رحلة كنتُ فيها ...!!! " مشاركة في مسابقة قلم دعوي "

ملتقى الإيمان

رحلة كنتُ فيها ....





- 1 -


كنت مرتبكة وخائفة جدًا ... الأفكــار تتلاطم في ذهني والأسئلة تتناوشني ..

وأنا أقلب نظري بين الحين والآخــر في المنزل ... هل سأعود إلى هذا المنزل

مرة أخرى ...؟!! لست أدري ... في يدي كتاب مرشـدٌ لمكان الرحلة التي سأذهب إليها ...

آآآخ متى تنتهي هذه الرحلة بسرعـة ... ليتني أغمض عيني وأفتحها وأجد نفسي قد

عدتُ إلى رحــاب منزلي ....

قطع تفكيري صوت أختي وهي تقول :

هل ستأخذين هذه الملابس معك أيضــًا ...؟!!

أجبتها وأنا أتنهــد : أجل ...

ردّت وهي تقول : أنا أيضــًا سأفعل مثلك ....

رتبت حقيبتي جيدًا ووضعت فيها كلّ ما أريده ...

وبدأتُ أتخيل المكان الذي سأذهب إليه ...لم يكن يتبادر إلى خيالي

إلا صحراء شاسعـة ...

هل سأرتاح هناك في النوم ...؟!! إنّها المرة الأولى التي سأنام فيها

خارج المنزل ...

وفي اليوم الثاني كنت أقبّل يد أمي لأودعها ... يرافقني أبي وشقيقتي

الصغرى ... وخرجتُ وأنا أغالب دموعي مشفقة على نفسي من أن

لا أعود لحضنها وإلى منزلنا الذي يضمنا ... فالمكان الذي سأذهب إليه

مكان تحفه الأخطــار كما يقول الناس ...

**********************************

- 2 -

كانت الحافلة تسير بنا ... الحافلة فخمة و مجهزة بكلّ شيء ... حتى العصير

والطعـام يوزع لنا بشكل منظم ومرتب ...

أشارت أختي إلي وهي تقول بهمس : الله حركاااات .....

ابتسمت في ذهـول وأنا أقول : حقــًا كلامك صحيح ... الحافلة أيضــًا

مريحة ومكيفة ...

كان هذا مؤشرًا جيدًا لارتياحي بعض الشيء .... فبقدر قلقي وخوفي

كنت متحمسة ومتشوقـة لأرى المكان الذي سأذهب إليه وأقضي فيه

عدّة أيام .... وكلّما تخيلت المكان لا أستطيع أن أرى في ذهني سوى

صحراء شاسعة ممتدة حتى النهاية ...

توقف الباص أخيرًأ معلنـًا عن وصولنا .... نزلتُ من الباص وقلبي يخفق

الغريب في الأمر أني لم أرَ صحراء بل وجدت مخيمات كبيرة وكثيرة عن

يميني ويساري ...

وأمامي كانت تلك الخيمة الكبيرة جدًا ...

_ هيا يا أختي .... هيا يا أخوات من هنا ... ادخلن ...

كان هذا صوت المشرفة التي رافقتنا .... دخلنا ... وكانت المفاجأة

المكان ممتلئ ... الضجيج ... الصوت ... الهمهمة ... النظرات التي تختلسها

النساء لبعضهنّ بين الحين والآخــر ...

وضعنــا حقائبنا ....

********************************************
- 3 -

في الحقيقة لم أرتح أبدًا حين دخلت المكان الذي سأجلس فيه شعرت بالغربة

والوحشة ... الجميع يترقبن من حولهن ....

كانت كلّ عشرين سيدة مع مشرفة خاصة ... الخيمة التي نحن فيها كبيرة جدًا

جلست على السرير المعدّ لي والمكتوب عليه اسمي ... حيث بإمكاني تعديل

وضعيته إلى كرسي للجلوس عليه ...في حين كانت أختي بجانبي ...

التفتنا إلى المشرفة الخاصة التي ابتسمت لنا في محاولة منها لتخفيف التجهم

الذي بدى علينا ... ثمّ قالت بصوت عال :

أهلا بكم ...أهلا بضيوف الرحمن ...

ابتسمنا لها ... وبعــد وضحت لنا النظام والقوانين ... طلبت منا أن لا نتردد في

طلب أي شيء....

صلينا المغرب .... كانت أختي جدًا مكتئبة ... إذ لم ترتح للوضع ...

أما أنا فقد اتجهت إلى الحمام وحممت جسمي ... وخرجت كان بودي أن أغسله

بصابون ذا رائحــة .... ولكن لا يمكنني ذلك الآن ... ربما بعـد يوم آخـر أتمكن من ذلك ...

خرجتُ وأنا أشعـر بالنظافة ... وابتسمت إذ كنت أعتقد بأنني في هذه الرحلة

لن يبل الماء جسمي والصابون إلا بعـد يومين ... ولكن يبدو أنني فهمت الموضوع خطأ ...

طلبت من أختي أن نخرج لنمشي قليلا في الخارج ... إذ أنهم وضعوا لنا كراسي والأرض

كانت من البساط الأخضــر وشتلات متناثرة هنا وهناك ... فيبدو الأمــر وكأننا في

حديقة منزلية .... ولكنها رفضت ذلك وهي تقول : متى تنقضي هذه الأيام

و نعود إلى المنزل ... ؟!! لا أريــد أن أخرج ...

خرجتُ خارجــًا ... كانت الأجواء جميلة جدًا .. والنسمات الهادئة التي تداعب وجهي

تدفعني لأتقدم أكثر وأكثر ... حتى جعلتني أجلس ... على أحـد الكراسي ...

وهناااك تقابلت مع إحدى الفتيات ... وقليلا .. قليلا بدأت أحاديثنا تتردد في المكان ....

مرّ الوقت سريعــًا فالساعة كانت العاشرة حين افترقنا .... فكلّ منا ذهبت إلى مكانها

إذ كانت مشرفتها تختلف عن مشرفتنا ....

************************************
- 4 -

في اليوم التالي انطلقت بنا الحافلة ... إلى خيمة كبيرة ...إذ هناك سنقضي يومـًا كاملا ...

يومنا ذاك كان مختلفــًا عن سائر الأيام .. يوم يتناثر فيه الذكر ... يوم تلهج الألسن فيه بالدعــاء

لستُ أدري كيف أصفه ... حيث كان يوم لا يوصــف .... تودّع فيه الهموم .. وتُسكب العبرات

يوم يباهي الله بأهله في الملأ الأعلى .... شعــور قوي برحمة الله ولطفــه .... وبينما

نحن مشغولون بالدعـــاء .... كان هناك أشخاص يهتمون بنا و يسعـون لكسب رضانا ...

عجيب أمر هؤلاء النساء ....!!!

لابدّ أنّ لهنّ همومهنّ وآلامهنّ ... وبالرغم من ذلك فهنّ يسعين لتخفيف آلامنا ...

و خدمتنا ....

وبعـد برهة وأمامي ..مـُدّت سفرة مليئة .. بأشهى المأكولات والأطعمة ... وحين نظرت

حولي إذا بكثيرمن السُفر تمتد حولنا .. والنساء يتحلقن حولها ...

وقبل الغروب بقليل ... استعدينا للخروج من ذلك المكان ونحن نأسف عليه .. ولولا أنه

لابدّ أن نخرج منه .... لكنا جلسنا فيه ... خرجنا .. وركبنا الحافلة ... كنا متجهين

للمبيت في مكان آخــر ...

ويجب علينا أن نبيت فيه ... قالت أختي : متى سنصــل ...؟!!

قلتُ لها : ربما قريبـًا ...

لم تمض نصف ساعة حتى وصلنـا ...وهذا تيسير من الله لنا وكرم منه ....

ودخلنا في مكان ضيق جدًا ... مطوق بقماش على شكــل مربع... يعني كأننا

داخل غرفة ولكن بلا سقف ... والأرض تراااب إذ لم تكن مفروشـة .... إحساس

غريب ... هل سننام على الأرض هكذا ... ؟!!! لم يطل تساؤلي ... إذ جاءت الإجابة

حيث تمّ توزيع مفارش ومراتب صغيرة ... لنفترشها ... وننام ... كنا ملتصقات ببعض ....

وبعد صلاة العشاء ... آوينا إلى أماكننا لننام ...

كنتُ وجهــًا لوجه أمام السماء ... لم يكن هناك حاجز أو سقف بيننا وبينها ....

القمر متوهج ... والنجوم متراصة بجانب بعضها ... والهواء البارد يحرك في دخلي

الألم لحال كثير من الأشخاص الذين لا مأوى لهم ... ولا ملبس أوغطاء يتدثرون به

في هذه الليالي الباردة ....

تنهدتُ في ألم وشكرتُ الله على النعم العظيمة التي نحن فيها ....

وأغمضـتُ عيني لأنام ... وبالفعل استغرقتُ في النوم .... وكنتُ أعتقـد أنني لا

يمكن أن أنام ... ولكنني نمت .... :27:

***************************************

- 5 -

وبعد صلاة الفجر كانت الحافلة تسير بنا نحو المخيم ... وحين وصلنا غسلتُ

جسمي بسرعـة وتناولنا الفطـور ...ثمّ خرجنا لأصـعب مهمة ...مهمّة كانت تؤرقني كثيرًا ...

فمنذ الصباح وأنا في قلق مستمرّ بسبب هذا اليوم ...

خرجتُ أنا وأختي مع أبي .... سيرًا على الأقــدام .... لم يكن المكان يبعـد كثيرًا ...

نظرتُ إلى القماش الذي أحمله في يدي المشدود بعناية حيث كان فيه حصوات صغيرات ...

كانت أختي تملك مثله إذ أنّ القائمين على المخيم قاموا بتوزيعه علينا ....

كان علينا أن نرمي بها عدو الله .... وأثناء اقترابنا من المكان المنشود ... سمعتُ صوتًا غريبًا

أشبه بهدير الشلال ... وأقول لأختي : غريب..!!! صوت ماء ... صوت شلال ...

صوت جميييل جدًا وما إن اقتربنا ..حتى هالني المنظر .... كان ذلك صوت الحصوات الصغيرة

وهي ترتطم بعدو الله الأكبر ....

_ يا الله ...سبحان الله ...!!!

نطقتُ بهذه العبارة وأنا في حالة ذهول شديدة لم أستيقظ منها إلا على صوت والدي الذي طلب

مني أن أرمي الحصى الذي معي ...

لم أجــد المكان مزدحمــًا كما تخيلته ... أو مريعــًا أو مخيفــًا أو أني سأسقط بين هؤلاء الناس

أو قد تدوسني الأقـدام ....

رميتُ بكلّ أريحية ... وعدنا أنا وأختي ووالدي إلى المخيم ....

وحينما عدنا إلى المخيم .... ذهبت إلى الحمام لفت نظري الصابون السائل ذو الرائحة المختلفة

الموزع على مغاسل اليد .... فمنها ما كان برائحة الأزهار وآخر برائحة الفواكه ...

أعطتني إحداى العاملات شامبو أسوة بغيري ... ابتسمت وأنا أدخـل إلى الحمام .... أخيرًا

ستعبق الروائح في أرجاء المكان ...

خرجتُ من الحمام بسرعـة إذ أنّ هناك طابور من النساء ينتظرن دخول الحمام ... لم يكن

الوحيد ومع ذلك كان الجميع كمن ينتظر هذه اللحظة ...

وما إن خرجتُ حتى أخذت منشفتي الخاصة وأخذت أجفف شعري ....

وأراقب من حولي في دهشة وذهـول ... الملابس المختلفة ... ومساحيق التجميل

التي تتزين بها النساء... والحلي .... والضحكات ... ورائحة البخــور ....

تنفســتُ بعمق .... وفي ارتياح ...

وعلى بــعد خطوات مني تقترب سيدتان لا أعرفهما ... وتهنئاني بحلول العيد ....

الجميع مبتهج وسعيد .... الحلوى توزع ... لست أدري ما الشعور الذي انتابني وقتها ....

شعــور جعلني أحلق في جمال العلاقات الإنسانية الراقية .... يومان فقط ... يومان لا غير

خلقت جسرًا من التواصـل ... فبدلا من النظرات المتباعدة والمتنافرة أصبحت النظرات المتبادلة

نظرات ود ومحبة وألفة ... وتبادل الأحاديث الشيقة بين بعضنا البعض ...

لم يكن لدينا ما نفعله سوى الاستغفار والذكـر ...تفرغ كامل للعبادة ... فهناك من يسألني :

ماذا تريدين ..؟!! هل ينقصك شيء ..؟!! أأنت مرتاحة ...؟!!

الطعــام يُوضَع بين أيدينا ... من كلّ الأصناف والأنواع ... ففي كلّ يوم طعام مختلف ....

وأحاديث ومحاضرات مختلفة ... بل ومسابقات مفيدة ....

ناهيك عن المتجر الصغير الذي يضم أنواع الحلوى والبطاطس ... والعصيرات ... والقهوة الحارة

والشاي .... حيث تأخذين ماشئت بدون مـــااال ...!!!! حيث علّقت شقيقتي على هذا الأمر

قائلة : ..كيف ...؟!! أشعر بصعوبة الأمــر ...لم أعتد أن آخـذ شيء بدون مــال ...

ابتسمت لها وقلت :لقد دفعنا ذلك سلفـًا ... قالت : مهما يكن ... الأمر غريب بالنسبة لي

ولكنه ممتع ....

بقي يومين ونرحل عن هنا .... كأنني هنا منذ ثلاث سنوات ....

لم يكن لدينا ما نفعله في اليومين القادمين سوى الخروج للرمي ...

والذكر وقراءة القرآن ... وتبادل الأحاديث النقية الراقية ....

خرجتُ من المخيم .... وجلستُ على أحد الكراسي .... كانت هناك جماعات متحلقة تجلس

على الأرض وأخرى على الكراسي ... كنتُ أتأمل الساعة بين الحين والآخــر ...

كنت على موعـد مهم ... وحين أشار العقرب الصغير على الثانية عشر ...أخذت سجادتي

وتواريت عن الأنـظــار ... وبين الأضواء الخافتة مددتُ سجادتي ...


****************************************

- 6 -


نظرت أختي بأسى إلي وهي تقول : كنتُ أنتظر يوم رحيلنا من هنا ... أما الآن فلا أريد

أن أرحــل .... أريد أن أبقى هنا ....

لم يتبق سوى يوم واحــد ونودع هذا المكان الذي ارتبط بنا وارتبطنا به .... شعرنا بأنه

جزء منا ....

فمجموعتنا المؤلفة من عشرين شخصـًا ... كانت قد تآلفت وانسجمت جيدًا مع بعضها

البعض ... شقيقتي التي كانت مكتئبة وصعبة الإنسجام مع الآخرين ..

أصبحت لا تريد الرحيل ...

يا للعجب ... كيف أنّ الأجواء والمعاملة الراقية تغيّر فكر المرء مهما كان صعبـًا ولا يحب

الإنسجام مع الآخرين ...

في تلك الليلة التي تسبق رحيلنا بيوم جلسنا جميعـًا حول بعضنا البعض ...

وكانت مشرفتنا معنا ..تبادلنا فيها الأحاديث والقصص إذ كلّ واحدة تحدثت عن نفسها

وقالت قصة أثّرت بها ... كانت أجواءً لا تنسى ,...

إنها الليلة الأخيرة مع بعضنا البعض .... لذا اتفقنا أن نطبعها بطابع مميز ....

وبالفعــل ... كانت ليلة مميزة فمازالت ذكراها محفورة في قلبي وذاكرتي ....


************************************

- 7 -

أشرقت شمس اليوم التالي ....

و حاااان موعــد الرحيل للأســـف .... ودعنا بعضنا البعض ... منهنّ من

ودّعت بدموع ... وأخـرى على أمل اللقـاء ... وأخرى بتبادل الأرقام والبريد الإلكتروني ....

ركبنا الحافلة ... ومن هناك على مكة حيث طواف الوداع ....

انتهينا بسرعــة لقد كانت الأمور ميسرة للغاية ....

ومن هناك قرر والدي أن نركب سيارة أجرة ... حتى نعود بسرعـة إلى المنزل .....

نظرتُ خلفي بألم على تلك الأيام الخمسة التي قضيتها في ذلك المخيم ....

الذي أصبح جزءًا من ذاكرتي ... كم كانت أيامــًا رااائعة ... كأنها خمس ثوان من فرط

المتعـة والسعادة التي رفرف فيها قلبي هنــاك .....

يالها من رحــلة عظيمة ... لقد كانت هذه الرحلة هي رحلة حج الفريضة ....

رحلة حملت همّها وكربها ....!!!! رحلة تمنيت أن أغمض عيني وأفتحها

وأن أنتهي منها بسرعة ... دون أن أعرف تفاصيلها الممتعة والراائعـة ...

ولكني الآن أتذكر تلك الأيام بحسرة وأتمنى أن تعود ولو للحظـة ...

أيام شعرت فيها بمعنى ضيوف الرحمـن ... شعرتُ فيها بالتدليل والراحة ...

إنها أيام معلومات معدودات ... ولكني تمنيت لو أنها لم تنته .....

حــقــًا لقد كانت ...
رحلة كنتُ فيها .... ملكة ...


صوت العدالة

بتاريخ : 27 / 11 /1431 هــ


:27:
18
1K

يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.

تسجيل دخول

بيان البيان
بيان البيان
ياالله ماامتعها من رحله عسى الله ان يدعونا لها مرة أخرى
بارك الله فيك وجزاك خير قصة رائعه
نور نور الدنيا
أسْع‘ـدَالله قَلِبِكْ .. وَشَرَحَ صَدِركْ ..

وأنَــــآرَدَرِبــكْ .. وَفَرَجَ هَمِكْ ..

يَع‘ـطِيِكْ رِبي العَ‘ــآآإفِيَه عَلىآ الطَرِحْ المُفِيدْ ..~

جَعَ‘ـلَهْالله فِي مُيزَآإنْ حَسَنَـآتِك يوًم القِيَــآمَه ..

وشَفِيعْ لَكِ يَومَ الحِسَــآإبْ ..~
ن2009ووف
ن2009ووف
تدرين اني كنت خايف مررررررررررة والحين من كلامك ارتحت (اسم للحملة على الخاص وسعرها لو سمحتي)
ورده الجوري
ورده الجوري
ـ أم ريـــــم ـ