مدام وائل
مدام وائل
بارك الله فيكى يا أختى وجزاكى كل خير على موضوعك القيم وجعله فى ميزان حسناتك اللهم امين
مدام د/ وائل
سلمى أم الخير
سلمى أم الخير
توحيد الألوهية



في معنى توحيد الألوهية وأنه موضوعُ دعوةِ الرُّسُل‏

توحيدُ الألوهية‏:‏ الألوهية هي العبادة

وتوحيدُ الألوهية هو‏:‏ إفرادُ الله تعالى بأفعال العباد التي يفعلونها على وجه التقرب المشروع، كالدعاء والنذر والنحر، والرجاء والخوف، والتوكل والرغبة والرهبة والإنابة، وهذا النوع من التوحيد هو موضوع دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ‏}‏ ‏‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَاْ فَاعْبُدُونِ‏}‏ ‏‏‏.‏

وكلُّ رسول يبدأ دعوته لقومه بالأمر بتوحيد الألوهية، كما قال نوح وهود وصالح وشعيب‏:‏ ‏{‏يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ‏}‏ ‏‏، ‏{‏وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ‏}‏ ‏‏‏.‏

وأنزل على محمد صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ‏}‏ ‏‏‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أمرت أن أقاتل الناس؛ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله‏)‏ ‏‏‏.‏

وأول واجب على المكلف‏:‏ شهادة أن لا إله إلا الله والعمل بها، قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ‏}‏ ‏‏‏.‏

وأول ما يؤمر به مَنْ يريد الدخول في الإسلام‏:‏ النطقُ بالشهادتين، فتبين من هذا‏:‏ أن توحيد الألوهية هو مقصودُ دعوة الرُّسل، وسُمِّي بذلك؛ لأن الألوهية وصف الله تعالى الدال عليه اسمه تعالى ‏(‏الله‏)‏، فالله‏:‏ ذو الألوهية، أي المعبود‏.‏

ويقال له‏:‏ توحيد العبادة؛ باعتبار أن العبودية وصفُ العبد، حيثُ إنه يجبُ عليه أن يعبد الله مخلصًا في ذلك؛ لحاجته إلى ربه وفقره إليه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -‏:‏

‏(‏واعلم أن فقر العبد إلى الله‏:‏ أن يعبده لا يُشرك به شيئًا، ليس له نظير فيُقاسُ به؛ لكن يُشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الطعام والشراب، وبينهما فروق كثيرة؛ فإن حقيقة العبد قلبه وروحه، وهي لا صلاحَ لها إلا بإلهها الله الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره‏.‏ ولو حَصَلَ للعبد لذّات وسرور بغير الله، فلا يدوم ذلك، بل ينتقل من نوعٍ إلى نوعٍ، ومن شخص إلى شخص، وأما إلهه فلابد له منه في كل حال، وكل وقت وأينما كان فهو معه‏)‏ ‏‏.‏

وكان هذا النوع من التوحيد هو موضوع دعوة الرسل؛ لأنه الأساسُ الذي تُبنى عليه جميع الأعمال، وبدون تحققه لا تصحُّ جميعُ الأعمال‏:‏ فإنه إذا لم يتحقق؛ حصل ضده، وهو الشركُ، وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ‏}‏ ‏‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏ ‏‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ‏}‏ ‏‏‏.‏

ولأن هذا النوع من التوحيد؛ هو أول الحقوق الواجبة على العبد، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا‏}‏ ‏‏ الآية، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا‏}‏ ‏‏ الآية، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا‏}‏ ‏‏ الآيات‏.



في العبادة‏:‏ معناها - أنواعها - شمولها
1ـ معنى العبادة
أصل العبادة التذلل والخضوع‏.‏‏.‏

وفي الشرع‏:‏ لها تعاريف كثيرة، ومعناها واحد‏.‏‏.‏

منها‏:‏ أنَّ العبادة هي طاعة الله بامتثال ما أمرَ الله به على ألسنة رسله‏.‏

ومنها‏:‏ أن العبادة، معناها‏:‏ التذلُّل لله سبحانه فهي‏:‏ غايةُ الذّلِّ لله تعالى مع غاية حُبّه، والتعريف الجامع لها هو أن العبادة‏:‏ اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه؛ من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة‏.‏

وهي مُنقسمة على القلب واللسان والجوارح، فالخوف والرجاء، والمحبة والتوكل، والرغبة والرهبة‏:‏ عبادة قلبية، والتسبيح والتهليل والتكبير، والحمد والشكر باللسان والقلب‏:‏ عبادة لسانية قلبية‏.‏

والصلاة والزكاة والحج والجهاد‏:‏ عبادة بدنية قلبية، إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي تجري على القلب واللسان والجوارح، وهي كثيرة‏.‏

والعبادةُ‏:‏ هي التي خلق الله الخلق من أجلها، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ‏}‏ ‏‏‏.‏

فأخبر سبحانه أن الحكمة من خلق الجن والإنس‏:‏ هي قيامهم بعبادة الله، والله غنيٌّ عن عبادتهم، وإنما هم المحتاجون إليها لفقرهم إلى الله تعالى، فيعبدونه على وفق شريعته، فمن أبى أن يعبد الله؛ فهو مستكبر‏.‏ ومن عبده وعبد معه غيره؛ فهو مشرك‏.‏ ومن عبده وحده بغير ما شرع؛ فهو مبتدع‏.‏ ومن عبده وحده بما شرع فهو المؤمن الموحِّد‏.‏

2 ـ أنواع العبادة وشمولها
العبادة لها أنواع كثيرة؛ فهي تشمل كل أنواع الطاعات الظاهرة على اللسان والجوارح، والصادرة عن القلب؛ كالذكر والتسبيح والتهليل وتلاوة القرآن، والصلاة والزكاة والصيام، والحج، والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين وابن السبيل، وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، فهي شاملة لكل تصرفات المؤمن؛ إذا نوى بها القربة أو ما يعين عليها‏.‏ حتى العادات، إذا قصد بها التقوِّي على الطاعات، كالنوم والأكل والشرب، والبيع والشراء وطلب الرزق والنكاح، فإن هذه العادات مع النية الصالحة تصيرُ عبادات؛ يثاب عليها، وليست العبادة قاصرة على الشعائر المعروفة‏.



في التشريع‏:‏ التحليل - التحريم - حق الله‏
التشريع حق لله تعالى
والمراد بالتشريع‏:‏ ما ينزِّلُه الله لعباده من المنهج الذي يسيرون عليه في العقائد والمعاملات وغيرها؛ ومن ذلك التحليل والتحريم، فليس لأحد أن يحل إلا ما أحله الله، ولا يحرم إلا ما حرم الله، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ‏}‏ ‏‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ‏}‏ ‏‏‏.‏

فقد نهى الله عن التحليل والتحريم؛ بدون دليل من الكتاب والسنة، وأخبر أن ذلك من الكذب على الله، كما أخبر سبحانه أنَّ من أوجَبَ شيئًا أو حرَّمَ شيئًا من غير دليل؛ فقد جعل نفسه شريكًا لله فيما هو من خصائصه، وهو التشريع، قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ‏}‏ ‏‏‏.‏

ومن أطاع هذا المشرِّع من دون الله وهو يعلم بذلك ووافقه على فعله، فقد أشركه مع الله، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ‏}‏ ‏‏‏.‏

يعني‏:‏ الذين يُحلّون ما حرَّم الله من الميتات، مَن أطاعهم في ذلك فهو مشرك، كما أخبر سبحانه أن من أطاع الأحبار والرهبان في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحله الله؛ فقد اتخذهم أربابًا من دون الله، قال تعالى‏:‏ ‏{‏اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ ‏‏‏.‏

ولما سمع عديّ بنُ حاتم - رضي الله عنه - هذه الآية، قال‏:‏ يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أليسوا يُحلون ما حرَّم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه‏)‏‏؟‏ قال‏:‏ بلى، قال‏:‏ ‏(‏فتلك عبادتهم‏)‏ ‏‏‏.‏

قال الشيخُ عبد الرحمن بن حسن - رحمه الله -‏:‏ ‏(‏وفي الحديث دليل على أنَّ طاعةَ الأحبار والرهبان في معصية الله؛ عبادة لهم من دون الله، ومن الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله؛ بقوله تعالى في آخر الآية‏:‏ ‏{‏وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏‏.‏

ونظير ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ‏}‏ ‏‏‏.‏

وهذا وقع فيه كثيرٌ من النَّاس مع من قلدوهم؛ لعدم اعتبارهم الدليل إذا خالف المُقلَّد؛ وهو من هذا الشرك‏)‏ انتهى‏.‏

فالتزام شرع الله، وترك شرع ما سواه، هو من مقتضى لا إله إلا الله، والله المستعان‏.



في بيان مفاهيم خاطئةٍ في تحديد العبادة

العبادات توقيفية
بمعنى‏:‏ أنه لا يشرع شيء منها إلا بدليل من الكتاب والسنة، وما لم يشرع يعتبر بدعة مردودة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد‏)‏ ‏‏ أي مردود عليه عمله، لا يقبل منه، بل يأثم عليه؛ لأنه معصية وليس طاعة، ثم إن المنهج السليم في أداء العبادات المشروعة هو‏:‏ الاعتدال بين التساهل والتكاسل؛ وبين التشدد والغلو‏.‏ قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ‏}‏ ‏‏‏.‏

فهذه الآية الكريمة فيها رسم لخطة المنهج السليم في فعل العبادات، وذلك بالاستقامة في فعلها على الطريق المعتدل؛ الذي ليس فيه إفراط ولا تفريط؛ حسب الشرع ‏(‏كما أمرت‏)‏ ثم أكد ذلك بقوله‏:‏ ‏(‏ولا تطغوا‏)‏ والطغيان‏:‏ مجاوزة الحد بالتشدد والتنطع، وهو الغلو‏.‏ ولما علم صلى الله عليه وسلم بأن ثلاثة من أصحابه تقالوا في أعمالهم، حيث قال أحدهم‏:‏ أنا أصوم ولا أفطر، وقال الآخر‏:‏ أنا أصلي ولا أرقد، وقال الثالث‏:‏ أنا لا أتزوج النساء‏.‏ قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أما أنا فأصوم وأفطر وأتزوج النساء، فمن رغب عن سُنَّتي فليس مني‏)‏ ‏‏‏.‏

وهناك الآن فئتان من الناس على طرفي نقيض في أمر العبادة‏.‏

الفئة الأولى‏:‏ قصَّرت في مفهوم العبادة وتساهلت في أدائها حتى عطلت كثيرًا من أنواعها، وقصرتها على أعمال محدودة، وشعائر قليلة تؤدى في المسجد فقط، ولا مجال للعبادة في البيت، ولا في المكتب، ولا في المتجر، ولا في الشارع، ولا في المعاملات، وفي السياسة، ولا الحكم في المنازعات، ولا غير ذلك من شئون الحياة‏.‏

نعم للمسجد فضلٌ، ويجب أن تؤدى فيه الصلوات الخمس، ولكن العبادة تشمل كل حياة المسلم؛ داخل المسجد وخارجه‏.‏

والفئة الثانية‏:‏ تشددت في تطبيق العبادات إلى حد التطرف، فرفعت المستحبات إلى مرتبة الواجبات، وحرَّمت بعض المباحات، وحكمت بالتضليل أو التخطئة على من خالف منهجها، وخطَّأ مفاهيمها‏.‏ وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها‏.‏





_________________________________________
منقول بتصرف من كتاب "عقيـــدة التوحيد"
لفضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان بن عبدالله الفوزان
عضو اللجنة الدائمة للإفتاء وعضو هيئة كبار العلماء






الحلقة القادمة: توحيد الألوهية‏

نسألكم نشر الرسالة و الدعاء