دورة حفظ سورة البقرة(34)

حلقات تحفيظ القرآن

بسم الله الرحمن الرحيم
الورد 34: تصحيح عدد من القواعد التي يقوم عليها الايمان الصحيح
الآيات من 177- 179وتقع في الجزء الثاني من القرآن الكريم



{ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ }*{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } * { وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } *
التقييم حتى مساء الثلاثاء


قواعد التصور الإيماني وصفات المتقين

وأخيرا وفي آية واحدة يضع قواعد التصور الإيماني الصحيح وقواعد السلوك الإيماني الصحيح ويحدد صفة الصادقين المتقين ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ; ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ; وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ; والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك
الذين صدقوا وأولئك هم المتقون
والراجح أن هناك صلة بين هذا البيان وبين تحويل القبلة وما ثار حوله من جدل طويل ولقد سبق الكلام عن حكمة تحويل القبلة فالآن يصل السياق إلى تقرير الحقيقة الكبرى حول هذه القضية وحول سائر القضايا الجدلية التي يثيرها اليهود حول شكليات الشعائر والعبادات وكثيرا ما كانوا يثيرون الجدل حول هذه الأمور إنه ليس القصد من تحويل القبلة ولا من شعائر العبادة على الإطلاق أن يولي الناس وجوهم قبل المشرق والمغرب نحو بيت المقدس أو نحو المسجد الحرام وليست غاية البر وهو الخير جملة هي تلك الشعائر الظاهرة فهي في ذاتها مجردة عما يصاحبها في القلب من المشاعر وفي الحياة من السلوك لا تحقق البر ولا تنشىء الخير إنما البر تصور وشعور وأعمال وسلوك تصور ينشىء ء أثره في ضمير الفرد والجماعة ; وعمل ينشىء أثره في حياة الفرد والجماعة ولا يغني عن هذه الحقيقة العميقة تولية الوجوه قبل المشرق والمغرب سواء في التوجه إلى القبلة هذه أم تلك ; أو في التسليم من الصلاة يمينا وشمالا أو في سائر الحركات الظاهرة التي يزاولها الناس في الشعائر ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين الآية ذلك هو البر الذي هو جماع الخير فماذا في تلك الصفات من قيم تجعل لها هذا الوزن في ميزان الله ما قيمة الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين إن الإيمان بالله هو نقطة التحول في حياة البشرية من العبودية لشتى القوى وشتى الأشياء وشتى الاعتبارات إلى عبودية واحدة لله تتحرر بها النفس من كل عبودية وترتفع بها إلى مقام المساواة مع سائر النفوس في الصف الواحد أمام المعبود الواحد ; ثم ترتفع بها فوق كل شيء وكل اعتبار وهي نقطة التحول كذلك من الفوضى إلى النظام ومن التيه إلى القصد ومن التفكك إلى وحدة الاتجاه فهذه البشرية دون إيمان بالله الواحد لا تعرف لها قصدا مستقيما ولا غاية مطردة ولا تعرف لها نقطة ارتكاز تتجمع حولها في جد وفي مساواة كما يتجمع الوجود كله واضح النسب والارتباطات والأهداف والعلاقات والإيمان باليوم الآخر هو الإيمان بالعدالة الإلهية المطلقة في الجزاء ; وبأن حياة الإنسان على هذه الأرض ليست سدى ولا فوضى بغير ميزان وبأن الخير لا يعدم جزاءه ولو بدا أنه في هذه الأرض لا يلقى الجزاء والإيمان بالملائكة طرف من الإيمان بالغيب الذي هو مفرق الطريق بين إدراك الإنسان وإدراك الحيوان وتصور الإنسان لهذا الوجود وتصور الحيوان الإنسان الذي يؤمن بما وراء الحس والحيوان المقيد بحسه لا يتعداه والإيمان بالكتاب والنبيين هو الإيمان بالرسالات جميعا وبالرسل أجمعين وهو الإيمان بوحدة البشرية ووحدة إلهها ووحدة دينها ووحدة منهجها الإلهي ولهذا الشعور قيمة في شعور المؤمن الوارث لتراث الرسل والرسالات وما قيمة إيتاء المال على حبه والاعتزاز به لذوي القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب إن قيمته هي الانعتاق من ربقة الحرص والشح والضعف والأثرة انعتاق الروح من حب المال الذي
يقبض الأيدي عن الإنفاق ويقبض النفوس عن الأريحية ويقبض الأرواح عن الانطلاق فهي قيمة روحية يشير إليها ذلك النص على حب المال وقيمة شعورية أن يبسط الإنسان يده وروحه فيما يحب من مال لا في الرخيص منه ولا الخبيث فيتحرر من عبودية المال هذه العبودية التي تستذل النفوس وتنكس الرؤوس ويتحرر من الحرص والحرص يذل اعناق الرجال وهي قيمة إنسانية كبرى في حساب الإسلام الذي يحاول دائما تحرير الإنسان من وساوس نفسه وحرصها وضعفها قبل أن يحاول تحريره من الخارج في محيط الجماعة وارتباطاتها يقينا منه بأن عبيد أنفسهم هم عبيد الناس ; وأن أحرار النفوس من الشهوات هم أحرار الرؤوس في المجتمعات ثم إنها بعد ذلك كله قيمة إنسانية في محيط الجماعة هذه الصلة لذوي القربى فيها تحقيق لمروءة النفس وكرامة الأسرة ووشائج القربى والأسرة هي النواة الأولى للجماعة ومن ثم هذه العناية بها وهذا التقديم وهي لليتامى تكافل بين الكبار والصغار في الجماعة وبين الأقوياء فيها والضعفاء ; وتعويض لهؤلاء الصغار عن فقدان الحماية والرعاية الأبويتين ; وحماية للأمة من تشرد صغارها وتعرضهم للفساد وللنقمة على المجتمع الذي لم يقدم لهم برا ولا رعاية وهي للمساكين الذين لا يجدون ما ينفقون وهم مع ذلك ساكنون لا يسألون ضنا بماء وجوههم احتفاظ لهم بكرامة نفوسهم وصيانة لهم من البوار وإشعار لهم بالتضامن والتكافل في محيط الجماعة المسلمة التي لا يهمل فيها فرد ولا يضيع فيها عضو وهي لابن السبيل المنقطع عن ماله وأهله واجب للنجدة في ساعة العسرة وانقطاع الطريق دون الأهل والمال والديار ; وإشعار له بأن الإنسانية كلها أهل وبأن الأرض كلها وطن يلقى فيها أهلا بأهل ومالا بمال وصلة بصلة وقرارا بقرار وهي للسائلين إسعاف لعوزهم وكف لهم عن المسألة التي يكرهها الإسلام وفي الإسلام لا يسأل من يجد الكفاية أو من يجد عملا فهو مأمور من دينه أن يعمل ولا يسأل وأن يقنع ولا يسأل فلا سائل إلا حيث يعييه العمل والمال وهي في الرقاب اعتاق وتحرير لمن أوقعه سوء عمله في الرق بحمل السيف في وجه الإسلام حتى يسترد حريته وإنسانيته الكريمة ويتحقق هذا النص إما بشراء الرقيق وعتقه وإما بإعطائه ما يؤدي به ما كاتب عليه سيده في نظير عتقه والإسلام يعلن حرية الرقيق في اللحظة التي يطلب فيها الحرية ويطلب مكاتبته عليها أي أداء مبلغ من المال في سبيلها ومنذ هذه اللحظة يصبح عمله بأجر يحسب له ويصبح مستحقا في مصارف الزكاة ويصبح من البر كذلك إعطاؤه من النفقات غير الزكاة كل أولئك ليسارع في فك رقبته واسترداد حريته وإقامة الصلاة ما قيمتها في مجال البر الذي هو جماع الخير إن إقامة الصلاة شيء غير التولي قبل المشرق والمغرب إنها توجه الإنسان بكليته إلى ربه ظاهرا وباطنا جسما وعقلا وروحا إنها ليست مجرد حركات رياضية بالجسم وليست مجرد توجه صوفي بالروح فالصلاة الإسلامية تلخص فكرة الإسلام الأساسية عن الحياة إن الإسلام يعترف بالإنسان جسما وعقلا وروحا في كيان ; ولا يفترض أن هناك تعارضا بين نشاط هذه القوى المكونة في مجموعها للإنسان ولا يحاول أن يكبت الجسم لتنطلق الروح لأن هذا الكبت ليس ضروريا لانطلاق الروح ومن ثم يجعل عبادته الكبرى الصلاة مظهرا لنشاط قواه الثلاث وتوجهها إلى خالقها جميعا في ترابط واتساق يجعلها قياما وركوعا وسجودا تحقيقا لحركة الجسد ويجعلها قراءة وتدبرا وتفكيرا في المعنى والمبنى تحقيقا لنشاط العقل ; ويجعلها توجها واستسلاما لله تحقيقا لنشاط الروح كلها في آن وإقامة الصلاة على هذا النحو تذكر بفكرة الإسلام كلها عن الحياة وتحقق فكرة الإسلام كلها عن الحياة في كل ركعة وفي كل صلاة
وإيتاء الزكاة إنه الوفاء بضريبة الإسلام الاجتماعية التي جعلها الله حقا في أموال الأغنياء للفقراء بحكم أنه هو صاحب المال وهو الذي ملكه للفرد بعقد منه من شروطه إيتاء الزكاة وهي مذكورة هنا بعد الحديث عن إيتاء المال على حبه لمن ذكرتهم الآية من قبل على الإطلاق ; مما يشير إلى أن الإنفاق في تلك الوجوه ليس بديلا من الزكاة وليست الزكاة بديلة منه وإنما الزكاة ضريبة مفروضة والإنفاق تطوع طليق والبر لا يتم إلا بهذه وتلك وكلتاهما من مقومات الإسلام وما كان القرآن ليذكر الزكاة منفردة بعد الإنفاق إلا وهي فريضة خاصة لا يسقطها الإنفاق ولا تغني هي عن الإنفاق والوفاء بالعهد إنه سمة الإسلام التي يحرص عليها ويكررها القرآن كثيرا ; ويعدها آية الإيمان وآية الآدمية وآية الإحسان وهي ضرورية لإيجاد جو من الثقة والطمأنينة في علاقات الأفراد وعلاقات الجماعات وعلاقات الأمم والدول تقوم ابتداء على الوفاء بالعهد مع الله وبغير هذه السمة يعيش كل فرد مفزعا قلقا لا يركن إلى وعد ولا يطمئن إلى عهد ولا يثق بإنسان ولقد بلغ الإسلام من الوفاء بالعهد لأصدقائه وخصومه على السواء قمة لم تصعد إليها البشرية في تاريخها كله ولم تصل إليها إلا على حداء الإسلام وهدي الإسلام والصبر في البأساء والضراء وحين البأس إنها تربية للنفوس وإعداد كي لا تطير شعاعا مع كل نازلة ولا تذهب حسرة مع كل فاجعة ولا تنهار جزعا أمام الشدة إنه التجمل والتماسك والثبات حتى تنقشع الغاشية وترحل النازلة ويجعل الله بعد عسر يسرا إنه الرجاء في الله والثقة بالله والاعتماد على الله ولا بد لأمة تناط بها القوامة على البشرية والعدل في الأرض والصلاح أن تهيأ لمشاق الطريق ووعثائه بالصبر في البأساء والضراء وحين الشدة الصبر في البؤس والفقر والصبر في المرض والضعف والصبر في القلة والنقص والصبر في الجهاد والحصار والصبر على كل حال كي تنهض بواجبها الضخم وتؤدي دورها المرسوم في ثبات وفي ثقة وفي طمأنينة وفي اعتدال ويبرز السياق هذه الصفة صفة الصبر في البأساء والضراء وحين البأس يبرزها بإعطاء كلمة الصابرين وصفا في العبارة يدل على الاختصاص فما قبلها من الصفات مرفوع أما هي فمنصوبة على الاختصاص بتقدير وأخص الصابرين وهي لفتة خاصة لها وزنها في معرض صفات البر لفتة خاصة تبرز الصابرين وتميزهم وتخصص هذه السمة من بين سمات الإيمان بالله والملائكة والكتاب والنبيين وإيتاء المال على حبه وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهد وهو مقام للصابرين عظيم وتقدير لصفة الصبر في ميزان الله يلفت الأنظار وهكذا تجمع آية واحدة بين أصول الاعتقاد وتكاليف النفس والمال وتجعلها كلا لا يتجزأ ووحدة لا تنفصم وتضع على هذا كله عنوانا واحدا هو البر أو هو جماع الخير أو هو الإيمان كما ورد في بعض الأثر والحق أنها خلاصة كاملة للتصور الإسلامي ولمبادىء المنهج الإسلامي المتكامل لا يستقيم بدونها إسلام
ومن ثم تعقب الآية على من هذه صفاتهم بأنهم أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون أولئك الذين صدقوا ربهم في إسلامهم صدقوا في إيمانهم واعتقادهم وصدقوا في ترجمة هذا الإيمان والاعتقاد إلى مدلولاته الواقعة في الحياة وأولئك هم المتقون الذين يخشون ربهم ويتصلون به ويؤدون واجبهم له في حساسية وفي إشفاق وننظر نحن من خلال هذه الآية إلى تلك الآفاق العالية التي يريد الله أن يرفع الناس إليها بمنهجه الرفيع القويم ثم ننظر إلى الناس وهن ينأون عن هذا المنهج ويتجنبونه ويحاربونه ويرصدون له العداوة ولكل من يدعوهم إليه ونقلب أيادينا في أسف ونقول ما قال الله سبحانه يا حسرة على العباد ثم ننظر نظرة أخرى فتنجلي هذه الحسرة على أمل في الله وثيق وعلى يقين في قوة هذا المنهج لا يتزعزع ونستشرف المستقبل فإذا على الأفق أمل أمل وضيء منير أن لا بد لهذه البشرية من أن تفيء بعد العناء الطويل إلى هذا المنهج الرفيع وأن تتطلع إلى هذا الأفق الوضيء والله المستعان


بعض أحكام القصاص

يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب اليم ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون النداء للذين آمنوا بهذه الصفة التي تقتضي التلقي من الله الذي آمنوا به في تشريع القصاص وهو يناديهم لينبئهم أن الله فرض عليهم شريعة القصاص في القتلى بالتفصيل الذي جاء في الآية الأولى وفي الآية الثانية يبين حكمة هذه الشريعة ويوقظ فيهم التعقل والتدبر لهذه الحكمة كما يستجيش في قلوبهم شعور التقوى ; وهو صمام الأمن في مجال القتلى والقصاص وهذه الشريعة التي تبينها الآية أنه عند القصاص للقتلى في حالة العمد بقتل الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان وهذ العفو يكون بقبول الدية من أولياء الدم بدلا من قتل الجاني ومتى قبل ولي الدم هذا ورضيه فيجب إذن أن يطلبه بالمعروف والرضى والمودة ويجب على القاتل أو وليه أن يؤديه بإحسان وإجمال وإكمال تحقيقا لصفاء القلوب وشفاء لجراح النفوس وتقوية لأواصر الأخوة بين البقية الأحياء وقد امتن الله على الذين آمنوا بشريعة الدية هذه بما فيها من تخفيف ورحمة ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ولم يكن هذا التشريع مباحا لبني إسرائيل في التوراة إنما شرع للأمة المسلمة استبقاء للأرواح عند التراضي والصفاء فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم وفوق العذاب الذي يتوعده به في الآخرة يتعين قتله ولا تقبل منه الدية لأن الاعتداء بعد التراضي والقبول نكث للعهد وإهدار للتراضي وإثارة للشحناء بعد صفاء القلوب ومتى قبل ولي الدم الدية فلا يجوز له أن يعود فينتقم ويعتدي ومن ثم ندرك سعة آفاق الإسلام ; وبصره بحوافز النفس البشرية عند التشريع لها ; ومعرفته بما فطرت عليه من النوازع إن الغضب للدم فطرة وطبيعة فالإسلام يلبيها بتقرير شريعة القصاص فالعدل الجازم هو الذي يكسر شرة النفوس ويفثأ حنق الصدور ويردع الجاني كذلك عن التمادي ولكن الإسلام في
الوقت ذاته يحبب في العفو ويفتح له الطريق ويرسم له الحدود فتكون الدعوة إليه بعد تقرير القصاص دعوة إلى التسامي في حدود التطوع لا فرضا يكبت فطرة الإنسان ويحملها ما لا تطيق وتذكر بعض الروايات أن هذه الآية منسوخة نسختها آية المائدة التي نزلت بعدها وجعلت النفس بالنفس إطلاقا وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس الآية قال ابن كثير في التفسير وذكر في سبب نزولها ما رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير حدثني عبد الله بن لهيعة حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى يعني إذا كان عمدا الحر بالحر وذلك أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل فكان بينهم قتل وجراحات حتى قتلوا العبيد والنساء فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال فحلفوا ألا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحر منهم والمرأة منا الرجل منهم فنزل فيهم الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى منسوخة نسختها النفس بالنفس وكذلك روي عن أبي مالك أنها منسوخة بقوله النفس بالنفس والذي يظهر لنا أن موضع هذه الآية غير موضع آية النفس بالنفس وأن لكل منهما مجالا غير مجال الأخرى وأن آية النفس بالنفس مجالها مجال الاعتداء الفردي من فرد معين على فرد معين أو من أفراد معينين على فرد أو أفراد معينين كذلك فيؤخذ الجاني ما دام القتل عمدا فأما الآية التي نحن بصددها فمجالها مجال الاعتداء الجماعي كحالة ذينك الحيين من العرب حيث تعتدي أسرة على أسرة أو قبيلة على قبيلة أو جماعة على جماعة فتصيب منها من الأحرار والعبيد والنساء فإذا أقيم ميزان القصاص كان الحر من هذه بالحر من تلك والعبد من هذه بالعبد من تلك والأنثى من هذه بالأنثى من تلك وإلا فكيف يكون القصاص في مثل هذه الحالة التي يشترك فيها جماعة في الاعتداء على جماعة وإذا صح هذا النظر لا يكون هناك نسخ لهذه الآية ولا تعارض في آيات القصاص ثم يكمل السياق الحديث عن فريضة القصاص بما يكشف عن حكمتها العميقة وأهدافها الأخيرة ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون إنه ليس الانتقام وليس إرواء الأحقاد إنما هو أجل من ذلك وأعلى إنه للحياة وفي سبيل الحياة بل هو في ذاته حياة ثم إنه للتعقل والتدبر في حكمة الفريضة ولاستحياء القلوب واستجاشتها لتقوى الله والحياة التي في القصاص تنبثق من كف الجناة عن الاعتداء ساعة الابتداء فالذي يوقن أنه يدفع حياته ثمنا لحياة من يقتل جدير به أن يتروى ويفكر ويتردد كما تنبثق من شفاء صدور أولياء الدم عند وقوع القتل بالفعل شفائها من الحقد والرغبة في الثأر الثأر الذي لم يكن يقف عند حد في القبائل العربية حتى لتدوم معاركه المتقطعة أربعين عاما كما في حرب البسوس المعروفة عندهم وكما نرى نحن في واقع حياتنا اليوم حيث تسيل الحياة على مذابح الأحقاد العائلية جيلا بعد جيل ولا تكف عن المسيل وفي القصاص حياة على معناها الأشمل الأعم فالاعتداء على حياة فرد اعتداء على الحياة كلها واعتداء على كل إنسان حي يشترك مع القتيل في سمة الحياة فإذا كف القصاص الجاني عن إزهاق حياة واحدة فقد كفه عن الاعتداء على الحياة كلها وكان في هذا الكف حياة حياة مطلقة لا حياة فرد ولا حياة أسرة ولا حياة جماعة بل حياة
ثم وهو الأهم والعامل المؤثر الأول في حفظ الحياة استجاشة شعور التدبر لحكمة الله ولتقواه لعلكم تتقون هذا هو الرباط الذي يعقل النفوس عن الاعتداء الاعتداء بالقتل ابتداء والاعتداء في الثأر أخيرا التقوى حساسية القلب وشعروه بالخوف من الله ; وتحرجه من غضبه وتطلبه لرضاه إنه بغير هذا الرباط لا تقوم شريعة ولا يفلح قانون ولا يتحرج متحرج ولا تكفي التنظيمات الخاوية من الروح والحساسية والخوف والطمع في قوة أكبر من قوة الإنسان وهذا ما يفسر لنا ندرة عدد الجرائم التي أقيمت فيها الحدود على عهد النبي ص وعهد الخلفاء ومعظمها كان مصحوبا باعتراف الجاني نفسه طائعا مختارا لقد كانت هنالك التقوى كانت هي الحارس اليقظ في داخل الضمائر وفي حنايا القلوب تكفها عن مواضع الحدود إلى جانب الشريعة النيرة البصيرة بخفايا الفطر ومكنونات القلوب وكان هناك ذلك التكامل بين التنظيمات والشرائع من ناحية والتوجيهات والعبادات من ناحية أخرى تتعاون جميعها على ***** مجتمع سليم التصور سليم الشعور نظيف الحركة نظيف السلوك لأنها تقيم محكمتها الأولى في داخل الضمير حتى إذا جمحت السورة البهيمية في حين من الأحيان وسقط الإنسان سقطة وكان ذلك حيث لا تراقبه عين ولا تتناوله يد القانون تحول هذا الإيمان نفسا لوامة عنيفة ووخزا لاذعا للضمير وخيالا مروعا لا يرتاح معه صاحبه حتى يعترف بذنبه أمام القانون ويعرض نفسه للعقوبة الشديدة ويتحملها مطمئنا مرتاحا تفاديا من سخط الله وعقوبة الآخرة إنها التقوى إنها التقوى
47
4K

هذا الموضوع مغلق.

شهيدة فلسطين
شهيدة فلسطين
تفسير الصابوني

المنَاسَبَة: من هنا بداية النصف الثاني من السورة الكريمة على وجه التقريب، ونصف السورة السابق كان متعلقاً بأصول الدين وبقبائح بني إِسرائيل، وهذا النصف غالبه متعلق بالأحكام التشريعية الفرعية، ووجه المناسبة أنه تعالى ذكر في الآية السابقة أنّ أهل الكتاب اختلفوا في دينهم اختلافاً كبيراً صاروا بسببه في شقاق بعيد، ومن أسباب شقاقهم أمر القبلة إِذ أكثروا الخوض فيه وأنكروا على المسلمين التحول إِلى استقبال الكعبة، وادّعى كلٌ من الفريقين - اليهود والنصارى - أن الهدى مقصور على قبلته، فردّ الله عليهم بين أن العبادة الحقة وعمل البرّ ليس بتوجه الإِنسان جهة المشرق والمغرب، ولكن بطاعة الله وامتثال أوامره وبالإِيمان الصادق الراسخ.

اللغَة: { ٱلْبِرَّ } اسم جامع للطاعات وأعمال الخير { ٱلرِّقَابِ } جمع رقبة وهي في الأصل العُنقُ، وتطلق على البدن كله كما تطلق العين على الجاسوس والمراد في الآية الأسرى والأرقاء { ٱلْبَأْسَآءِ } الفقر { ٱلضَّرَّاءِ } السُّقم والوجع { ٱلْبَأْسِ } القتال وأصل البأس في اللغة: الشدّة { كُتِبَ } فرض { ٱلْقِصَاصُ } العقوبة بالمثل من قتل أو جرح مأخوذ من القصّ وهو تتبع الأثر
{ وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ }
أي اتبعى أثره { ٱلْقَتْلَى } جمع قتيل يستوي فيه المذكر والمؤنث يقال: رجل قتيل وامرأة قتيل { ٱلأَلْبَابِ } العقول جمع لب مأخوذ من لبّ النخلة { إِثْماً } الإِثم: الذنب { جَنَفاً } الجنف: العدول عن الحق على وجه الخطأ.

سَبَبُ النّزول: عن قتادة أن أهل الجاهلية كان فيهم بغيٌ وطاعةٌ للشيطان، وكان الحيُّ منهم إِذا كان فيهم منعة فقتل عبدُهم عبد آخرين قالوا لن نقتل به إِلا حراً، وإِذا قتلت امرأةٌ منهم امرأةً من آخرين قالوا لن نقتل بها إِلا رجلاً فأنزل الله { ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ }.

التفسِير: { لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ } أي ليس فعلُ الخير وعملُ الصالح محصوراً في أن يتوجه الإِنسان في صلاته جهة المشرق أو المغرب { وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } أي ولكنَّ البِرَّ الصحيح هو الإِيمان بالله واليوم الآخر { وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ } أي وأن يؤمن بالملائكة والكتب والرسل { وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ } أي أعطى المال على محبته له ذوي قرابته فهم أولى بالمعروف { وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ } أي وأعطى المال أيضاً لليتامى الذين فقدوا آباءهم والمساكين الذين لا مال لهم، وابن السبيل المسافر المنقطع عن ماله { وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ } أي الذين يسألون المعونة بدافع الحاجة وفي تخليص الأسرى والأرقاء بالفداء { وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ } أي وأتى بأهم أركان الإِسلام وهما الصلاة والزكاة { وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ } أي ومن يوفون بالعهود ولا يخلفون الوعود { وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ } أي الصابرين على الشدائد وحين القتال في سبيل الله وهو منصوب على المدح { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ } أي أهل هذه الأوصاف هم الذين صدقوا في إِيمانهم وأولئك هم الكاملون في التقوى، وفي الآية ثناء على الأبرار وإِيحاء إِلى ما لا يلاقونه من اطمئنان وخيراتٍ حسان.

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى } أي فرض عليكم أن تقتصوا للمقتول من قاتله بالمساواة دون بغي أو عدوان { ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ } أي اقتصوا من الجاني فقط فإِذا قتل الحرُّ الحرَّ فاقتلوه به، وإِذا قتل العبد العبد فاقتلوه به، وكذلك الأنثى إِذا قتلت الأنثى، مثلاً بمثلٍ ولا تعتدوا فتقتلوا غير الجاني، فإِن أخذ غير الجاني ليس بقصاص بل هو ظلم واعتداء { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ } أي فمن تُرك له من دم أخيه المقتول شيء، بأن ترك وليُّه القود وأسقط القصاص راضياً بقبول الدية { فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } أي فعلى العافي اتباعٌ للقاتل بالمعروف بأن يطالبه بالدية بلا عنفٍ ولا إِرهاق، وعلى القاتل أداءٌ للدية إِلى العافي - ولي المقتول - بلا مطل ولا بخس { ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ } أي ما شرعته لكم من العفو إِلى الدية تخفيف من ربكم عليكم ورحمة منه بكم، ففي الدية تخفيف على القاتل ونفعٌ لأولياء القتيل، وقد جمع الإِسلام في عقوبة القتل بين العدل والرحمة، فجعل القصاص حقاً لأولياء المقتول إِذا طالبوا به وذلك عدل، وشرع لديه إِذا أسقطوا القصاص غير القاتل وذلك رحمة { فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي فمن اعتدى على القاتل بعد قبول الدية فله عذاب أليم في الآخرة { وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ } أي ولكم - يا أولي العقول - فيما شرعت من القصاص حياةٌ وأيُّ حياة لأنه من علم أنه إِذا قتل نفساً قُتل بها يرتدع وينزجر عن القتل، فيحفظ حياته وحياة من أراد قتله وبذلك تُصان الدماء وتحفُظ حياة الناس { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } أي لعلكم تنزجرون وتتقون محارم الله ومآثمه
شهيدة فلسطين
شهيدة فلسطين
تفسير الصابوني المنَاسَبَة: من هنا بداية النصف الثاني من السورة الكريمة على وجه التقريب، ونصف السورة السابق كان متعلقاً بأصول الدين وبقبائح بني إِسرائيل، وهذا النصف غالبه متعلق بالأحكام التشريعية الفرعية، ووجه المناسبة أنه تعالى ذكر في الآية السابقة أنّ أهل الكتاب اختلفوا في دينهم اختلافاً كبيراً صاروا بسببه في شقاق بعيد، ومن أسباب شقاقهم أمر القبلة إِذ أكثروا الخوض فيه وأنكروا على المسلمين التحول إِلى استقبال الكعبة، وادّعى كلٌ من الفريقين - اليهود والنصارى - أن الهدى مقصور على قبلته، فردّ الله عليهم بين أن العبادة الحقة وعمل البرّ ليس بتوجه الإِنسان جهة المشرق والمغرب، ولكن بطاعة الله وامتثال أوامره وبالإِيمان الصادق الراسخ. اللغَة: { ٱلْبِرَّ } اسم جامع للطاعات وأعمال الخير { ٱلرِّقَابِ } جمع رقبة وهي في الأصل العُنقُ، وتطلق على البدن كله كما تطلق العين على الجاسوس والمراد في الآية الأسرى والأرقاء { ٱلْبَأْسَآءِ } الفقر { ٱلضَّرَّاءِ } السُّقم والوجع { ٱلْبَأْسِ } القتال وأصل البأس في اللغة: الشدّة { كُتِبَ } فرض { ٱلْقِصَاصُ } العقوبة بالمثل من قتل أو جرح مأخوذ من القصّ وهو تتبع الأثر { وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ } [القصص: 11] أي اتبعى أثره { ٱلْقَتْلَى } جمع قتيل يستوي فيه المذكر والمؤنث يقال: رجل قتيل وامرأة قتيل { ٱلأَلْبَابِ } العقول جمع لب مأخوذ من لبّ النخلة { إِثْماً } الإِثم: الذنب { جَنَفاً } الجنف: العدول عن الحق على وجه الخطأ. سَبَبُ النّزول: عن قتادة أن أهل الجاهلية كان فيهم بغيٌ وطاعةٌ للشيطان، وكان الحيُّ منهم إِذا كان فيهم منعة فقتل عبدُهم عبد آخرين قالوا لن نقتل به إِلا حراً، وإِذا قتلت امرأةٌ منهم امرأةً من آخرين قالوا لن نقتل بها إِلا رجلاً فأنزل الله { ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ }. التفسِير: { لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ } أي ليس فعلُ الخير وعملُ الصالح محصوراً في أن يتوجه الإِنسان في صلاته جهة المشرق أو المغرب { وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } أي ولكنَّ البِرَّ الصحيح هو الإِيمان بالله واليوم الآخر { وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ } أي وأن يؤمن بالملائكة والكتب والرسل { وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ } أي أعطى المال على محبته له ذوي قرابته فهم أولى بالمعروف { وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ } أي وأعطى المال أيضاً لليتامى الذين فقدوا آباءهم والمساكين الذين لا مال لهم، وابن السبيل المسافر المنقطع عن ماله { وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ } أي الذين يسألون المعونة بدافع الحاجة وفي تخليص الأسرى والأرقاء بالفداء { وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ } أي وأتى بأهم أركان الإِسلام وهما الصلاة والزكاة { وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ } أي ومن يوفون بالعهود ولا يخلفون الوعود { وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ } أي الصابرين على الشدائد وحين القتال في سبيل الله وهو منصوب على المدح { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ } أي أهل هذه الأوصاف هم الذين صدقوا في إِيمانهم وأولئك هم الكاملون في التقوى، وفي الآية ثناء على الأبرار وإِيحاء إِلى ما لا يلاقونه من اطمئنان وخيراتٍ حسان. يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى } أي فرض عليكم أن تقتصوا للمقتول من قاتله بالمساواة دون بغي أو عدوان { ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ } أي اقتصوا من الجاني فقط فإِذا قتل الحرُّ الحرَّ فاقتلوه به، وإِذا قتل العبد العبد فاقتلوه به، وكذلك الأنثى إِذا قتلت الأنثى، مثلاً بمثلٍ ولا تعتدوا فتقتلوا غير الجاني، فإِن أخذ غير الجاني ليس بقصاص بل هو ظلم واعتداء { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ } أي فمن تُرك له من دم أخيه المقتول شيء، بأن ترك وليُّه القود وأسقط القصاص راضياً بقبول الدية { فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } أي فعلى العافي اتباعٌ للقاتل بالمعروف بأن يطالبه بالدية بلا عنفٍ ولا إِرهاق، وعلى القاتل أداءٌ للدية إِلى العافي - ولي المقتول - بلا مطل ولا بخس { ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ } أي ما شرعته لكم من العفو إِلى الدية تخفيف من ربكم عليكم ورحمة منه بكم، ففي الدية تخفيف على القاتل ونفعٌ لأولياء القتيل، وقد جمع الإِسلام في عقوبة القتل بين العدل والرحمة، فجعل القصاص حقاً لأولياء المقتول إِذا طالبوا به وذلك عدل، وشرع لديه إِذا أسقطوا القصاص غير القاتل وذلك رحمة { فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي فمن اعتدى على القاتل بعد قبول الدية فله عذاب أليم في الآخرة { وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ } أي ولكم - يا أولي العقول - فيما شرعت من القصاص حياةٌ وأيُّ حياة لأنه من علم أنه إِذا قتل نفساً قُتل بها يرتدع وينزجر عن القتل، فيحفظ حياته وحياة من أراد قتله وبذلك تُصان الدماء وتحفُظ حياة الناس { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } أي لعلكم تنزجرون وتتقون محارم الله ومآثمه
تفسير الصابوني المنَاسَبَة: من هنا بداية النصف الثاني من السورة الكريمة على وجه التقريب، ونصف...
يوم الخميس إن شاء الله سيكون هناك اختبار في الآيات من 142 - 179
ورده ذهبية
ورده ذهبية
يوم الخميس إن شاء الله سيكون هناك اختبار في الآيات من 142 - 179
يوم الخميس إن شاء الله سيكون هناك اختبار في الآيات من 142 - 179


اعوذ بالله من الشيطان الرجيم

( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الاخر والملائكه

والكتاب والنبين واتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين

وفي الرقاب وأقام الصلاة واتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في الباساء والضراء وحين الباس

أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون * يايها الذين امنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد

والانثى بالانثى فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف واداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة

فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم * ولكم في القصاص حياة يأولي الالباب لعلكم تتقون )
زهرة الفـل
زهرة الفـل
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من ءامن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبين وءاتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السيبل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وءاتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا و أولئك هم المتقون

ياأيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم .

ولكم في القصاص حياة ياأولي الألباب لعلكم تتقون .
الخلخال
الخلخال


أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من ءامن بالله واليوم الاخر والملائكة والكتاب والنبيين وءاتي المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وءاتى الزكاة والموفون بعهدهم اذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس اولئك الذين صدقوا واولئك هم المتقون @

يا أيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالانثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمه فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم @

ولكم في القصاص حياة يا أولي الالباب لعلكم تتقون @