قسمة خير

قسمة خير @ksm_khyr

عضوة فعالة

ديمي .. حب أول... قصــــــــــــــــــــــــة رووووعة

الأدب النبطي والفصيح •

ديمي .. حب أول...

..........


كنا قد فرغنا لتونا من إحدى فقرات المؤتمر ، وبقى على موعد صلاة الظهر أقل من الساعة . اقترحت عليه أن نتناول كوبين من القهوة بالحليب ، مع قطعة من الكيك ، لنضع عن كاهلينا شيئا من العناء ، الذي فرضه ضغط البرنامج ، الذي بدأ مع ساعات الصباح الأولى . استحسن الفكرة ، فتوجهنا إلى الفندق ، حيث مقر إقامتنا .


في البهو الأرضي أخذنا زاوية قصية ، منحنا انعزالها بعض الخصوصية ، و كثيرا من الهدوء الذي نحتاجه . كنت قد تعرفت على مصعب في مؤتمر سابق ، فاستمرت العلاقة بيننا ، رغم بعد المسافة ، وقويت ، لتتحول إلى صداقة حميمة .

مصعب في العشرينات ، برونزي اللون ، شعره أسود فاحم ، و يكسو وجهه لحية خفيفة ، تضفي عليه مسحة من السكينة والوقار ، رغم صغر سنه . في ظلال عينيه يتوارى حزن لا يفصح عن نفسه ، ويمنع من السؤال عنه حياء ، جعل من مصعب قليل الحديث ، وجعل من يعرفه يتردد في الدخول في مغامرة لاستكشاف دخيلتة .


لم نتكلم كثيرا ، لكن مذاق القهوة الساخنة اللذيذ ، وهدوء المكان ، جعلاني أبادر (مصعب) ، عندما رأيت في محياه علامات الاسترخاء ، والاستغراق في لحظات تأمل عميقة ، لأسأله عن أصعب موقف مر به خلال السنوات الخمس ، التي مضت على وجوده هنا ، في الولايات المتحدة الأمريكية ، كشاب نشط في حقل الدعوة إلى الله .

خيل إلى ، حينما صعد نظره في ، كأنما قد سألته عن أمر كان يفكر فيه ، لحظة السؤال .. فقال ، و كأنه يدفع عن نفسه تهمة :
ـ عفا الله عنك ، وأي مواقف تستحق أن تسجل لشاب صغير مثلي ، إلا أن يكون سؤالك استفهاما عن شئ بلغك عني .

كانت عيناه تقولان شيئا قطعا ، وأحسست بالحرج من الطريقة التي رد بها علي ، ومن نظرته إلي فسكت . مرت لحظات من الصمت بيننا ، تشاغلت فيها بتحريك الملعقة داخل كوب القهوة ، الذي بقي فيه نصفه ، وتلهى هو ، بصف مكعبات السكر فوق بعضها في الطبق الذي أمامه . ثم فجأة قال لي :
ـ كأني لم أكن لطيفا في الرد على سؤالك ..؟

ـ لا .. لكن يبدو أنني لم احسن طريقة صياغة السؤال ، أو ربما أنني أقحمت نفسي في شأن خاص .
ـ لا ... ليس أي منهما ، لكن .. و ( تردد لحظة ) أسألك بالله هل بلغك شئ عني..؟
ـ لا والله ، أنت عندي فوق الشبهات ..

أطرق قليلا ، ورأيت سحابة داكنة تظلل وجهه ، ثم رفع رأسه وقال :

ـ أنت تعرف مكانتك عندي ، وسأحدثك حديثا من أعجب ما مر بي .. :

في العام الماضي مررت بتجربة .. كان الفصل الدراسي يلفظ أنفاسه أو يكاد . هذه هي المحاضرة الأخيرة ... قبل الامتحان النهائي ، وكان أستاذ المادة ، " مناهج البحث " ، قد وعدنا أن يستكمل في هذه المحاضرة ما بدأه في المحاضرة السابقة ، من شرح لأهم عناصر المادة . وكما تعلم ، نحن الذين نتحدث الإنجليزية لغة ثانية ، يهمنا جدا ، مثل هذه المحاضرات المركزة ، رغم وطأتها الثقيلة على الذهن .


كنت مستغرقا تماما في الاستماع للدكتور ، والكلمات تخرج تباعا من فمه ، مثلما يقذف بركان حممه . في هذه اللحظة ، وصل (طالب) متأخر – لم ألق له بالا – وصار يخترق الصفوف ، حتى أخذ مقعدا بجانبي . لم أره ، لكني لمحت خيالا ، وسمعت صوت تحريك الكرسي . تأكدت أنه جلس في الكرسي المجاور ، حينما طلب الدفتر الذي أسجل فيه ملاحظاتي . أعطيته إياه ، دون أن أنظر إليه ، أو حتى أسأله ، لماذا .. ، لأني كنت منشغلا بتدوين ما يقوله الدكتور .

كان الدكتور قد أنهى كلامه ، حينما سمعت (الطالب) الذي جلس بجواري يقول :
ـ أريد أن استعير دفترك .. بالمناسبة أنت مسلم ..؟

ألتفت إلى مصدر السؤال ، الذي كان مفاجئا لي ، لتصطدم عيناي بمفاجأة أكبر . لقد كان الذي جلس بجواري ، وطلب دفتري ، فتاة في غاية الجمال . كانت تقلب بين يديها لاصق من ذلك النوع الذي يوضع على مؤخرة السيارة ، والذي يحمل عبارات مثل :
" اقرأ القرآن .. آخر وحي نزل من السماء " ، أو " الإسلام آخر الديانات السماوية .. تعرف عليه " .
كان اللاصق ، مع أوراق أخرى عن الإسلام ، موجود ضمن دفتر محاضراتي ، الذي طلبت الاطلاع عليه . قلت لها ، وأنا أحاول ترتيب دفتري :

ـ نعم أنا مسلم .

كان الدكتور يجمع أوراقه ليغادر القاعة ، حينما بادرتني بسؤال آخر قائلة :
ـ بالمناسبة ما هو الإسلام ..؟
كنت مرتبكا ، مشتت الذهن ، بين الإجابة على سؤالها ، والدخول معها في حوار ، رغم ما وقع في قلبي منها ، وبين شعوري ، من جهة أخرى بالمسئولية ، بتبيان ما هو الإسلام لها .

كانت المفاجأة التي شلت قدرتي على التفكير ، هي أنني لم أتوقع موقفا كهذا . فأنا رغم مرور ثلاثة أشهر على الفصل الدراسي ، لم أر هذه الزميلة مرة واحدة ، لأني آتى آخر الناس ، قبل موعد المحاضرة بلحظات ، وأقبع في آخر مقعد في القاعة ، واخرج أول الناس لحظة انتهاء الوقت المخصص للمحاضرة ، دون أن أنظر في وجوه الطلاب الذين يشاركونني المكان . بين هذين الوقتين ، أكون مشغولا بتسجيل ما يقوله الدكتور ، أو التفكير بشأن من شئوني الخاصة خارج الجامعة .

كانت تنتظر إجابتي على سؤالها ، وهي واقفة على رأسي ، وقد خلا المكان ، إلا مني ومنها . قلت وأنا أحاول أن أتخلص من الموقف الذي وضعتني فيه :

ـ الموضوع يحتاج إلى وقت ، لكني أستطيع أن أعطيك بعض المنشورات التي تجيب على بعض تساؤلاتك .

ردت بسرعة ، قائلة بأن لديها الوقت لتسمع مني ، إن لم يكن لدي مانع . أسقط في يدي ، فقلت :
ـ نعم .. لا بأس ..

فأسرعت تقول :
ـ ما رأيك لو نجلس في الكافتيريا ، وأدعوك إلى كوب من القهوة ..؟
شعرت بحرج شديد ، وتساءلت في نفسي : ماذا لو رآك أحد ، و أنت مع هذه المرأة ؟ من سيصدق أنك تعرض عليها الإسلام ..؟ ومن سيصدق أنها هي التي ابتدأتك بالسؤال ..؟
لم تنتظر ردي ، وظنت أن صمتي علامة الرضا والموافقة ، فقالت :
ـ أشكرك على قبول الدعوة .


سرنا إلى الكافتيريا و أخذنا مكانا نائيا ، بعد أن طلبنا قهوتنا . وشرعت أحدثها عن الإسلام . أثناءها كنت أتوقف لحظات عن الحديث ، لأتيح لها فرصة السؤال عن نقاط محددة . كانت تسأل .. و كانت أسئلتها تدور حول قضايا لا علاقة لها مباشرة بالموضوع ، وأقرب ما تكون استجلاء لطبيعة شخصيتي ، وطريقتي في التفكير . لاحظت كذلك ، أنها تدون كل ما أقول .
عند هذا الحد أنهيت الحديث ، واعتذرت ، متعللا بارتباطي بموعد سابق .

حين هممت بالانصراف قالت :
ـ كيف أعيد لك أوراقك ..؟ لقد نسيت أن تخبرني بعنوانك ...
في واقع الأمر لم أنس ، ولكني لم أشأ أن تعرف أين أسكن . قلت :
ـ أنا لا أبقى في البيت كثيرا .. سأكون غدا في المكتبة ، وباستطاعتك أن تتركيها لدى الموظف في قسم الإعارة .

حملت نفسي ، وأنا أنوء ، ليس بذلك الحشد من الكتب ، التي تزدحم بها حقيبتي ، بل بوجع صرت أحسه يجثم على قلبي .

صرت معذب بين قلبي وضميري ، يتجاذبني أمران : هواي الذي يزين لي الحديث مع هذه الفتاة باسم الدعوة ، وعقلي الذي تصيح به نفسي اللوامة :
أنظر ما تصنع أنت تحوم حول الحمى توشك أن ترتع فيه .. ألا إن حمى الله محارمه .. ألا إن حمى الله محارمه ...

كنت قد وصلت سيارتي ، فألقيت بجسدي على المقعد ، و وضعت رأسي على المقود . أحسست أني أتنفس بصعوبة . احتقنت عيناي بالدموع ، لكني لم أبك . وضعت المفاتيح ، وبدأت بتشغيل السيارة .
في هذه اللحظة انطلق صوت القرآن نديا من جهاز التسجيل ، الذي كان في وضع التشغيل . يا الله ذاك الجفاف الذي كاد يخنقني ، وحاصر الدمع في عيني ، يتبدد على صدى النداء الخالد ، كلام الحق سبحانه ، فتدفق الدمع من محاجري حارا ، وصرت انشج مثل الأطفال . استغفرك ربي .. هذه شيطانة تعرضت لي ، سأطردها من خاطري ، سأجتثها من قلبي . آه يا قلبي .. ساعدني يا رب .. ساعدني .. فإن قلبي مصاب .

نمت ليلتي تلك ، بعد أن صليت وتري ، وتضرعت بين يدي الله ، أن ينصرني على نفسي والشيطان .
من الغد كنت في المكتبة في مكاني المعتاد ، في قاعة الإطروحات الجامعية ، التي تتصل عبر ممر ضيق بالجزء الخاص بالكتب التي نفدت من السوق ، ولم يعاد طباعتها . إما لأسباب قانونية ، أو لأن موضوعها قد تجاوزه الزمن .


أفضل هذا المكان لهدوئه ، ولأن قلة من الطلاب يجلس فيه ، بسبب قدم المبنى ، وتهالك الطاولات ، كما أني أظن أن قليلا من الطلاب ، يتحمل نظرات باحث كبير السن ، لا يفارق ذلك المكان ، منذ عرفت الجامعة ، وعثرت صدفة على هذه الزاوية النائية في المكتبة . هذا الرجل يظل يحدق في أي قادم جديد إلى المكان ، وتزداد نظراته حدة عند أي صوت يحدث ، حتى ولو كان رفيف تقليب صفحات كتاب .
استقريت على مقعدي ، وألقيت ابتسامة على رفيقي الباحث ،




>>>>>>>>>>>>>>




... يتبع
16
2K

يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.

تسجيل دخول

**مرفأ**
**مرفأ** •
هذه إحدى قصص الأديب/محمد الحضيف


لم أقرأها كلها

فقط مقتطفات

وبدايتها رائعة
قسمة خير
قسمة خير •
صدقت أختي ..
وهي بديل جميل للقصص الرومانسية وغيرها الخالية من أي هدف تربوي ..

وتابعونا ... ونحن نشرف بذلك ..
الأمل الراحل
الأمل الراحل •
في انتظار البقية غاليتي..
moon1426
moon1426 •
قسمة خير........
بداية شدني الأسلوب القصصي الرائع خاصة أنه لغة عربية فصحى فيستفيد القارئ بإثراء لغته وتقويتها
أسرعي عزيزتي بأكمالها فنحن بشوق لها.......وفقك الله
بنت اغلى وطن
بنت اغلى وطن •
في انتظار البقية غاليتي..
في انتظار البقية غاليتي..