيت
من تم تلاوة
الجزء الـــ 19
الغلا غلاها :
الحمدلله انتهيت من تم تلاوة الجزء الـــ 19الحمدلله انتهيت من تم تلاوة الجزء الـــ 19
وقفات مع الجزء التاسع عشر
للدكتور// عمر المقبل
{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}
هذه اللحظة، هي من أخشى ما يخشاه الصالحون،
أن يكون دخل أعمالهم شيء من الرياء!
فاللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئاً ونحن نعلم، ونستغفرك لما لا نعلم.
هذه عاقبة أصدقاء السوء، وأعظم جرائمهم صدهم عن الوحي والانتفاع به،
ولا تسل بعد ذلك عن مساحة الشر التي يتركها البعد عن الوحي،
تأمل كيف شبه القرآن الألم الذي يعيشه هذا الضال:
{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ}
مع أن العادة أن الفم لا يتسع لليدين كلتيهما، لكنه التشبيه لبيان عظم الندم، وأمور الآخرة لا تقاس بالدنيا
{يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} .
دخل في هذا التوجع النبوي:
{وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}
كل من هجر القرآن بأي نوع من الهجر:
سواء بتلاوته، أم بتدبره، أم بالعمل به، أم بتحكيمه والتحاكم إليه،
والناس في هذا الباب بينهم من الفروق كما بين السماء والأرض.
من حكم تنزل القرآن مفرّقاً:
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا}
فانظر إلى أثر قراءتك للقرآن في تحقيق هاتين الغايتين.
لا يمكن أن يأتي أحدٌ بشبهة إلا وفي القرآن جوابها:
{وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا }
ولكن الناس يتفاوتون في انتزاع الإجابات على هذه الشبه من القرآن الكريم،
ومن عجائب ما يذكر في هذا الباب أن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول:
ما من مبتدع يستدل لبدعته بالقرآن أو السنة إلا وفي ذات الدليل الذي استدل به ما ينقض بدعته! ولكن من يقدر على هذا إلا الراسخون في العلم، بلّغني الله وإياك هذه المنزلة.
{وإذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا}
كم تتكرر هذه المعاني لكن بعبارات متفاوتة فيما يطعن به المنافقون، الملاحدة على أهل الدين! وأن الدين والمتدينين هم سبب التخلف والرقي!
ولا أدري ماذا صنع بنا إلحادهم ونفاقهم هل تقدمنا به دنيوياً؟ ولكن سيتبين الأمر هناك:
{ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا } .
إذا عطّل الكافر سمعه وعقله عن فهم الوحي وإدراكه، فإنه أحط منزلة من الحيوان، ولو حمل أعلى الشهادات:
{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا } .
املأ قلبك من عظمة الله وأنت تتأمل في هذه الآيات الباهرة التي تدل على قدرته العظيمة:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (47) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا}
من يقدر على ذلك إلا الله تعالى؟
سبحان من هذه قدرته!
{وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا }
ولقد تواتر من أخبار الناس أن هذا الحاجز بين الماء العذب والماء المالح يمكن إدراكه من مسافة قريبة،
وقد نقل الشنقيطي عند تفسير هذه الآية خبر من وقع له ذلك في نهر السنغال،
وكذا سمعتُ الشيخ الزنداني يذكر ذلك، بل ورأيت الصور التي التقطت للتفريق بين المائين،
حتى إن الأسماك التي في العذب إذا وصلت إلى هذا الحاجز رجعت أدراجها لأنها لا تستطيع أن تعيش في المالح، والعكس كذلك في أسماك الماء المالح، فسبحان من هذه قدرته وخلقه.
الناس الذين لك بهم علاقة اجتماعية لا يخرجون عن هذين القسمين:
{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا}
والنسب يدخل فيه كل من جمعك به بطن من قريب أو بعيد، والصهر هو الذي ارتبطت به من جهة المصاهرة الزوجية،
وبه نعلم أن قول العامة عندنا عن الصهر: هذا نسيبي خطأ من جهة اللغة، والصواب أن يقال: صهري.
هذه من أسباب قوة توكل العبد على ربه:
{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ }
وكل ما سواه فيموت، جل جلاله وتقدست أسماؤه.
من أعظم علامات الخذلان أن ترى الإنسان يدعى للحق فيصر مستكبراً:
{ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا} .
هاتنا حكمتان من تقليب الليل والنهار، فانظر إلى أثرهما فيك:
{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} .
ذكر الله في خاتمة هذه السورة صفات عباد الرحمن،
ليس لمجرد معرفتها بل للتأسي بها،
فمن أراد أن يكون من خُلّص العباد، فليتدبرها، وليطبق ما استطاع منها، وقد كتب فيها بحوث مستقلة، وهي تستحق أن تفرد بمجلس مستقل، ولكن سأشير بعض الإشارات.
تلحظ أن الله تعالى جمع في هذه الصفات بين أعلى المطالب – وهو التوحيد – وبين السمت الحسن – كما في أول آية –
ليعلم المؤمن أن الدين – الذي هو صبغة الله – لا بد أن تظهر آثاره على حياة العبد كلها، لا فرق بين أعلى شعبة أو أدنى شعبة من شعب الإيمان.
من الأسئلة التي يثيرها تدبر هذه الآيات: كيف بدأت صفات عباد الرحمن بمسألة المشي، والإعراض عن الجاهلين؟
{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}
ولماذا بدأ بالمشي قبل الإعراض؟ فيقال – والعلم عند الله - :
إن في هذا إشارة إلى أن المتصفين بهذه الصفات تُرى آثار الإيمان والعبودية عليهم من بعيد، فيعرفهم الإنسان بمجرد أن يراهم، ولا يحتاج إلى تكلف في تمييزهم،
أما لماذا بدأ بالمشي قبل الإعراض،
فلعل السبب – والله أعلم – أن المشي يُرى من بعيد بحاسة البصر، وهي أبعد من مسافة السمع المتعلق بسماع كلمات الجاهلين، فبدأ بالأبعد ثم الأقرب.
ما أجمل هذا التعبير:
{وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا}
فشبّه لزوم عذابها بلزوم الغريم لغريمه حتى يقضي دينه، فاللهم أجرنا من النار.
وهم في باب النفقة متوسطون:
{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}
لا يحملهم الغنى على الإسراف، ولا تحملهم قلة ذات اليد على التقتير.
أي كرم هذا الذي يقلب الإساءة إحساناً؟
{إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ }
ولله المثل الأعلى، فإن أعظم الناس هو من يعفو ويصفح عن الخطأ في حقه،
أما أن يقلبه إلى إحسان فهذا ما لا يليق إلا بالكرم الإلهي.
{وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا }
هذه هي صفتهم حين يمرون بمجالس اللغو واللغط، وهي تتفق مع الآية المذكورة في أول صفاتهم:
{وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}
من جهة إعراضهم عن الجهل والجاهلين سواءٌ ابتلوا به سماعاً، أو مروّا به عرضاً،
والخلاصة: أنه ليس ثمة موضع للغو والجهل في حياة عباد الرحمن.
{وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا}
ليست البيوتة هي النوم، بل هي الدخول في الليل، سواء نام الإنسان أم لا،
فقد أثنى الله على هؤلاء الأخيار بأن وقتهم في الليل يمضي بهذه المثابة،
فيا ترى بأي شيء تمضي ليالينا في رمضان فضلاً عن غيره؟!
{ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}
هذا من علوّ الهمة في الدعاء،
فهم لم يرضوا أن يكونوا من المتقين فحسب، بل من أئمة المتقين.
هذه إجابات فرعون وأمثاله من الطغاة:
{قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ}
لا يقابلون الحجة بمثلها، بل يتهمون العقل، ويهددون بالسجن.
{إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِين}
ما أجمل أن تكون من الأوائل في الخير،
ففرق بين المبادر وبين المتابع،
ثم تأمل هذه الآيات:
{قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِين} ،
{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ
وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} ،
وفي قصة صعق موسى:
{ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} .
{إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ}
هذا منطق الطغاة: احتقار واستصغار لأهل الحق، وإن كانوا في قرارة نفوسهم يخافون منهم ويحذرونهم.
استشكل بعض الفضلاء هذه الآية:
{كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيل}
كيف يمتن الله على بني إسرائيل بهذا، وهم كلهم قد خرجوا مع موسى؟
والجواب أن يقال:
إن بني إسرائيل قسمان: قسمٌ خرجوا مع موسى، وهم هم الذين آمنوا به أوّل الأمر، وقسم آخر وهم الذين بقوا ولم يؤمنوا إلا بعد هلاك فرعون، فيزول بذلك الإشكال إن شاء الله.
يقينٌ عظيم بالنصر وفي أحلك الظروف، وأصعب اللحظات:
{فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ }
فالدعاة والمصلحون محتاجون بل مضطرون ألا يغيب عنهم هذا الفأل لحظة من الزمن في مسيرتهم الدعوية وإلا توقفوا.
الخطاب العقلي مما يحتاجه الداعية في مقارعة الخصوم، كما فعل الخليل عليه السلام:
{قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} .
{وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}
نموذج لأدب الخطاب فيما ينسب إلى الله، فالمرض كالإطعام والخلق، هو من خصائص الله،
ولكن الخليل قصد الأدب العالي مع الله فيما ينسب إليه.
حسن الذكر في الأمة من مطالب الصالحين:
{وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ }
وثمة فرق بين هذا وبين الرياء والسمعة، فمن قصد بأعماله الرياء والسمعة فذاك الخسرن المبين،
ومن قصد أن ينفع الله به، وأن يكون من أئمة المتقين، فهذا مطلب الخليل عليه السلام.
هذا جواز المرور إلى الجنة:
{ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } .
إذا لم يكن الصديق صالحاً، فما قيمته؟
تأمل ماذا يقول أهل النار؟
{فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ } .
{قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ }
هذا من علامات ضعف حجتهم، وإلا فما علاقة أن يكون المستجيبون من علية القوم أو أدناهم؟ ناقشوا المقولة، ودعوا القائل! لكنها حُجُب الكبر والحسد،
ولهذا كان جواب نوحٍ عليه السلام غاية في السداد:
{قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ } .
إذا قسا القلبُ فلا غرابة أن يقول ما قاله قوم عاد:
{ قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِين} .
هذه الحقيقة الكبرى في موضوع التدبر، أن القرآن على القلب ليصلح به القلب:
{وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ}
فتفقد أثر القرآن على قلبك، فإن لم تجد، ففي قراءتك خلل،
فأعد النظر.
ما قيمة العروبة إذا لم يسخرها الإنسان في تدبر القرآن، وقد نزل القرآن
{بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين} ؟
منهج في الدعوة:
{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين}
ر فما بال بعض الدعاة كالنخلة العوجاء ؟!
{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ}
ألا يكفي هذا المعنى حافزاً لنقوم ولو جزءً قليلاً من الليل؟
ألا يكفي أن الله تعالى يرانا؟
سورة النمل مليئة بالحديث عن فضل الله تعالى على طائفةٍ من أنبيائه: موسى، داود، سليمان، صالح، لوط، محمد عليهم الصلاة والسلام، وافتتاحيتها تشير إلى ذلك:
{طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِي} .
هكذا شأن المؤمن مع نعم الله تعالى عليه، اعتراف وشكر وثناء على واهب النعم، وهذا شيء ملحوظ في هذه السورة عن سليمان بالذات، تأمل هذه الآيات المعبرة:
{وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} ، {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِين} ،
{وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ}
حمدٌ لله، واعتراف بالنعمة، وتواضع، فهما لم يقولا: وفضلنا على عباده، بل قالا: على كثير من عباده، وتأمل في قوله:
{أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ}
فهو يذكر نعمة الله عليه وعلى والديه، مع أنه أمّه لم يرد لها ذكر ألبتة،
وانظر في علوّ همته: فهو يسعى لأعلى درجات العمل الصالح،
وهو العمل الذي يرضى به الله عن العبد،
{فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيم} .
لولا سلطان العلم لما تجرأ الهدهد أن يقول:
{فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ }
ذكر ذلك ابن حزم –رحمه الله-.
في مقولة الهدهد:
{إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}
دروس وعبر منها:
ـ أنه لم ينبهر بزخرف الدنيا الذي أوتيته بلقيس!
ـ أن قضية التوحيد كانت أهم شيء عنده، فإذا كانت هذه هموم التلميذ (الهدهد) فكيف بالأستاذ؟ (سليمان).
هذه الآية
{إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ }
أصلٌ في البداءة بالبسملة في الكتب والخطابات،
والبدء باسم المرسل قبل المرسل إليه، هذا الأولى،
ولو بدئ باسم المرسل إليه فالأمر واسع.
ظهر من حزم بلقيس في هذه القصة أمور، منها:
ـ أنها استشارت كبراء دولتها، ولم تستبد بالأمر دونهم.
ـ أنها أرسلت هدية لتنظر، إن قبلها عرفت أنه ملك يريد الدنيا، وواضح أن هذه الهدية ثمينة تليق بملك سليمان وبمكانة مملكة سبأ، وإن رفضها سليمان عرفت أنه ملك يريد الآخرة، ولهذا قال سليمان عليه السلام:
{فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } .
تأمل في هذه القدرة الإلهية العجيبة:
{قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ}
فكلمة: {مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ} تشعر بأن الرائي له يراه وكأنه قد وضع في مكانه من مدة طويلةً، مع أنه أحضر بهذه السرعة العظيمة!
فتبارك الله القوي القدير.
{فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا }
فيه إشارة إلى أن لباسها – مع كونها كافرة – كان يغطي ساقيها،
فما بال بعض بنات الإسلام يكشفن عن سوقهن أمام الذئاب التي إن لم تنهش بأيديها نهشت بأبصارها!
الاستغفار من أهم أسباب استجلاب رحمة الله:
{لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} .
من الناس من يبلغ به الشر أن لا تبقى معه ذرة خير ولا إصلاح:
{وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} .
الإيمان والتقوى من أعظم أسباب النجاة من العقوبات:
{وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} .
والله أعلم وأحكم
--
للدكتور// عمر المقبل
{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}
هذه اللحظة، هي من أخشى ما يخشاه الصالحون،
أن يكون دخل أعمالهم شيء من الرياء!
فاللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئاً ونحن نعلم، ونستغفرك لما لا نعلم.
هذه عاقبة أصدقاء السوء، وأعظم جرائمهم صدهم عن الوحي والانتفاع به،
ولا تسل بعد ذلك عن مساحة الشر التي يتركها البعد عن الوحي،
تأمل كيف شبه القرآن الألم الذي يعيشه هذا الضال:
{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ}
مع أن العادة أن الفم لا يتسع لليدين كلتيهما، لكنه التشبيه لبيان عظم الندم، وأمور الآخرة لا تقاس بالدنيا
{يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} .
دخل في هذا التوجع النبوي:
{وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}
كل من هجر القرآن بأي نوع من الهجر:
سواء بتلاوته، أم بتدبره، أم بالعمل به، أم بتحكيمه والتحاكم إليه،
والناس في هذا الباب بينهم من الفروق كما بين السماء والأرض.
من حكم تنزل القرآن مفرّقاً:
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا}
فانظر إلى أثر قراءتك للقرآن في تحقيق هاتين الغايتين.
لا يمكن أن يأتي أحدٌ بشبهة إلا وفي القرآن جوابها:
{وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا }
ولكن الناس يتفاوتون في انتزاع الإجابات على هذه الشبه من القرآن الكريم،
ومن عجائب ما يذكر في هذا الباب أن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول:
ما من مبتدع يستدل لبدعته بالقرآن أو السنة إلا وفي ذات الدليل الذي استدل به ما ينقض بدعته! ولكن من يقدر على هذا إلا الراسخون في العلم، بلّغني الله وإياك هذه المنزلة.
{وإذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا}
كم تتكرر هذه المعاني لكن بعبارات متفاوتة فيما يطعن به المنافقون، الملاحدة على أهل الدين! وأن الدين والمتدينين هم سبب التخلف والرقي!
ولا أدري ماذا صنع بنا إلحادهم ونفاقهم هل تقدمنا به دنيوياً؟ ولكن سيتبين الأمر هناك:
{ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا } .
إذا عطّل الكافر سمعه وعقله عن فهم الوحي وإدراكه، فإنه أحط منزلة من الحيوان، ولو حمل أعلى الشهادات:
{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا } .
املأ قلبك من عظمة الله وأنت تتأمل في هذه الآيات الباهرة التي تدل على قدرته العظيمة:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (47) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا}
من يقدر على ذلك إلا الله تعالى؟
سبحان من هذه قدرته!
{وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا }
ولقد تواتر من أخبار الناس أن هذا الحاجز بين الماء العذب والماء المالح يمكن إدراكه من مسافة قريبة،
وقد نقل الشنقيطي عند تفسير هذه الآية خبر من وقع له ذلك في نهر السنغال،
وكذا سمعتُ الشيخ الزنداني يذكر ذلك، بل ورأيت الصور التي التقطت للتفريق بين المائين،
حتى إن الأسماك التي في العذب إذا وصلت إلى هذا الحاجز رجعت أدراجها لأنها لا تستطيع أن تعيش في المالح، والعكس كذلك في أسماك الماء المالح، فسبحان من هذه قدرته وخلقه.
الناس الذين لك بهم علاقة اجتماعية لا يخرجون عن هذين القسمين:
{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا}
والنسب يدخل فيه كل من جمعك به بطن من قريب أو بعيد، والصهر هو الذي ارتبطت به من جهة المصاهرة الزوجية،
وبه نعلم أن قول العامة عندنا عن الصهر: هذا نسيبي خطأ من جهة اللغة، والصواب أن يقال: صهري.
هذه من أسباب قوة توكل العبد على ربه:
{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ }
وكل ما سواه فيموت، جل جلاله وتقدست أسماؤه.
من أعظم علامات الخذلان أن ترى الإنسان يدعى للحق فيصر مستكبراً:
{ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا} .
هاتنا حكمتان من تقليب الليل والنهار، فانظر إلى أثرهما فيك:
{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} .
ذكر الله في خاتمة هذه السورة صفات عباد الرحمن،
ليس لمجرد معرفتها بل للتأسي بها،
فمن أراد أن يكون من خُلّص العباد، فليتدبرها، وليطبق ما استطاع منها، وقد كتب فيها بحوث مستقلة، وهي تستحق أن تفرد بمجلس مستقل، ولكن سأشير بعض الإشارات.
تلحظ أن الله تعالى جمع في هذه الصفات بين أعلى المطالب – وهو التوحيد – وبين السمت الحسن – كما في أول آية –
ليعلم المؤمن أن الدين – الذي هو صبغة الله – لا بد أن تظهر آثاره على حياة العبد كلها، لا فرق بين أعلى شعبة أو أدنى شعبة من شعب الإيمان.
من الأسئلة التي يثيرها تدبر هذه الآيات: كيف بدأت صفات عباد الرحمن بمسألة المشي، والإعراض عن الجاهلين؟
{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}
ولماذا بدأ بالمشي قبل الإعراض؟ فيقال – والعلم عند الله - :
إن في هذا إشارة إلى أن المتصفين بهذه الصفات تُرى آثار الإيمان والعبودية عليهم من بعيد، فيعرفهم الإنسان بمجرد أن يراهم، ولا يحتاج إلى تكلف في تمييزهم،
أما لماذا بدأ بالمشي قبل الإعراض،
فلعل السبب – والله أعلم – أن المشي يُرى من بعيد بحاسة البصر، وهي أبعد من مسافة السمع المتعلق بسماع كلمات الجاهلين، فبدأ بالأبعد ثم الأقرب.
ما أجمل هذا التعبير:
{وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا}
فشبّه لزوم عذابها بلزوم الغريم لغريمه حتى يقضي دينه، فاللهم أجرنا من النار.
وهم في باب النفقة متوسطون:
{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}
لا يحملهم الغنى على الإسراف، ولا تحملهم قلة ذات اليد على التقتير.
أي كرم هذا الذي يقلب الإساءة إحساناً؟
{إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ }
ولله المثل الأعلى، فإن أعظم الناس هو من يعفو ويصفح عن الخطأ في حقه،
أما أن يقلبه إلى إحسان فهذا ما لا يليق إلا بالكرم الإلهي.
{وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا }
هذه هي صفتهم حين يمرون بمجالس اللغو واللغط، وهي تتفق مع الآية المذكورة في أول صفاتهم:
{وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}
من جهة إعراضهم عن الجهل والجاهلين سواءٌ ابتلوا به سماعاً، أو مروّا به عرضاً،
والخلاصة: أنه ليس ثمة موضع للغو والجهل في حياة عباد الرحمن.
{وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا}
ليست البيوتة هي النوم، بل هي الدخول في الليل، سواء نام الإنسان أم لا،
فقد أثنى الله على هؤلاء الأخيار بأن وقتهم في الليل يمضي بهذه المثابة،
فيا ترى بأي شيء تمضي ليالينا في رمضان فضلاً عن غيره؟!
{ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}
هذا من علوّ الهمة في الدعاء،
فهم لم يرضوا أن يكونوا من المتقين فحسب، بل من أئمة المتقين.
هذه إجابات فرعون وأمثاله من الطغاة:
{قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ}
لا يقابلون الحجة بمثلها، بل يتهمون العقل، ويهددون بالسجن.
{إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِين}
ما أجمل أن تكون من الأوائل في الخير،
ففرق بين المبادر وبين المتابع،
ثم تأمل هذه الآيات:
{قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِين} ،
{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ
وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} ،
وفي قصة صعق موسى:
{ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} .
{إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ}
هذا منطق الطغاة: احتقار واستصغار لأهل الحق، وإن كانوا في قرارة نفوسهم يخافون منهم ويحذرونهم.
استشكل بعض الفضلاء هذه الآية:
{كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيل}
كيف يمتن الله على بني إسرائيل بهذا، وهم كلهم قد خرجوا مع موسى؟
والجواب أن يقال:
إن بني إسرائيل قسمان: قسمٌ خرجوا مع موسى، وهم هم الذين آمنوا به أوّل الأمر، وقسم آخر وهم الذين بقوا ولم يؤمنوا إلا بعد هلاك فرعون، فيزول بذلك الإشكال إن شاء الله.
يقينٌ عظيم بالنصر وفي أحلك الظروف، وأصعب اللحظات:
{فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ }
فالدعاة والمصلحون محتاجون بل مضطرون ألا يغيب عنهم هذا الفأل لحظة من الزمن في مسيرتهم الدعوية وإلا توقفوا.
الخطاب العقلي مما يحتاجه الداعية في مقارعة الخصوم، كما فعل الخليل عليه السلام:
{قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} .
{وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}
نموذج لأدب الخطاب فيما ينسب إلى الله، فالمرض كالإطعام والخلق، هو من خصائص الله،
ولكن الخليل قصد الأدب العالي مع الله فيما ينسب إليه.
حسن الذكر في الأمة من مطالب الصالحين:
{وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ }
وثمة فرق بين هذا وبين الرياء والسمعة، فمن قصد بأعماله الرياء والسمعة فذاك الخسرن المبين،
ومن قصد أن ينفع الله به، وأن يكون من أئمة المتقين، فهذا مطلب الخليل عليه السلام.
هذا جواز المرور إلى الجنة:
{ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } .
إذا لم يكن الصديق صالحاً، فما قيمته؟
تأمل ماذا يقول أهل النار؟
{فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ } .
{قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ }
هذا من علامات ضعف حجتهم، وإلا فما علاقة أن يكون المستجيبون من علية القوم أو أدناهم؟ ناقشوا المقولة، ودعوا القائل! لكنها حُجُب الكبر والحسد،
ولهذا كان جواب نوحٍ عليه السلام غاية في السداد:
{قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ } .
إذا قسا القلبُ فلا غرابة أن يقول ما قاله قوم عاد:
{ قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِين} .
هذه الحقيقة الكبرى في موضوع التدبر، أن القرآن على القلب ليصلح به القلب:
{وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ}
فتفقد أثر القرآن على قلبك، فإن لم تجد، ففي قراءتك خلل،
فأعد النظر.
ما قيمة العروبة إذا لم يسخرها الإنسان في تدبر القرآن، وقد نزل القرآن
{بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين} ؟
منهج في الدعوة:
{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين}
ر فما بال بعض الدعاة كالنخلة العوجاء ؟!
{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ}
ألا يكفي هذا المعنى حافزاً لنقوم ولو جزءً قليلاً من الليل؟
ألا يكفي أن الله تعالى يرانا؟
سورة النمل مليئة بالحديث عن فضل الله تعالى على طائفةٍ من أنبيائه: موسى، داود، سليمان، صالح، لوط، محمد عليهم الصلاة والسلام، وافتتاحيتها تشير إلى ذلك:
{طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِي} .
هكذا شأن المؤمن مع نعم الله تعالى عليه، اعتراف وشكر وثناء على واهب النعم، وهذا شيء ملحوظ في هذه السورة عن سليمان بالذات، تأمل هذه الآيات المعبرة:
{وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} ، {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِين} ،
{وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ}
حمدٌ لله، واعتراف بالنعمة، وتواضع، فهما لم يقولا: وفضلنا على عباده، بل قالا: على كثير من عباده، وتأمل في قوله:
{أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ}
فهو يذكر نعمة الله عليه وعلى والديه، مع أنه أمّه لم يرد لها ذكر ألبتة،
وانظر في علوّ همته: فهو يسعى لأعلى درجات العمل الصالح،
وهو العمل الذي يرضى به الله عن العبد،
{فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيم} .
لولا سلطان العلم لما تجرأ الهدهد أن يقول:
{فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ }
ذكر ذلك ابن حزم –رحمه الله-.
في مقولة الهدهد:
{إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}
دروس وعبر منها:
ـ أنه لم ينبهر بزخرف الدنيا الذي أوتيته بلقيس!
ـ أن قضية التوحيد كانت أهم شيء عنده، فإذا كانت هذه هموم التلميذ (الهدهد) فكيف بالأستاذ؟ (سليمان).
هذه الآية
{إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ }
أصلٌ في البداءة بالبسملة في الكتب والخطابات،
والبدء باسم المرسل قبل المرسل إليه، هذا الأولى،
ولو بدئ باسم المرسل إليه فالأمر واسع.
ظهر من حزم بلقيس في هذه القصة أمور، منها:
ـ أنها استشارت كبراء دولتها، ولم تستبد بالأمر دونهم.
ـ أنها أرسلت هدية لتنظر، إن قبلها عرفت أنه ملك يريد الدنيا، وواضح أن هذه الهدية ثمينة تليق بملك سليمان وبمكانة مملكة سبأ، وإن رفضها سليمان عرفت أنه ملك يريد الآخرة، ولهذا قال سليمان عليه السلام:
{فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } .
تأمل في هذه القدرة الإلهية العجيبة:
{قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ}
فكلمة: {مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ} تشعر بأن الرائي له يراه وكأنه قد وضع في مكانه من مدة طويلةً، مع أنه أحضر بهذه السرعة العظيمة!
فتبارك الله القوي القدير.
{فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا }
فيه إشارة إلى أن لباسها – مع كونها كافرة – كان يغطي ساقيها،
فما بال بعض بنات الإسلام يكشفن عن سوقهن أمام الذئاب التي إن لم تنهش بأيديها نهشت بأبصارها!
الاستغفار من أهم أسباب استجلاب رحمة الله:
{لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} .
من الناس من يبلغ به الشر أن لا تبقى معه ذرة خير ولا إصلاح:
{وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} .
الإيمان والتقوى من أعظم أسباب النجاة من العقوبات:
{وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} .
والله أعلم وأحكم
--
الصفحة الأخيرة
الحمد الله قرات المؤمنون والنور والفرقان
من تدبر القرآن علم أن الصالحين لا يخافون من شيء
أعظم من خوفهم من أمرين :
1- الخوف من أعمالهم الصالحة أن لا تقبل :
{ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ }
2- الخوف من زيغ القلب بعد هدايته
{ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا }
صالح المغامسي ، محاضرة : كيف نتدبر القرآن ؟
--