,,/ تَرَفْ !

,,/ تَرَفْ ! @trf_17

كبيرة محررات

( صبر الأولياء في منازل الابتلاء ) -- للشيخ عائض القرني

ملتقى الإيمان

أنواع الابتلاء

واسمعوا الآن إلى الصالحين في قصص عجيبة، وفي إيراد رحب واسع عذب، يورده سُبحَانَهُ وَتَعَالى في القرآن، ويورده رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة، وأهل السير من أرباب الحديث ومن حفظة السنة.
يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى عن أيوب لما مسه الضر: ( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) أصيب بمرض في جسمه فمكث ثمانية عشر عاماً، لا يهدأ، لا يذوق طعاماً، ولا يتلذذ بشراب، ولا يكتحل بمنام، فلما بلغ ثمانية عشر عاماً -كما قال أهل التفسير- عاد وقالت له زوجته: لم لا تشتكِ على الله عز وجل؟ لم لا تعرض نجواك وشكواك على الواحد الأحد؛ فإنه يكشف الضر ( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ) فقال: لا والله لا أدعوه حتى تتساوى أيام صحتي وأيام ابتلائي، فإن أيام الصحة لا تحسب عند كثير من الناس، نُصَح كثيراً، وننعم سنوات طويلة، فإذا أتت البلوى سنة استكثرنا السنة، وحسبناها وأحصيناها، أما أيام الرخاء فلا تحسب.
فصبر أيوب مثل أيام صحته ثم قال، وانظر ما أحسن الأدب: ( أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) أنا المريض وبيدك الشفاء، فإن كنت ترى أني قد أصبحت في حال ترضى لي بالعافية فعافني يا رب! فأحب ما أحببته أنت والأمر ما أحببته أنت.
ولذلك ذكروا عن خليفة الإسلام الصادق الزاهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، يوم أن دخلوا عليه وهو مريض، فقالوا: ماذا أصابك؟ قال: الله أعلم ما أصابني؟ قالوا: ألا ندعو لك طبيباً؟ قال: الطبيب قد رآني، قالوا: ماذا قال لك الطبيب؟ قال: يقول إني فعال لما أُريد، وأخذها بعض الناظمين فقال:
كيف أشكو إلى طبيبـي ما بي والذي قد أصابني من طبيبـي
وذكر بعض الكتبة في ترجمة ابن تيمية أنهم دخلوا عليه وهو مريض، فقالوا: يا أبا العباس ! مالك؟ فرفع رأسه وقال:
تموت النفوس بأوصابها ولم يدر عوادها ما بها
وما أنصفت مهجة تشتكي أذاها إلى غير أحبابها
ولذلك انظر إلى يعقوب ما أحسن عبارته يوم قال: ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) ثم يقول: ( إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ) فالبث والحزن يشكى إليه سُبحَانَهُ وَتَعَالى، فهو من باب رفع الشكوى إليه سُبحَانَهُ وَتَعَالى.
إذاً: الابتلاء بالأمراض والمصائب والزلازل والمحن من الأقدار التي يقدرها الله على الناس، والله عز وجل أعلم بالأجسام التي تتحمل المرض من غيرها.
وفي الطبراني بسند فيه نظر، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {يقول الله تعالى: إني أعلم بعبادي، من عبادي من لو ابتليته لما صبر، ومنهم من لو عافيته لما شكر، فأنا أُصرِّف عبادي كيف أشاء } فله سُبحَانَهُ وَتَعَالى الحكمة البالغة، فالمرض من الابتلاءات العظيمة التي مرت في تاريخ هذه الدنيا؛ منذ خلقها الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ابتلى الله عز وجل أيوب بهذا المرض، فقال هذه القولة: ( أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) وذكر ابن حجر في الإصابة أن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى ابتلى أحد الصحابة الأخيار وهو عمران بن حصين بن عبيد الخزاعي ، المجاهد الشهير الصحابي النحرير، ابتلاه الله بمرض مكث بسببه ثلاثين سنة لا يقوم من على فراشه، فقال له بعض الصالحين: لو شكوت، أو رفعت ضرك إلى الله؟ قال: أحبه إلى الله أحبه إلي، ما دام أن الله يرضى هذا لي، فأنا أرضاه لنفسي، فكانت الملائكة تصافحه بأيمانها مع كل فجر، وهذه من كرامات الأولياء التي أقرها أهل السنة والجماعة ، فنحن نقول بها، يستبعد أن الملائكة كانت تصافحه؛ لأنه صبر واحتسب ثلاثين سنة، فشكر الله له سعيه، وجازاه في الدنيا بمصافحة الملائكة، والخير العميم والأجر والثواب عند الله تبارك وتعالى.

الابتلاء بفوت الأعضاء


وقد يبتلي الله عز وجل الإنسان في جسمه بفوت أعضائه، فالعقل نعمة من أعظم النعم، بل هي تأتي بعد نعمة الدين، ولكن إذا حكم الله بسلب عقل هذا المخلوق وأخذ عقله، فمالك إلا أن تسلم وتحتسب.
عن عطاء بن أبي رباح في الصحيحين ، قال: قال لي ابن عباس : يا عطاء ! ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بأبي أنت وأمي نعم، قال: هذه المرأة السوداء، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: {يا رسول الله إني أصرع -أي: يصيبها مس من الجان فتصرع- فادع الله لي، قال: إن شئت دعوت الله لك، وإن شئت صبرت واحتسبت ولك الجنة -ما أحسن الخيارين! وما أحسن الخيار الثاني! عرض عليها خطتين، وخيرها بين طريقين، وأنزلها منزلتين- فقالت: أصبر وأحتسب، ولكني أتكشف فادع الله لي يا رسول الله! فدعا لها ألا تتكشف } فهي من أهل الجنة تمشي على الأرض؛ لأنها احتسبت عقلها وهو من أعظم النعم، فلما فوضت الأمر إلى الحي القيوم، جازاها الله بجنة عرضها السماوات والأرض.
والله عز وجل قد يبتلي عبده بالبصر، والبصر نعمة من النعم الجليلة، يوم ترى الحياة، وتذوق الجمال، وتتعرف على الأشياء والذوات والأشخاص بالعينين الجميلتين، لكن إذا حكم الله بطمس نورهما، فمالك من حيلة إلا الصبر والتسليم، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: {من ابتليته بحبيبتيه فصبر عوضته عنهما الجنة } ما أحسن الكلام! وما أحسن إيراد الحديث! لم يقل عينيه، وإنما قال حبيبتيه؛ لأنه يحبب العينين إلى صاحبها، فكأنها أحب إليه من كل شيء، فيقول: من ابتليته، ولم يقل من أخذت عينيه، وإنما قال: ابتليت ليبين أن هناك أجراً ومثوبة، وأن هناك كنزاً مدخراً، وأن هناك جنة وموئلاً، فقال: {من ابتليته بحبيبتيه فصبر عوضته عنهما الجنة } وما أحسن الجنة!
قالوا لـيزيد بن هارون الواسطي -كما في سير أعلام النبلاء والتذكرة وهو شيخ الإمام أحمد ، ومن حفاظ الدنيا، ومن رجال البخاري ومسلم ، ومن أهل واسط ، بل عالم واسط الوحيد- لما ذهبت عيناه، فقيل له: يا أبا خالد ! أين ذهبت العينان الجميلتان؟ قال: أذهبهما والله بكاء الأسحار، لكن معه {عوضته عنهما الجنة }.
و ابن عباس حبر الأمة عمي في آخر حياته، فأتاه بعض الشامتين يعزيه استهزاء في عينيه، فعزاه في عينيه، فعلم ابن عباس أنه شامت فقال:
إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي فؤادي وقلبي منهما نور
عقلي ذكي وقلبي غير ذي عوج وفي فمي صارم كالسيف مشهور
صدق رضي الله عنه، إن يأخذ الله نور العين، ففي القلب نور وبصيرة، وإن يأخذ الله ضياء هاتين العينين الجميلتين، ففي الروح ضياء خارق مشع يبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وما حيلة الإنسان إلا أن يصبر. ذكروا عن ابن هبيرة صاحب الإفصاح ، الحنبلي الوزير الشهير الكبير التقي، الذي دعا الله في يوم منى بالغيث، فسقوا الغيث وهم في يوم منى ، فقال وهو يبكي: يا ليتني دعوت الله بالمغفرة! وكان وزيراً للمستنجد العباسي ، وقد أدركه ابن الجوزي ، بل كان ابن الجوزي من أصحابه، فدخل عليه أحد الناس فسلم له ابن هبيرة جائزة ومسح على رأس هذا الشخص، ثم ذهب الشخص، فقال له الناس يا بن هبيرة ! مالك أعطيته ومسحت على رأسه؟ قال: هذا عرفته ولم يعرفني، ضربني مرة على رأسي فذهبت عيني منذ ثلاثين سنة ما أخبرت أحداً بها، ما أخبر أحداً؛ لأن الشكوى إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

الصبر على فراق الأبناء


والأبناء نعمة من النعم الجليلة، والله عز وجل ذكر عن الصالحين أنهم كانوا يقولون: رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ومن أحسن ما يجمل الحياة المال والبنون، فهم زينة الحياة الدنيا، وما أحسن من أن ترى أطفالك وأبناءك يترعرعون أمامك، ويهشون ويبشون بنور الإسلام، ويسجدون للواحد القيوم، ويرددون عليك آيات القرآن،ولكن إذا حكم الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بأخذهم فما لك من حيلة.
في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {يقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ليس لعبدي المؤمن جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة } ولم يقل الولد ليخرج الأخ، ولم يقل الأخ ليخرج الأب، ولم يقل الأب ليخرج الصديق والصاحب، وإنما قال الصفي ليدخل الكل في هذا، وما أحسن هذا الكلام! فالصفي هو كل من أصابتك لوعة من فراقه، أو حرقة، أو حزن، عوضك الله عنه إذا صبرت واحتسبت الجنة.
وفي سنن الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إذا مات ابن العبد المؤمن قال الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى -وهو أدرى للملائكة الذين قبضوا نفسه- قبضتم ابن عبدي المؤمن؟ قالوا: نعم يا رب! وهو أعلم، قال: قبضتم ثمرة فؤاده؟ قالوا: نعم يا رب! قال: فماذا قال عبدي؟ قالوا: حمدك واسترجع -أي: الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون- قال: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد } هذا الحديث حسن، والبيت هنا كالربابة البيضاء، أو كالكوكب الدري، مكتوب عليه بيت الحمد، يدخله الرجل الصالح يوم يحتسب مصيبته في ولده على الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. والمرأة المسلمة تشارك الرجل في هذه المصائب، بل ذكر صلى الله عليه وسلم للنساء في فوت الأطفال ما لم يذكر للرجال، فإنه قال لما زارهن: {ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كانوا لها حجاباً من النار، قالت: امرأة واثنين يا رسول الله -اثنين عدد المفعولية- قال: واثنين، قالت: وواحد -في بعض الروايات- قال: وواحد } فالحمد لله أن جعل فضل موت ابن واحد تحتسبه عند الله؛ دخول لك جنة عرضها السماوات والأرض بإذن الله.

الابتلاء بالأعضاء والأبناء


قد يرزقك الله أعضاء تتمتع بها، وقوةً وحيوية وطاقة ونشاطاً، لكن له حكمة أن يسلب عنك القوة.
ذكر أهل العلم وأهل السير والترجمة في سيرة عروة بن الزبير بن حواري الرسول عليه الصلاة والسلام، عروة الذي هو أكبر راوية في كتب الحديث عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها، الذي ذكروا عنه أنه كان يختم القرآن في أربعة أيام، وأنا لا أقف عند أربعة أيام، لأن الأولى الختم في سبعة أيام كما في حديث ابن عمرو ، لكن الشاهد قوة العبادة والإقبال على الله عز وجل، فأراد الله أن يرفع درجته عنده، فكتب عليه ابتلاء.
فقد سافر عروة بن الزبير إلى الشام وبينما هو في الطريق أصابته آكلة في رجله، فاجتمع عليه الأطباء، وقالوا: نقطع رجلك من القدم، فقال: أصبر وأستأني، فدخل المرض إلى ساقه، فقالوا: نقطعها من الساق، قال: أصبر وأستأني، فدخل المرض إلى الفخذ، فقالوا: مالك من حل إلا قطعها وإلا متَّ، قال: الله المستعان! إنا لله وإنا إليه راجعون، فقالوا لا نقطعها حتى نسقيك كأساً من الخمر، قال: يا سبحان الله! عقل منحنيه ربي أذهبه بكأس من الخمر، لا والله، ولكن إذا توضأت ودخلت في صلاتي فاقطعوها، فتوضأ واستقبل القبلة، وبدأ في صلاته ينادي رب العزة تبارك وتعالى، وهو يحلق بروحه مع تلك الآيات البينات، فتقدم إليه الأطباء بالمناشير، فقطعوا رجله، فلما غلبه الوجع سقط مغشياً على وجهه،وبعد ساعات استفاق، فقالوا: أحسن الله عزاءك في ابنك، رفسته دابة الخليفة فمات، يا سبحان الله!! في هذه الفترة، فترة الإغماء رفست ابنه دابة الخليفة فمات.
انظر المصائب كيف تحدث، وانظر إلى ألطاف الله وحكمه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في القضاء والقدر، ماذا قال؟ قال: الحمد الله، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم لك الحمد -لكن انظر إلى الذي يذكر النعم- إن كنت أخذت فقد أعطيت، وإن ابتليت فقد عافيت، أعطيتني أربعة أبناء، وأخذت ابناً واحداً، وأعطيتني أربعة أعضاء فأخذت عضواً واحداً فلك الحمد ولك الشكر، ثم قال:
لعمرك ما مديت كفي لريبة وما حملتني نحو فاحشة رجلي
ولا دلني فكري ولا نظري لها ولا قادني فكري إليها ولا عقلي
وأعلم أني لم تصبني مصيبة من الله إلا قد أصابت فتى قبلي
رجع محتسباً إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لأنه الذي قدر.
10
3K

يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.

تسجيل دخول

كنوز المحبة
كنوز المحبة
جزاااااااااكم الله خير
جراح نازفة
جراح نازفة
جزاك الله خيرا

الله يرزقنا الصبر على البلاء
,,/ تَرَفْ !
,,/ تَرَفْ !
آمين ولكم بالمثل .
,,/ تَرَفْ !
,,/ تَرَفْ !
لا إله إلا الله .. وحده لاشريك له .. له الملك .. وله الحمد .. يحيي ويميت .. وهو على كل شيءٍ قدير ..
ورده الجوري
ورده الجوري