! طـواري ! :
الله يشفيها ويعافيها وتقوم لاهلها بالسلامهالله يشفيها ويعافيها وتقوم لاهلها بالسلامه
أدعيلها بالرحمة متوفية يوم الجمعة
في كل مكان أنتشر الخبر
حتى الجرايد كتبوا عنها
:44::44::44:
في كل مكان أنتشر الخبر
حتى الجرايد كتبوا عنها
:44::44::44:
ar0o0o0j
•
ساعة بين آل حضيف
بقلم / حسن مفتي
لا أحب الخروج من منزلي يوم الجمعة إلا لأداء الصلاة فقط، إذ ارتبط يوم الجمعة في ذهني بارتفاع درجة حرارة الجو، وشدة سطوع أشعة الشمس حتى في فصل الشتاء القارس، نشأت غالبية عمري على هذا الارتباط التراكمي ، حتى انطبعت صورة ذهني وقناعتي الشخصية بأن درجة حرارة الجمعة لا تكاد تنخفض على الإطلاق !
أمر آخر يزعجني في يوم الجمعة ويزعج أكثر الناس في هذه البلاد ! إنه اليوم الذي يسبق يوم السبت رأس الأسبوع واليوم الأول لدوامة العمل والدراسة والجد والتحصيل، ولقصر ساعاته كما يراها الناس ! فإنك لا تتلذذ به كتلذذك بيوم الخميس أو الأربعاء .
لم يكف هاتفي المحمول عن استقبال رسائل بعض الزملاء الناقلة للأخبار أو المستفسرة عن شيءٍ ما، أو الداعية بالبركة والخير كغالبية رسائل يوم الجمعة، ولم ألقي بالاً لتلك الرسائل إلا عندما توالت وانهمرت بطريقةٍ تحتاج إلى إيقافٍ أو كتمٍ لصوت الهاتف أو استجلاء لحقيقةٍ، وما إن فتحت أولى الرسائل حتى رأيت نعي ابنة أخي وأستاذي الدكتور محمد الحضيف جبر الله كسره، وأخلفه في أهله خيراً، فدعوت لها بعد أن غشيني هم ثقيل !
وكنت قد قرأت قبل بضعة أسابيع خبراً عن إصابة هديلٍ الحضيف بغيبوبةٍ عميقةٍ نقلت على إثرها لمستشفى التأمينات الاجتماعية، قبل أن تضيق الأرض بما رحبت على أخي محمدٍ لانعدام سريرٍ لابنته في المستشفيات الحكومية لأغنى دولةٍ نفطيةٍ في العالم !
اتصلت عليه أكثر من مرةٍ ولم يرد على اتصالاتي إلا بعد أيامٍ من مرضها، ولم أعذله فقد جاءه ما يشغله ويؤلمه، ولما ظفرت بإجاباتٍ عن تطور حالتها وأنها تحت الأجهزة المساعدة مالت نفسي للتشاؤوم شبه القطعي بأن أمراً بالغ السوء سيقع ! إذ قرأت من خلال كلام أخي محمد المنشور في الساحات بأن قلبها توقف عن العمل قبل أن يعود للنبض ثانيةً، وهذا التوقف له ما له وعليه ما عليه من تضررٍ في الدماغ بفعل نقص الأوكسجين كما يقول الأطباء !
مع أنني غلّبت جانب الأمل في الله تعالى، وأن رحمة ربي وسعت كل شيءٍ في هذا الوجود، وأن الذي أوقف قلبها سبحانه قادر على أن يحيها من تلك الغيبوبة ثانيةً .
تلمست أخبار مرضها من خلال زميلٍ في المستشفى الذي حلت فيه مؤخراً، فأخبرني بأنها بين يدي رحمة الله، وأن الطب البشري يعجز الآن عن فعل أي شيءٍ لها، لقد توقف مخها عن إرسال إشارات العمل إلى أعضائها الحيوية، وأن جسدها على قيد الحياة بفضل الله تعالى ثم بتلك الأجهزة التي تضخ الهواء وتحفز القلب على النبض !
وجاء يوم الجمعة فورد الخبر الأليم عليّ كما ورد على غيري، ووافيت صلاة العصر في جامع الراجحي مع من وافى، دقائق معدودةٍ فصلتنا عن الصلاة قبل إقامتها، ثم صلينا مع الجمع هناك قبل أن يعلن في أرجاء المسجد عبر اللاقطة : الصلاة على أربعة نسوةٍ وطفل أو أكثر ! تشاطر الجميع الهم، وغشي المصلين الغم والكرب والتبرم من خلال همسات الاسترجاع والحوقلة !
صلينا على الأموات ثم خرجنا مع من خرج من المصلين، وفي الطريق إلى المثوى شبه الأخير تغرق في حالةٍ تأمليةٍ في وجوه الناس وسكناتهم، من الأمام والخلف وعن اليمين والشمال، فمنهم من قضى عمله، ومنهم من أنجز متطلباً معيشياً، ومنهم من توقف أمام مطعمٍ ليملأ معدته، وأخر ربما خرج في سخطة تغضب الله، وطائفة يممت وجهها شطر المشرق تجاه تلك الأسوار الضامة للأجساد المادية التي خبت منها الحياة، وضمرت فيها الحركة والحرارة والصوت والبريق ! لقد توقف كل شيءٍ !
قسّمت أرض الأسوار بين الراحلين، واقتطع المسافرون عن عالمنا المادي حصصهم منها، فقسم للأطفال، وقسم آخر ربما كان للأجساد المتوسطة، وقسم ثالث لمن أوغل في حياته نسبياً، والجميع أخذ مضجعه من الثرى .
هناك بضعة رموزٍ غريبةٍ سطرها المصدومون بأحبائهم على تلك الجدران، بعضها تحمل حرفاً ورقماً، كحرف الشين ورقم 7 مثلاً، ربما رمزت لموضع قبر حبيبٍ راحلٍ، على يد حيٍ قائمٍ ينتظر دوره، وكلمات من قبيل حافظ للقرآن وسهم يشير لموضع ذلك الحافظ ! وهكذا دواليك .
التم شملنا عند قبر هديلٍ، والتي ظهر لي من خلال سرعة انتقال آلتها الحدباء بين أيدي المشيعيين على شفير القبر، أنها خفيفة الوزن جداً، وأرجو أن يكون لخفة وزنها علاقة بخفة ذنوبها كما جاء في الأثر .
نادى أقاربها على شقيقها منذر الذي ساهم في إضجاعها داخل اللحد، ليبدأ الجمع في تصفيف اللبن ورتق فجواته بالطين والحصى، ولم ألحظ أخي الدكتور محمد مع أنني كنت أقف خلف ظهره تقريباً، ومع تدافع الناس والمحبين اضطررت لتغيير موقعي حتى لا أطأ قبراً مشرفاً، أو أقع داخل لحدٍ من اللحود الفاغرة فاها في انتظار أصحابها من الغافلين، مرضى كانوا أم أصحاء !
وكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكاً *** وقد نسجت أكفانه وهو لا يدرى
شاركت الأكثرية في عملية الحثو بيديها داخل شفير القبر قبل أن يهال التراب على ذلك الجسد بالمعاول وآلات الردم اليدوية، غيرت مكاني تلقاء وجه أخي الدكتور محمد الذي كان صامتاً في ألمٍ ممضٍ وهو يرمق معالم قبر فلذة كبده ومشروع حياته كما وصفها، بانت مقالعم القبر أخيراً وارتفع كثيبه نسبياً، غير أن معاول القوم كانت غارقة في بطأها، امتدت يد بكأس ماءٍ صحيٍ للدكتور الذي فتح ما تمزق من صفحة الكأس الورقية في رتابةٍ دون أن يشيع بطرفه لحظةً واحدةً عن ذلك القبر، ارتشف منه ما شاء الله له أن يرتشف قبل أن أخفض بصري متأملاً بين قدمي عالماً غريباً يكاد يفتح أو فتح بسرٍ إلهي تعجز عقول البشر عن الإلمام به والإحاطة بكنهه !
يسمونه البرزخ، وهو مرحلة انتقالية بين عالمين، وإن شئت بين ثلاثة عوالم ! عالم الشهادة دنيا الدناءة والغدر والخير والتناقضات، وعالم الغيب …. الحساب، وعالم البرزخ، أو النسبة الضئيلة من النعيم أو العذاب الذي يتلقاه المخلوق وفق سياسة العدل الربانية، إن خيراً فخيرا، وإن شراً فإنا لله وإنا إليه راجعون .
ثبت تراب القبر بحصياتٍ صغيرةٍ، نضح البعض ماءً فوقها، لكم أورقت أنامل ذلك الجسد بكلماتٍ تحار فيها العقول والقلوب، ارتفع صوت أحدهم اسألوا لها التثبيت فإنها الآن تسأل، لقد فتح الباب أو الكوة، وأجلست في قبرها الآن، هل سمعت قرع نعالنا ؟! أم إذا غادرنا المكان ؟ مادت الأرض بالدكتور وساخت به القدم فثبته أخوين واحتملاه أو هكذا خيل لي، لم يشأ أخي محمد أن يغادر المكان، لقد خلّف روحه أم …؟؟! والله ما أدري ما خلّف هناك ؟؟! لكنني أجزم أن الذي خلفه لا يقدر عنده بثمن، وود ورب البيت أن يفتديه بنفسه وروحه ودنياه برمتها .
امتقع وجهه لا أقول جزعاً بل حزناً على حزنٍ،حزن لا يوصف حزن يجبرك على لا أقول على أن تحزن، بل على مفارقة الضحك أو الأمل، ما أصغر دنيانا وأحقرها، ألم أقل كانت الجمعة شديدة الحرارة !
تداعى الناس للعزاء، وأخرجت من مكاني بفعل تدافع المحبين أكثر من مرةٍ قبل أن أعود إليه، قبلت رأسه وقد احمرت الأحداق واحتقنت العيون المتوراية خلف بعض النظارات السوداء، لله ما أخذ، ولله ما أعطى، وكل شيءٍ عنده بأجل مسمى !
عزاء المسلم أنه أمر الله، ولا رّاد لأمره جل وعلا .
خرجت من المقبرة أو من العالم الآخر الذي لا يشبه عالمنا إلا بترابه وأجداثه المرتفعة عن الأرض قيد شبرٍ، عانقت الحياة ونسيت أو كدت أن أنسى الموت الذي خلفته ورائي هناك خلف تلك الأسوار، وداخل تلك الحفر الشاغرة الفاغرة فاها في انتظاري أو انتظارك أو انتظاركم ! أو التي دبت داخلها حياة من نوعٍ آخر، حياة لا تشبه حياتنا إلا اسمياً فقط !
استجبت غريزياً لنداء الطبيعة، كنت جائعاً ومرهقاً بفعل أشعة الشمس واختناق العواطف، تناولت شطيرةً لا أذكر طعمها، لكنني أعتقد وأجزم أنها عجنت من دقيق الموت أو من تراب المقبرة ! أردت إسكات معدتي فقط ليحيا عقلي وينعتق عن هذا العالم إلى خياله الأثير، لم يشل الحزن أو الخوف من الموت غريزتي، يقال والله أعلم إن غريزة البقاء أقوى من الموت ! ويحكى أيضاً أن الموت يتسلل إلى الإنسان من خلال فجواتٍ في هذه الحياة، ليختطف روح الإنسان على حين غرةٍ بأمرٍ من الله، ويروى والله أعلم أن الحياة ولدت من الموت أصلاً !
والأمر عندي سيان، فأنا ميت في جسد حيٍ كما أعتقد !
طوى الله تعالى أسبوع الحزن هذا أو كاد، وأنا أجزم الآن أن تلك الحفر التي أحاطت بقبر هديلٍ قد سكنت، وأن معالم الأرض حولها قد تغيرت، وأن فجوة القبض قد اتسعت، والسعيد من وعظ بغيره، هي رحلة فاتتنا الآن، لكنها لن تتعدانا أكثر، هذه الأرض ليست لنا يا معاشر الإخوة .
( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، والعاقبة للمتقين )
الصفحة الأخيرة
فهي في امس الحاجة للدعــــــــــــــــاء