د. خالد بن عبد الله القاسم
11/10/1425
24/11/2004
منذ صدور البيان الموجه للعراقيين ومعظم الكتابات التي تنشر في الصحف المحلية وفي الشبكة العنكبوتية يوميًا تهاجم البيان، مع تنوع الأساليب من التهكم بالكاتبين، والسخرية منهم، أو وصفهم بالسفه، أو السعي لمصالح خاصة، مع محاولة مكشوفة لاستعداء الدولة عليهم، أو نزع الوطنية عنهم، أو التشهير بهم؛بل ووصفهم أحيانًا بالخروج على ولي الأمر، وإثارة الفتن، بل بلغ الأمر ببعضهم إلى استباحة دمائهم وأموالهم (كما في صحيفة "الوطن" 8/10/1425هـ)، وآخرين إلى تحريض المحتل، وقد قال أحدهم: (إنه يمكن لمؤسسات حكومية وأهلية في العراق أو حتى في الولايات المتحدة الأمريكية التي تقود الحرب الدولية على الإرهاب مقاضاة أصحاب هذه النصوص التحريضية (صحيفة "الجزيرة" 9/10/1425هـ) لا أدري من المحرض وقد أيد البيان علماء العراق ولم يطالهم الاحتلال بشيء، وإني أتساءل: أهم أحرص من الاحتلال ذاته؟
نحن مسؤولون عما نكتب ومقاومة المحتل من البدهيات في الشرائع السماوية والقوانين الأرضية والسؤال: من الذي يقف أمام القضاء؟ هل من ينصر المظلوم، أم من يحتل العراق بكذبة؟ وهذا ينطبق على كل من صفق له، ونحن نذكِّر الجميع بقول المولى سبحانه وتعالى: (أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين) (أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً)، ونحن نعلم أن البيان عكّر مزاج المحتل وآخرين معه والعبرة بما يرضي الله –سبحانه وتعالى- وما هو في مصلحة الأمة.
ولم يتناول كثير من البيان بقراءة موضوعية؛ بل لم تنشره أي صحيفة محلية مع نشرها لعشرات المقالات الانتقادية، فالبيان دعا باختصار إلى وحدة العراق وإلى وأد الفتنة بين أبنائه، وإلى عدم استهداف الأبرياء، وإلى مناصرة الشعب العراقي ضد الاحتلال أو عدم التعاون مع الاحتلال وإلى حقن الدماء بين العراقيين، ولم يدعُ البيان إلى الفتنة ولا إلى خروج على ولاة الأمور، وليس في البيان دعوة الشباب أو غيرهم إلى الذهاب إلى العراق؛ حيث كان موجهاً –أصلاً- للشعب العراقي، لقد كان البيان يتحدث عن الحالة العراقية التي لا تسرّ وهي بداية لأكل الثور الأبيض. وعندما نتحدث عن العراق فإننا نتحدث عن بلد مسلم جار لنا يهمنا أمره ويسوؤنا ما يسوؤه ويضرنا ما يضره، وهو محتل كفلسطين. ألم يقل المصطفى –صلى الله عليه وسلم-:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
هل الحديث عن العراق أمر محرم؟ والبيان لم يخرج إلا بعد أن مُلئت آذاننا من أصوات المخذِّلين الذين هم في الحقيقة عون للاحتلال شعروا أم لم يشعروا! أم ساغ لهم ما لم يسغ لنا! ويحل لهم ما يحرم علينا! وهل الحديث عن شرعية المقاومة أمر محرم؟! والبيان لا يعني بالمقاومة ما تقوم به جهات مشبوهة واستخبارات معادية في استهداف الأبرياء وزرع الفتنة؛ بل إن البيان يحذِّر من هذا، وهو في أقل أحواله رأي فقهي له وجاهته أفتى به عشرات العلماء في شتى بقاع العالم الإسلامي، وهو حق للشعوب في كافة الأعراف.
فهذا مجلس أمناء الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين يصرح بشرعية المقاومة على لسان أمينه العام الدكتور محمد سليم العوا، وكذلك الشيخ يوسف القرضاوي.
ومفتي المملكة عندما سُئل: هل العراق يعدُّ فيه الجهاد فرض عين؟ وهل يلزم علينا أن نذهب إلى الجهاد في العراق؟ فقال:"أما هم في أنفسهم فلا شك أن عليهم أن يدافعوا عن أنفسهم؛ لأنهم ابتلوا في نفوسهم وأموالهم وبلادهم فلا شك أنهم مدافعون ونرجو لهم التوفيق أما غيرهم فعليه أن يدعو لهم". (الوطن 29/2/1425هـ).
وفرق بين البدء بالجهاد وجهاد الطلب الذي له شروطه، وبين دفع الصائل (جهاد الدفع) والدفاع عن النفس الذي يجب بحسب القدرة. قال ابن قدامة –رحمه الله-:"ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع... وذكر منها إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم"، وقال ابن تيمية:"فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه". وقال نحو قولهما عامة فقهاء الإسلام، ونقل الإجماع ابن حزم -رحمه الله- حيث قال:"واتفقوا أن دفاع المشركين وأهل الكفر عن بيضة الإسلام وقراهم وحصونهم وحريمهم إذا نزلوا على المسلمين فرض على الأحرار البالغين المطيقين". وهذا الدفع لأهل العراق لا يشترط فيه وجود أو إذن الإمام كما قال الإمام عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ عندما ردّ على من قال ذلك:"بأي كتاب أم بأية حجة أن الجهاد لا يجب إلا مع إمام يتبع"، والجميع يرى تأثر المحتلين بالمقاومة وهو أمر لا ينكره عاقل. وهو احتلال يستهدف الدين والوحدة والحضارة والثقافة والهوية والثروة النفطية وغيرها.
أما ما يتعلق بما جاء في البيان (والنصر قدر المستطاع) فهي صريح كتاب الله وسنة رسوله –صلى الله عليه وسلم-، وهي من حقوق المؤمنين، ولا يختلف فيها عالمان وأقل أحوالها الدعاء لهم كما ذكر ذلك مفتي عام المملكة العربية السعودية ونصرهم بالكلمة لمن أتيح له، وقد صرح عدد كبير من موقعي البيان أن النصرة البدنية ليست في صالحهم، بل منعوا منها. ولعل من النصر بقاء التواصل بينهم وبين العلماء في العالم الإسلامي، وذلك لمحاصرة الأفكار الغالية والمتطرفة ولوأد الفتن بينهم، وهذا ما أراد البيان إيصاله.
وكما يقال:"أهل مكة أدرى بشعابها" وعلماء العراق هم أدرى بواقعهم، وأعرف بما يناسبه وما يصلح له؛ فتحت عنوان (علماء السنة بالعراق يرحبون بخطاب نظرائهم السعوديين الرياض –عبد الحي شاهين 26/9/1425هـ).
رحبت هيئة علماء المسلمين في العراق بالبيان الذي صدر مؤخراً من السعودية ووقّع عليه (26) عالماً شرعياً أقروا فيه بشرعية المقاومة في العراق وتحريم التعاون مع قوات الاحتلال في البلد، وأكد الدكتور محمد عياش الكبيسي ممثل هيئة العلماء المسلمين العراقيين في الخارج أن فحوى ومضامين خطاب العلماء السعوديين جاء منسجماً مع توجهات الهيئة، ومع كل البيانات التي سبق وأن أصدرتها، وقال الكبيسي الذي كان يتحدث لـ (الإسلام اليوم) من مقر إقامته في الدوحة: إن خطاب الـ (26) عالماً كان موفقاً في توقيته، وفيما نص عليه من ضرورة التوحد بين العراقيين لتفويت الفرصة على الاحتلال في تطبيق سياسته المعهودة في التفريق بين أبناء البلد وضرب بعضهم بالبعض. وأضاف الكبيسي في تصريحه:"إن شرعية المقاومة هو أصل واضح في الشرع، وهيئة العلماء أكدت على هذا الأصل في أكثر من مناسبة، وفي عدة بيانات غير أن مجيء هذا التأكيد من العلماء في السعودية له تأثير كبير على العراقيين لمكانة (علماء الحرمين في نفوسهم)". ورأى ممثل العلماء العراقيين في الخارج أن توقيت الخطاب كان مناسباً جداً مع المرحلة التي يعايشها العراقيون حالياً لأنهم في أشد الحاجة إلى هذه المواقف.
إننا لم نسمع من كثير من هؤلاء المنتقدين للبيان كلمة حق في بلد اغتصبت أرضه، ونهبت خيراته وثرواته، وانتهكت حرماته ومقدساته في حرب بشعة انتقدها جهات إنسانية في الغرب.
إنني آسف لهذه الطريقة التي تناول بها إخواننا البيان والكيل من التهم والتحريض، وكان الأولى وحدة الصف والنقد الهادف وفتح الصدور للآراء المخالفة، والبعد عن الهوى، وعدم الأمركة أكثر من الأمريكان، والنصيحة الخالصة لله ولرسوله، وهي باعثنا لهذا البيان ونحن والله أحرص ما يكون على السمع والطاعة في المنشط والمكره وعلى وحدة الصف، وعلى النصح لله ورسوله وولاة المسلمين، وإننا مع اهتمامنا بشأن العراق فاهتمامنا بشبابنا وشباب الإسلام ومصالحه أولى، ونحن أول من أدان الإرهاب والغلو والتطرف في بلدنا في وسائل الإعلام وخطب الجمعة وفي قاعات الدرس والمجالس العامة والخاصة.
نسأل الله تعالى أن يُصلح أحوالنا، وأن يؤمننا في أوطاننا، ويهدي ولاة أمورنا لكل خير، وأن يغفر لكل من أساء لنا، وأن يتولانا برحمته، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله ومن تبعه بإحسان.

ابي الاسلام @aby_alaslam
مفكرة المجلس
يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.
خليك أول من تشارك برأيها 💁🏻♀️