بسم الله الرحمن الرحيم
الورد الحادي والثلاثين : تصحيح عدد من القواعد التي يقوم عليها الايمان الصحيح
الآيات من 158- 164وتقع في الجزء الثاني من القرآن الكريم
{ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ } * { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } * { إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } * { خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ } * { وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ } * { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } *
سيد قطب رحمه الله
إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم هناك عدة روايات عن سبب نزول هذه الآية أقربها إلى المنطق النفسي المستفاد من طبيعة التصور الذي أنشأه الإسلام في نفوس المجموعة السابقة إلى الإسلام من المهاجرين والأنصار الرواية التي تقول إن بعض المسلمين تحرجوا من الطواف بالصفا والمروة في الحج والعمرة بسبب أنهم كانوا يسعون بين هذين الجبلين في الجاهلية وأنه كان فوقهما صنمان هما أساف ونائلة فكره المسلمون أن يطوفوا كما كانوا يطوفون في الجاهلية
قال البخاري حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن عاصم بن سليمان قال سألت أنسا عن الصفا والمروة قال كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما فأنزل الله عز وجل إن الصفا والمروة من شعائر الله وقال الشعبي كان أساف على الصفا وكانت نائلة على المروة وكانوا يستلمونهما فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما فنزلت هذه الآية ولم يرد تحديد لتاريخ نزول هذه الآية والأرجح أنها نزلت متأخرة عن الآيات الخاصة بتحويل القبلة ومع أن مكة قد أصبحت دار حرب بالنسبة للمسلمين فإنه لا يبعد أن بعض المسلمين كانوا يتمكنون أفرادا من الحج ومن العمرة وهؤلاء هم الذين تحرجوا من الطواف بين الصفا والمروة وكان هذا التحرج ثمرة التعليم الطويل ووضوح التصور الإيماني في نفوسهم هذا الوضوح الذي يجعلهم يتحرزون ويتوجسون من كل أمر كانوا يزاولونه في الجاهلية إذ أصبحت نفوسهم من الحساسية في هذه الناحية بحيث تفزع من كل ما كان في الجاهلية وتتوجس أن يكون منهيا عنه في الإسلام الأمر الذي ظهر بوضوح في مناسبات كثيرة كانت الدعوة الجديدة قد هزت أرواحهم هزا وتغلغلت فيها إلى الأعماق فأحدثت فيها انقلابا نفسيا وشعوريا كاملا حتى لينظرون بجفوة وتحرز إلى ماضيهم في الجاهلية ; ويحسون أن هذا شطر من حياتهم قد انفصلوا عنه انفصالا كاملا فلم يعد منهم ولم يعودوا منه ; وعاد دنسا ورجسا يتحرزون من الإلمام به وإن المتابع لسيرة هذه الفترة الأخيرة في حياة القوم ليحس بقوة أثر هذه العقيدة العجيب في تلك النفوس يحس التغير الكامل في تصورهم للحياة حتى لكأن الرسول ص قد أمسك بهذه النفوس فهزها هزة نفضت عنها كل رواسبها وأعادت تأليف ذراتها على نسق جديد ; كما تصنع الهزة الكهربية في تأليف ذرات الأجسام على نسق آخر غير الذي كان وهذا هو الإسلام هذا هو انسلاخا كاملا عن كل ما في الجاهلية وتحرجا بالغا من كل أمر من أمور الجاهلية وحذرا دائما من كل شعور وكل حركة كانت النفس تأتيها في الجاهلية حتى يخلص القلب للتصور الجديد بكل ما يقتضيه فلما أن تم هذا في نفوس الجماعة المسلمة أخذ الإسلام يقرر ما يريد الإبقاء عليه من الشعائر الأولى مما لا يرى فيه بأسا ولكن يربطه بعروة الإسلام بعد أن نزعه وقطعه عن أصله الجاهلي فإذا أتاه المسلم فلا يأتيه لأنه كان يفعله في الجاهلية ; ولكن لأنه شعيرة جديدة من شعائر الإسلام تستمد أصلها من الإسلام وهنا نجد مثالا من هذا المنهج التربوي العميق إذ يبدأ القرآن بتقرير أن الصفا والمروة من شعائر الله إن الصفا والمروة من شعائر الله فإذا أطوف بهما مطوف فإنما يؤدي شعيرة من شعائر الله ; وإنما يقصد بالطواف بينهما إلى الله ولقد انقطع ما بين هذا الطواف الجديد وطواف الجاهلية الموروث ; وتعلق الأمر بالله سبحانه لا بأساف ونائلة وغيرهما من أصنام الجاهلية ومن ثم فلا حرج ولا تأثم فالأمر غير الأمر والاتجاه غير الاتجاه فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما وقد أقر الإسلام معظم شعائر الحج التي كان العرب يؤدونها ونفى كل ما يمت إلى الأوثان وإلى أوهام الجاهلية وربط الشعائر التي أقرها بالتصور الإسلامي الجديد بوصفها شعائر إبراهيم التي علمه ربه إياها
وسيأتي تفصيل هذا عند الكلام على فريضة الحج في موضعه من سياق السورة فأما العمرة فكالحج في شعائرها فيما عدا الوقوف بعرفة دون توقيت بمواقيت الحج وفي كلا الحج والعمرة جعل الطواف بين الصفا المروة من شعائرهما ثم يختم الآية بتحسين التطوع بالخير إطلاقا ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم فيلمح إلى أن هذا الطواف من الخير وبذلك ينفي من النفوس كل حرج ويطيب القلوب بهذه الشعائر ويطمئنها على أن الله يعدها خيرا ويجازي عليها بالخير وهو يعلم ما تنطوي عليه القلوب من نية وشعور ولا بد أن نقف لحظة أمام ذلك التعبير الموحي فإن الله شاكر إن المعنى المقصود أن الله يرضى عن ذلك الخير ويثيب عليه ولكن كلمة شاكر تلقي ظلالا ندية وراء هذا المعنى المجرد تلقي ظلال الرضى الكامل حتى لكأنه الشكر من الرب للعبد ومن ثم توحي بالأدب الواجب من العبد مع الرب فإذا كان الرب يشكر لعبده الخير فماذا يصنع العبد ليوفي الرب حقه من الشكر والحمد تلك ظلال التعبير القرآني التي تلمس الحس بكل ما فيها من الندى والرفق والجمال
ذم الذين يكتمون العلم
ومن بيان مشروعية الطواف بالصفا والمروة ينتقل السياق إلى الحملة على الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى وهم اليهود الذين سبق الحديث عنهم طويلا في سياق السورة مما يوحي بأن دسائسهم لم تنقطع حول مسألة الاتجاه إلى المسجد الحرام وفرض الحج إليه أيضا إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون ولقد كان أهل الكتاب يعرفون مما بين أيديهم من الكتاب مدى ما في رسالة محمد ص من حق ومدى ما في الأوامر التي يبلغها من صدق ومع هذا يكتمون هذا الذي بينه الله لهم في الكتاب فهم وأمثالهم في أي زمان ممن يكتمون الحق الذي أنزله الله لسبب من أسباب الكتمان الكثيرة ممن يراهم الناس في شتى الأزمنة وشتى الأمكنة يسكتون عن الحق وهم يعرفونه ويكتمون الأقوال التي تقرره وهم على يقين منها ويجتنبون آيات في كتاب الله لا يبرزونها بل يسكتون عنها ويخفونها لينحوا الحقيقة التي تحملها هذه الآيات ويخفوها بعيدا عن سمع الناس وحسهم لغرض من أغراض هذه الدنيا الأمر الذي نشهده في مواقف كثيرة وبصدد حقائق من حقائق هذا الدين كثيرة أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون كأنما تحولوا إلى ملعنة ينصب عليها اللعن من كل مصدر ويتوجه إليها بعد الله من كل لاعن واللعن الطرد في غضب وزجر وأولئك الخلق يلعنهم الله فيطردهم من رحمته ويطاردهم اللاعنون من كل صوب فهم هكذا مطاردون من الله ومن عباده في كل مكان إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم هؤلاء يفتح القرآن لهم هذه النافذة المضيئة نافذة التوبة يفتحها فتنسم نسمة الأمل في الصدور وتقود
القلوب إلى مصدر النور فلا تيئس من رحمة الله ولا تقنط من عفوه فمن شاء فليرجع إلى الحمى الآمن صادق النية وآية صدق التوبة الاصلاح في العمل والتبيين في القول وإعلان الحق والاعتراف به والعمل بمقتضاه ثم ليثق برحمة الله وقبوله للتوبة وهو يقول وأنا التواب الرحيم وهو أصدق القائلين فأما الذين يصرون ولا يتوبون حتى تفلت الفرصة وتنتهي المهلة فأولئك ملاقون ما أوعد الله من قبل به بزيادة وتفصيل وتوكيد إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون ذلك أنهم أغلقوا على أنفسهم ذلك الباب المفتوح وتركوا الفرصة تفلت والمهلة تنقضي وأصروا على الكتمان والكفر والضلال أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين فهي لعنة مطبقة لا ملجأ منها ولا صدر حنون ولم يذكر السياق لهم عذابا آخر غير هذه اللعنة المطبقة ; بل عدها عذابا لا يخفف عنهم ولا يؤجل موعده ولا يمهلون فيه وإنه لعذاب دونه كل عذاب عذاب المطاردة والنبذ والجفوة فلا يتلقاهم صدر فيه حنان ولا عين فيها قبول ولا لسان فيه تحية إنهم ملعونون مطرودون منبوذون من العباد ومن رب العباد في الأرض وفي الملأ الأعلى على السواء وهذا هو العذاب الأليم المهين
إقامة التصور الإيماني على قاعدة التوحيد
بعد هذا يمضي السياق في إقامة التصور الإيماني على قاعدته الكبيرة قاعدة التوحيد ويعرض من مشاهد الكون ما يشهد بهذه الحقيقة شهادة لا تقبل الجدل ثم يندد بمن يتخذون من دون الله اندادا ; ويصور موقفهم المتخاذل يوم يرون العذاب فيتبرأ بعضهم من بعض ; فلا ينفعهم هذا التبرؤ ولا تفيدهم حسراتهم ولا تخرجهم من النار وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ومن الناس من يتخذ من دون الله اندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار إن وحدة الألوهية هي القاعدة الكبيرة التي يقوم عليها التصور الإيماني فلم يكن هناك جدل حول الاعتقاد بوجود إله تختلف التصورات حول ذاته وحول صفاته وحول علاقاته بالخلق ولكنها لا تنفي وجوده ولم يقع أن نسيت الفطرة هذه الحقيقة حقيقة وجود إله إلا في هذه الأيام الأخيرة حين نبتت نابتة منقطعة عن أصل الحياة منقطعة عن أصل الفطرة تنكر وجود الله وهي نابتة شاذة لا جذور لها في أصل هذا الوجود ; ومن ثم فمصيرها حتما إلى الفناء والاندثار من هذا الوجود هذا الوجود الذي لا يطيق تكوينه ولا تطيق فطرته بقاء هذا الصنف من الخلائق المقطوعة الجذور لذلك اتجه السياق القرآني دائما إلى الحديث عن وحدة الألوهية بوصفها التصحيح الضروري للتصور
والقاعدة الأساسية لإقامة هذا التصور ثم لإقامة سائر القواعد الأخلاقية والنظم الاجتماعية المنبثقة من هذا التصور تصور وحدة الألوهية في هذا الوجود وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ومن وحدانية الألوهية التي يؤكدها هذا التأكيد بشتى أساليب التوكيد يتوحد المعبود الذي يتجه إليه الخلق بالعبودية والطاعة ; وتتوحد الجهة التي يتلقى منها الخلق قواعد الأخلاق والسلوك ; ويتوحد المصدر الذي يتلقى منه الخلق أصول الشرائع والقوانين ; ويتوحد المنهج الذي يصرف حياة الخلق في كل طريق وهنا والسياق يستهدف إعداد الأمة المسلمة لدورها العظيم في الأرض يعيد ذكر هذه الحقيقة التي تكرر ذكرها مرات ومرات في القرآن المكي والتي ظل القرآن يعمق جذورها ويمد في آفاقها حتى تشمل كل جوانب الحس والعقل وكل جوانب الحياة والوجود يعيد ذكر هذه الحقيقة ليقيم على أساسها سائر التشريعات والتكاليف ثم يذكر من صفات الله هنا الرحمن الرحيم فمن رحمته السابغة العميقة الدائمة تنبثق كل التشريعات والتكاليف وهذا الكون كله شاهد بالوحدانية وبالرحمة في كل مجاليه إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل النهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون وهذه الطريقة في تنبيه الحواس والمشاعر جديرة بأن تفتح العين والقلب على عجائب هذا الكون العجائب التي تفقدنا الألفة جدتها وغرابتها وإيحاءاتها للقلب والحس وهي دعوة للإنسان أن يرتاد هذا الكون كالذي يراه أول مرة مفتوح العين متوفز الحس حي القلب وكم في هذه المشاهد المكرورة من عجيب وكم فيها من غريب وكم اختلجت العيون والقلوب وهي تطلع عليها أول مرة ; ثم الفتها ففقدت هزة المفاجأة ودهشة المباغتة وروعة النظرة الأولى إلى هذا المهرجان العجيب تلك السماوات والأرض هذه الأبعاد الهائلة والأجرام الضخمة والآفاق المسحورة والعوالم المجهولة هذا التناسق في مواقعها وجريانها في ذلك الفضاء الهائل الذي يدير الرؤوس هذه الأسرار التي توصوص للنفس وتلتف في رداء المجهول هذه السماوات والأرض حتى دون أن يعرف الإنسان شيئا عن حقيقة أبعادها وأحجامها وأسرارها التي يكشف الله للبشر عن بعضها حينما تنمو مداركهم وتسعفهم أبحاث العلوم واختلاف الليل والنهار تعاقب النور والظلام توالي الإشراق والعتمة ذلك الفجر وذلك الغروب كم اهتزت لها مشاعر وكم وجفت لها قلوب وكم كانت أعجوبة الأعاجيب ثم فقد الإنسان وهلتها وروعتها مع التكرار إلا القلب المؤمن الذي تتجدد في حسه هذه المشاهد ; ويظل أبدا يذكر يد الله فيها فيتلقاها في كل مرة بروعة الخلق الجديد والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وأشهد ما أحسست ما في هذه اللفتة من عمق قدر ما أحسست ونقطة صغيرة في خضم المحيط تحملنا وتجري بنا والموج المتلاطم والزرقة المطلقة من حولنا والفلك سابحة متناثرة هنا وهناك ولا شيء إلا قدرة الله وإلا رعاية الله وإلا قانون الكون الذي جعله الله يحمل تلك النقطة الصغيرة على ثبج الأمواج وخضمها الرعيب
وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض وكلها مشاهد لو أعاد الإنسان تأملها كما يوحي القرآن للقلب المؤمن بعين مفتوحة وقلب واع لارتجف كيانه من عظمة القدرة ورحمتها تلك الحياة التي تنبعث من الأرض حينما يجودها الماء هذه الحياة المجهولة الكنه اللطيفة الجوهر التي تدب في لطف ثم تتبدى جاهرة معلنة قوية هذه الحياة من أين جاءت كانت كامنة في الحبة والنواة ولكن من أين جاءت إلى الحبة والنواة أصلها مصدرها الأول إنه لا يجدي الهرب من مواجهة هذا السؤال الذي يلح على الفطرة لقد حاول الملحدون تجاهل هذا السؤال الذي لا جواب عليه إلا وجود خالق قادر على إعطاء الحياة للموات وحاولوا طويلا أن يوهموا الناس أنهم في طريقهم إلى ***** الحياة بلا حاجة إلى إله ثم أخيرا إذا هم في أرض الإلحاد الجاحد الكافر ينتهون إلى نفض أيديهم والإقرار بما يكرهون استحالة خلق الحياة وأعلم علماء روسيا الكافرة في موضوع الحياة هو الذي يقول هذا الآن ومن قبل راغ دارون صاحب نظرية النشوء والارتقاء من مواجهة هذا السؤال ثم تلك الرياح المتحولة من وجهة إلى وجهة وذلك السحاب المحمول على هواء المسخر بين السماء والأرض الخاضع للناموس الذي أودعه الخالق هذا الوجود إنه لا يكفي أن تقول نظرية ما تقوله عن أسباب هبوب الريح وعن طريقة تكون السحاب إن السر الأعمق هو سر هذه الأسباب سر خلقة الكون بهذه الطبيعة وبهذه النسب وبهذه الأوضاع التي تسمح بنشأة الحياة ونموها وتوفير الأسباب الملائمة لها من رياح وسحاب ومطر وتربة سر هذه الموافقات التي يعد المعروف منها بالآلاف والتي لو اختلت واحدة منها ما نشأت الحياة أو ما سارت هذه السيرة سر التدبير الدقيق الذي يشي بالقصد والاختيار كما يشي بوحدة التصميم ورحمة التدبير إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون نعم لو ألقى الإنسان عن عقله بلادة الألفة والغفلة فاستقبل مشاهد الكون بحس متجدد ونظرة مستطلعة وقلب نوره الإيمان ولو سار في هذا الكون كالرائد الذي يهبط إليه أول مرة تلفت عينه كل ومضة وتلفت سمعه كل نأمة وتلفت حسه كل حركة وتهز كيانه تلك الأعاجيب التي ما تني تتوالى على الأبصار والقلوب والمشاعر إن هذا هو ما يصنعه الإيمان هذا التفتح هذه الحساسية هذا التقدير للجمال والتناسق والكمال إن الإيمان رؤية جديدة للكون وإدراك جديد للجمال وحياة على الأرض في مهرجان من صنع الله آناء الليل وأطراف النهار ومع هذا فإن هناك من لا ينظر ولا يتعقل فيحيد عن التوحيد الذي يوحي به تصميم الوجود والنظر في وحدة الناموس الكوني العجيب .
هذا الموضوع مغلق.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم (158)
إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد مابيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم الاعنون (159)
إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم (160)
إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (161)
خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون(162)
وإلاهكم إله واحد لاإله إلا هو الرحمن الرحيم (163)
إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لأيات لقوم يعقلون (164)
إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم (158)
إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد مابيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم الاعنون (159)
إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم (160)
إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (161)
خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون(162)
وإلاهكم إله واحد لاإله إلا هو الرحمن الرحيم (163)
إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لأيات لقوم يعقلون (164)
الخلخال
•
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
إن الصفا والمروه من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم @
ان الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون @
إلا الذين تابوا واصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وانا التواب الرحيم @
إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فأولئك عليهم لعنة الله والملائكه والناس أجمعين @
خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون @
وإلاهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم @
إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الارض بعد موتها وبث فيها من كل دابه واتصريف الرياح والسحاب المسخر لآيات لقوم يعقلون @
الخلخال :
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الصفا والمروه من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم @ ان الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون @ إلا الذين تابوا واصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وانا التواب الرحيم @ إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فأولئك عليهم لعنة الله والملائكه والناس أجمعين @ خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون @ وإلاهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم @ إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الارض بعد موتها وبث فيها من كل دابه واتصريف الرياح والسحاب المسخر لآيات لقوم يعقلون @أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الصفا والمروه من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح...
اعوذ بالله من الشيطان الرجيم سماء
( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا
فإن الله شاكر عليم * إن الذين يكتمون ماانزلنا من البينات والهدى من بعد مابيناه للناس في الكتاب
أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون * إلا الذين تابوا واصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم *
إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنه الله والملائكة والناس أجمعين * خالدين فيها لا يخفف عنهم
العذاب ولاهم ينظرون * وإلاهكم إله واحد لا إله الا هو الرحمن الرحيم * إن في خلق السموات والارض
واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس و ماانزل الله من السماء من ماء فأحيا به
الارض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والارض لايات لقوم يعقلون )
الخلخال :
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الصفا والمروه من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم @ ان الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون @ إلا الذين تابوا واصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وانا التواب الرحيم @ إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فأولئك عليهم لعنة الله والملائكه والناس أجمعين @ خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون @ وإلاهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم @ إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الارض بعد موتها وبث فيها من كل دابه واتصريف الرياح والسحاب المسخر لآيات لقوم يعقلون @أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الصفا والمروه من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح...
الصفحة الأخيرة
إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ } * { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } * { إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } * { خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ }المنَاسَبَة: لما أمر تعالى بذكره وشكره ودعا المؤمنين إِلى الاستعانة بالصبر والصلاة، أعقب ذلك ببيان أهمية الحج وأنه من شعائر دين الله، ثم نبّه تعالى على وجوب نشر العلم وعدم كتمانه، وذكر خطر كتمان ما أنزل الله من البيّنات والهدى، كما فعل اليهود والنصارى في كتبهم فاستحقوا اللعنة والغضب والدمار.
اللغَة: { شَعَآئِرِ ٱللَّهِ } جمع شعيرة وهي في اللغة: العلامة ومنه الشِّعار، وأشعر الهَدْي جعل له علامة ليعرف بها، والشعائر: كلُّ ما تعبّدنا الله به من أمور الدين كالطواف والسعي والأذان ونحوه. { حَجَّ } الحجُّ في اللغة: القصد، وفي الشرع: قصد البيت العتيق لأداء المناسك من الطواف والسعي { ٱعْتَمَرَ } العمرة في اللغة: الزيارة ثم صار علماً لزيارة البيت للنُّسك { جُنَاحَ } الجُناح: الميل إِلى الإِثم وقيل: هو الإِثم نفسه سمي به لأنه ميل إِلى الباطل يقال: جنح إِلى كذا إِذا مال قال ابن الأثير وأينما ورد فمعناه الإِثم والميل { يَكْتُمُونَ } الكتمان: الإِخفاء والستر { يُنْظَرُونَ } يُمهلون.
التفسِيْر: { إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ } اسم لجبلين بمقربة من البيت الحرام { مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ } أي من أعلام دينه ومناسكه التي تعبَّدنا الله بها { فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ } أي من قصد بيت الله للحج أو قصده للزيارة بأحد النسكين " الحج " أو " العمرة " { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا } أي لا حرج ولا إِثم عليه أن يسعى بينهما، فإِذا كان المشركون يسعون بينهما ويتمسحون بالأصنام، فاسعوا أنتم لله رب العالمين، ولا تتركوا الطواف بينهما خشية التشبه بالمشركين { وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً } أي من تطوّع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته المفروضة عليه، أو فعل خيراً فرضاً كان أو نفلاً { فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ } أي إِنه سبحانه شاكرٌ له طاعته ومجازيه عليها خير الجزاء، لأنه عليم بكل ما يصدر من عباده من الأعمال فلا يضيع عنده أجر المحسنين { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ } أي يخفون ما أنزلناه من الآيات البينات، والدلائل الواضحات التي تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم { مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ } أي من بعد توضيحه لهم في التوراة أو في الكتب السماوية كقوله تعالى
{ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ }
{ أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ } أي أولئك الموصوفون بقبيح الأعمال، الكاتمون لأوصاف الرسول، المحرّفون لأحكام التوراة يلعنهم الله فيبعدهم من رحمته، وتلعنهم الملائكة والمؤمنون { إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ } أي إِلا الذين ندموا على ما صنعوا، وأصلحوا ما أفسدوه بالكتمان، وبينوا للناس حقيقة ما أنزل الله فأولئك يقبل الله توبتهم ويشملهم برحمته { وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } أي كثير التوبة على عبادي، واسع الرحمة بهم، أصفح عما فرط منهم من السيئات { إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ } أي كفروا بالله واستمرّوا على الكفر حتى داهمهم الموت وهم على تلك الحالة { أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } أي يلعنهم الله وملائكته وأهل الأرض جميعاً، حتى الكفار فإنهم يوم القيامة يلعن بعضهم بعضاً { خَالِدِينَ فِيهَا } أي خالدين في النار - وفي إِضمارها تفخيم لشأنها - { لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ } أي إن عذابهم في جهنم دائم لا ينقطع لا يخف عنهم طرفة عين
{ لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ }
{ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ } أي ولا يمهلون أو يؤجلون بل يلاقيهم العذاب حال مفارقة الحياة الدنيا.
{ وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ } * { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } *
المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى حال الكافرين الجاحدين لآيات الله وما لهم من العذاب والنكال في الآخرة، ذكر هنا أدلة القدرة والوحدانية، وأتى بالبراهين على وجود الخالق الحكيم، فبدأ بذكر العالم العلوي ثم بالعالم السفلي، ثم بتعاقب الليل والنهار، ثم بالسفن التي تمخر عباب البحار، ثم بالأمطار التي فيها حياة الزروع والنفوس، ثم بما بث في الأرض من أنواع الحيوانات العجيبة، ثم بالرياح والسحب التي سخرها الله لفائدة الإِنسان وختم ذلك بالأمر بالتفكر في بدائع صنع الله، وإِعمال العقل في جميل خلقه، ليستدل العاقل بالأثر على وجود المؤثر، وبالصنعة على عظمة الخالق المدبّر الحكيم.
اللغَة: { وَإِلَـٰهُكُمْ } الإِله: المعبود بحقٍ أو باطل والمراد به هنا المعبود بحق وهو الله رب العالمين { ٱلْفُلْكِ } ما عظم من السفن وهو اسم يطلق على المفرد والجمع { وَبَثَّ } فرَّق ونشر ومنه
{ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ }
{ دَآبَّةٍ } الدابة في اللغة: كل ما يدب على الأرض من إِنسانٍ وحيوان مأخوذ من الدبيب وهو المشي رويداً وقد خصّه العرف بالحيوان، ويدل على المعنى اللغوي قوله تعالى
{ وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ }
فجمع بين الزواحف والإِنسان والحيوان { تَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ } الرياح: جمع ريح وهي نسيم الهواء، وتصريفُها تقليبها في الجهات ونقلها من حال إِلى حال، فتهب حارة وباردة، وعاصفة ولينة، وملقحة للنبات وعقيماً { ٱلْمُسَخَّرِ } من التسخير وهو التذليل والتيسير { أَندَاداً } جمع نِدّ وهو المماثل والمراد بها الأوثان والأصنام { ٱلأَسْبَابُ } جمع سبب وأصله الحبل والمراد به ما يكون بين الناس من روابط كالنسب والصداقة { كَرَّةً } الكرَّة: الرَّجعة والعودة إِلى الحالة التي كان فيها { حَسَرَاتٍ } جمع حسْرة وهي أشد الندم على شيء فائت وفي التنزيل
{ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ }
.
سَبَبُ النّزول: عن عطاء قال: أنزلت بالمدينة على النبي صلى الله عليه وسلم { وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ } فقالت كفار قريش بمكة كيف يسعُ النّاسَ إِلهٌ واحد؟ فأنزل الله تعالى { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ... إِلى قوله لآيات لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }
التفسِيْر: { وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ } أي إِلهكم المستحق للعبادة إِلهٌ واحد، لا نظير له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله { لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ } أي لا معبود بحق إِلا هو جلّ وعلا مُولي النعم ومصدر الإِحسان { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } أي إِن في إِبداع السماوات والأرض بما فيهما من عجائب الصنعة ودلائل القدرة { وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } أي تعاقبهما بنظام محكم، يأتي الليل فيعقبه النهار، وينسلخ النهار فيعقبه الليل، ويطول النهار ويقصر الليل والعكس { وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ } أي السفن الضخمة الكبيرة التي تسير في البحر على وجه الماء وهي موقرةٌ بالأثقال { بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ } أي بما فيه مصالح الناس من أنواع المتاجر والبضائع { وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ } أي وما أنزل الله من السحاب من المطر الذي جاء به حياة البلاد والعباد { فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } أي أحيا بهذا الماء الزروع والأشجار، بعد أن كانت يابسة مجدبة ليس فيها حبوب ولا ثمار { وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ } أي نشر وفرّق في الأرض من كل ما يدب عليها من أنواع الدواب، المختلفة في أحجامها وأشكالها وألوانها وأصواتها { وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ } أي تقليب الرياح في هبوبها جنوباً وشمالاً، حارة وباردة، وليّنة وعاصفة { وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ } أي السحاب المذلّل بقدرة الله، يسير حيث شاء الله وهو يحمل الماء الغزير ثم يصبُّه على الأرض قطرات قطرات، قال كعب الأحبار: السحاب غربال المطر ولولا السحاب لأفسد المطر ما يقع عليه من الأرض { لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي لدلائل وبراهين عظيمة دالة على القدرة القاهرة، والحكمة الباهرة، والرحمة الواسعة لقوم لهم عقول تعي وأبصار تدرك، وتتدبر بأن هذه الأمور من صنع إِله قادر حكيم، ثم أخبر تعالى عن سوء عاقبة المشركين الذين عبدوا غير الله