...
..
.
يقولون بأن أصعب أنواع الكذب ، الكذب على الذات ..
وأنك بإمكانك أن تخدع الآخرين ، لكنك لن تستطيع أن تخدع نفسك ..
وذلك ـ لعمري ـ أمر خاطئ ..
إن أسهل كذب يمارسه الإنسان هو ذاك الذي يمارسه مع نفسه ..
وأجمل السيناريوهات ، هي تلك التي يكتبها المرء بينه وبينه ..
وأصدق التعابير تلك التي نزين بها وجوهنا ، ونغطي بها أرواحنا .!
إلا أن هناك لحظاتٍ ينفذ منها المرء إلى خلاله ، ليفاجئ بأنه ليس بتلك الروعة ..!
وليس بذاك النقاء ..
وحتى لا يغرق المرء بكل ذلك الصديد الذي يرهق روحه ، يتخذ لا وعيه تصرفاً وقائياً ..
يقنعك بأنك ـ في تلك اللحظة ـ آخر ..!
أي أنك لست أنت ، وليست تلك حقيقتك ،
تلك الثغرة الكائنة بيني وبين روحي ، أغلقتها منذ فترة ..
وحلّ محل تلك الفجوة ، باب جميل ، يسمح لي بالتحكم بكل ما يخرج من روحي إلي ..
يتيح لي الولوج إليّ ساعة أشاء ..
لأقضي في الداخل ساعات هانئة ، تذكرني بي ، تتيح لي الاطلاع على ذاتي التي حرصت على إخفاءها جيداً ، تتيح لي التنقل بين بعض ذكرياتي التي تناسيت أنني عشتها ..!
بعضها جميل لا يشبهني ، وبعضها قميء كأنه أنا ..!
...........................................
أنا الآن أقف أمام الباب تماماًَ ، لونه أزرق هادئ محبب إلى النفس ، مقبضه الأنيق لا يتيح لك الكثير من الخيارات ..!
عن أي باب أتحدث .!
عن الباب الذي يودي إلى روحي طبعاً ..
كل ما أفعله هو أن أستلقي ، بعد ذلك أغادرني لأجد نفسي أمام هذا الباب ..
أنا لا أعرف ـ حقاً ـ إلى أي شيء يفضي تحديداً .!
فقط الفضول يقتلني لأعرف ..
مرة فتحته لأفاجئ بي وأنا طفل ، ألوّث الفراش ، ثم أستيقظ مسرعاً لأجعل أخي الذي يصغرني بعامين تقريباً ، ينام في البقعة الملوّثة من الفراش ، وأغير ملابسي لأنام محلّه ..!
كنت لحظتها أقنع نفسي بأن ذلك تصرّف طفولي بريئ ..
ذاك أني كنت أعيشني ، أي أنني كنت أنا نفسي من فعل ذلك ..
أما وقد عدت لذات الموقف ، ولكن هذه المرة عن طريق الباب الأزرق ..
فقد عرفت أن المسألة لم تكن كذلك أبداً ..
لقد كان وجهي خبيثاً ..
ورائحتي منتنة ..
إن الروح التي تحث جسداً ضئيلاً على بذل كل هذا الجهد في سبيل زحزحة قنطار من الشحم
( أخي الأصغر ) لهي روح آثمة ، تعرف حقاً أين تضع جهودها ، تلك ليست روح شاعر أو فنان تشكيلي ، أو ناشط في حماية البيئة .!
تلك روح قاتل تسلسلي ، أو سفاح أطفال ..!
لا أريد أن أخبركم كيف أثرت هذه الحادثة ، وقد تكررت كثيراً ، على نفس أخي الصغير ..!
يستيقظ ليسمع التوبيخ ، أحياناً يتلقى صفعة أو صفعتين ، وفي مرات كثيرة لا يجرؤ على اللعب مع أقرانه بسبب أنهم كانوا يعايرونه ، أو لأكون أكثر تحديداً ، عندما كنت أعايره بشأن تلويثه للفراش ..!
لم أحب تلك التجربة على الإطلاق ، لقد عدت منها مشتتاً مبعثراً ، خائر القوى ، وكأن قدم فيلٍ عملاق من أفيال ( هانيبال ) قد حطمت عظامي ..!
..
.
ابن ابي فداغة
يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.
الصفحة الأخيرة
..
...
أنا الآن أقف أمام الباب تماماًَ ،
لونه أزرق هادئ محبب إلى النفس ، مقبضه الأنيق لا يتيح لك الكثير من الخيارات ..!
عن أي باب أتحدث .! عن الباب الذي يودي إلى روحي طبعاً ..
كل ما أفعله هو أن أستلقي ، بعد ذلك أغادرني لأجد نفسي أمام هذا الباب ..أنا لا أعرف ـ حقاً ـ إلى أي شيء يفضي تحديداً .!
فقط الفضول يقتلني لأعرف ..
أغلقت الباب خلفي ، والتفتّ ، هذا الباب لا يشبه ذلك الذي فتحته للتو .. لونه أسود ، وقد ملأته التشققات في أكثر من محل .. مقبضه بارد الملمس ، يتخذ شكل رأس ثعبان ..
المكان ذاته بارد ، مظلم ، كأنه القبر ...!
نعم ..
هذه هي روحي ،
أحياناً تكون كذلك ، أرضية متشققة تخرج منها الحمم في أكثر من موضع .. السماء سوداء مظلمة ..
كأنها لوحة رسمها شيطان ..!
يبدو أنني على موعد مع واحدة من التجارب المشينة ،
أي ذكرى تلك التي سوف أزور ..! أي رحلة تلك التي يعدني بها ذلك الباب اللعين ..!
صوت اصطدام عنيف بدد هذا الصمت المريب ..
لم أعرف مصدر ذلك الصوت تحديداً ،
لكنني كنت أتحرك في اتجاه شيء ما ، لا أعرف إن كان جنوباً أم شمالاً ..!
هنا أنت لا تحتاج إلى الاتجاهات ،
إن الاتجاهات يحتاجها الشخص الذي يريد الاستدلال ،
شخص يحتاج إلى معالم واضحة تحدد مصيره ،
أما الشخص الذي يعيش ذكرى فانية فهو يؤدي نفس الدور الذي أداه في تلك الذكرى التي يشاهدها ..!
لقد تعلمت تلك القاعدة بعد عدد من الزيارات إلى ذلك الباب ..
الغريب أنني كنت أحث الخطى نحو تلك البقعة ..! أدفع هذا ، وأزاحم ذاك ، مئات حالوا بيني وبين الوصول إلى موقع الحادث .!
صوت سرينة سيارة الإسعاف يدوّي مولولاً .. يبحث عن فرجة ضيقة يلج من خلالها نحو تلك الأجساد التي يرهقها الألم ..!
أخيراً وصلت ، طبعاً التقيتني هناك في المقدمة ..
كالعادة كان لوني أسوداً ، وهو اللون الغالب على جميع الأرواح التي كانت تتواجد في ذات البقعة ، باستثناء لون الأجساد الممدة ـ والذي كان أبيضاً ـ أو يميل إلى كونه كذلك ..!
هذا حادث سير شنيع ..
أشلاء مبعثرة ، دماء ، جثث تحترق ..
بمجرد أن شاهدت واحدة من الجثث ، تذكرت الحادثة على الفور ..! هذه واحدة من الذكريات السيئة ، من المستحيل أن أنساها ،
الوضع الفيزيائي المستحيل الذي اتخذته تلك الجثة لا يمكن أن يمنح أحداً ممن رآها متعة النسيان ..!
ما هذا الذي أرى ..! أي إنسان ذاك الذي يستمتع بمثل هذه المناظر ..!
لقد ارتسمت أبشع أمارات المتعة والسادية على وجهي ، أقصد روحي ..! أنياب بارزة ، لعاب يسيل ، عيون جاحظة ..!
كنت أعتقد ـ لحظتها ـ أنني أهرع لإنقاذهم ، أو هكذا أقنعت نفسي حينها ..!
كنت أقول عبارات تدل على اللهفة والاهتمام ، عبارات على غرار ( ساعدوهم ، واحد يطفي النار ، اتصلوا بالإسعاف ) ..!
الكل ـ بالتأكيد ـ كان يكرر نفس العبارات ، لا أحد يتحرك ..
الكل يقول ولا أحد يفعل ..!
هذه من اللحظات النادرة التي تظهر فيها النفس البشرية في أبشع صورها ..!
الكل تجمهر حتى يمارس أشنع أنواع ( تعذيب النفس ) .!
من البديهي أننا جميعاً تأثرنا بما شاهدنا ، لكن لماذا شاهدناه من الأساس ..!
أولاً أنت تعذب نفسك بشكل مخيف ، ثانياً أنت تستمتع جداً بكونك على قيد الحياة .! لا أحد ينكر ـ حقيقة ـ أن هناك متعة في كون المصائب تحدث .! للآخرين طبعاً
وإلا ما المتعة في أن تعيش في سلام يعيشه الجميع .! وكيف للضد أن يظهر حسنه الضد إن لم يكن هناك ضد أصلاً ..!
هذه الحقيقة ، لكن لا أحد يرغب في معرفتها ، ولا أحد يرغب في قولها ..
هذه هي العلاقة الصريحة التي تمارسها مع أنفسنا ومع الآخرين ..
لا أحد يهتم لأن يخبرك الحقيقة ، حتى من يدّعي أنه كذلك ،
هو فقط يخبرك بالجزء اليسير الذي يكفيك لأن تحكم عليه بأنه صادق ..!
هذا هو ما يهمه ، أما الحقيقة فلا أحد يبحث عنها ، ولا أحد يخبرنا بها ..!
..
...
ابن ابي فداغة