naughty_girl

naughty_girl @naughty_girl

عضوة جديدة

ظاهِرةُ نقدِ الخِطابِ الدِّينيّ

ملتقى الإيمان

ظاهِرةُ نقدِ الخِطابِ الدِّينيّ

عبدالله بن محمد المالكي
10/6/1425
27/07/2004


إنّ ظاهرة النقد والمراجعة من الظواهر السليمة والصحيّة في المجتمعات المتقدّمة، وعلامة بارزة على فلاح الأمم واستمرار نجاحها، وعامل أساسي للتطوّر والتقدّم.
وهو – قبل ذلك - أمرٌ قد ندبت إليه الشريعة ودعت إليه الأخلاق الإسلاميّة، ففي القرآن : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَد...ٍ).
وهذه إشارة إلى المراجعة ونقد الذات قبل المثول أمام الله يوم القيامة .
وهاهي نظريّة عمر الفاروق – رضي الله عنه - تصدح في كل زمان عبر التاريخ "رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي"، وهو هنا يتكلم على مستوى الدولة، أما على مستوى
الأفراد فيقول: "حاسبوا أنفسكم قبل أنْ تُحاسبوا ،وزِنوا أعمالكم قبل أنْ توزنوا ؛ فإنّ اليوم عمل ولا حساب ، وغداً حساب ولا عمل".
فالنقد والمراجعة ظاهرةٌ إسلاميّة قبل أنْ تكون ظاهرةً مستوردة، وخلقٌ إسلاميّ
عاشه صالحو هذه الأمّة من القادة والعلماء والمفكرين قبل أنْ يكون ممارسةً لدى
دول الغرب (المتحضر!) ، فلا خلاف ولا إشكال إذاً في مشروعيّة وأهميّة النقد
والمراجعة وتصحيح المسار، هذا من حيث المبدأ .
ولكن في الآونة الأخيرة ظهر ما يسمّى في أدبيات الفكر العصراني بـ (نقد الخطاب
الديني)، أو ما يسمّيه البعض بـ (تجديد الخطاب الديني)
ونحن عندما نقرّر هذه القضيّة لا بدَّ في المقابل أنْ نفرّق بين الخطاب الدينيّ
القائم على دلائل الكتاب والسنة،وإجماع السلف الصالح ، والخطاب البشريّ الذي
يمارسه العلماء والدعاة وكل من يتكلم باسم (الدّيـن) .
فالخطـاب الأوّل كمـا - قلنا - وحيٌ مقدّس خارج دائرة النقد ، وأما الخطاب الثاني
فهو اجتهاديّ نظريّ غير معصوم ، داخل في دائرة النقد والمراجعة ، وقبوله وردّه
مرهون بموافقة (الكتاب والسّنة) .
وحينئذٍ لا يصحُّ أن يُنسبَ (خطابٌ) إلى (الدّين) إلا بمقتضى آيةٍ مُحكمةٍ أو
سنةٍ ثابتةٍ أو إجماعٍ منعقد ، وليس لأهواء الناس ومتاهات العقول مجال في هذا
الباب ، وأما آراء العلماء في المسائل الاجتهاديّة فلا تنسب إلى الدّين وإنّما
تنسب إلى أشخاصهم ، فلا يصحّ - عند أهل العلم - أنْ يُقال مذهب أبي حنيفة وجوب
الصلاة والزكاة ، أو مذهب الشافعي تحريم الزنا والسرقة، ونحو ذلك من قطعيّات
الشريعة المتفّق عليها ، وإنما يُنسب إلى هؤلاء الأئمّة اختياراتهم في المسائل الاجتهاديّة.
وبناءً على هذه :
فإنّنا نستطيع أنْ نميِّزَ بين النقد الموجّه إلى الخطاب الديني من قبل
العلمانيّين والحداثيّين ، وبين النقد الموجّه من قبل أبناء الأمّة الصادقين والأمناء على واقعها .
فالنّقد الأول رفض للخطاب الدينيّ المقدَّس من أصله ، وأنّه سبب للضعف والتخلف
الذي تعيشه الأمّة ، وأنّ الغرب لم يتقدَّم وتظهر (حضارته الإنسانيّة !!) إلا بعد
أنْ أُبعد الدين عن واقع الحياة .
ويتّبع هؤلاء فئةٌ لم تصل إلى هذه الدرجة من التطرّف ، وإنّما كان نقدها من أجل
المطالبة بخطاب دينيٍّ معاصر يناسب جميع الأذواق والتوجّهات ، ويكون مقبولاً إلى
-حدٍّ ما- لدى الغرب (المتحضر !!) ، فتجدها تطالب بمراجعات في بعض أصول الدين .
وقطعيّاته الثابتة ، كقضيّة (الولاء و البراء) و (كفر أهل الكتاب) و(الجهاد في
سبيل الله) و(فرضيّة الحجاب) و(تحريم الرّبا) و (حدّ الزّنا والسرقة) ونحو ذلك من
نقدٍ للقطعيّاتِ الثابتة ، أو نقد لكلام الفقهاء العالمين بدين الله بدون منهج
علميّ، ولا نظر في دلائل النصوص سوى أنّها لا تناسب حضارة العصر (العولمة) .
أما النقد الثاني والذي يصدر من قبل أبناء الأمّة الصادقين والحريصين على أمر
الإسلام ؛ فهو في الحقيقة نقد تجاه بعض الممارسات البشريّة والآراء الاجتهاديّة
الصادرة مِنْ بعض مَنْ يُنسب إلى العلم، ولا تستند إلى دليـلٍ شرعيّ ، غايته
تنقية الدين من بعض الأفكار الخاطئة والترسّبات التاريخيّة التي علقت به ، وهو
منها براء .
ولكن قبل الخوض في هذا النقد ، لابدَّ من التنبّه إلى الأمور التالية :
1- إنّ الميزان الذي تُعرض عليه أقوال الناس وأعمالهم هو "الكتاب والسنة"، وما
أجمع عليه سلف هذه الأمّة ، فما وافقها قُبِل ، وما عارضها رُدّ .
2- إنّه لا ينبغي أنْ يخوض في هذا المضار الخطير إلا أهل العلم والفقه في الدين ،
فهم أعلم الناس بكلام الله ورسوله ، ولابدَّ أنْ يُحجَر - في المقابل - على الجاهل
وغير المتخصّص في الشريعة ، وليس في ذلك (كهنوت) أو (سلطة لرجال الدين) كما
يزعم العصرانيّون ، إنّما هو حق مشروع في كل علم وفنّ ألا يتكلّم فيه غير أهله . ألا
تـرى – مثلا – أنّه لا يقبل - عقلاً وعُرفًا - أنْ ينتقد الصحفيّ أهل الطبّ في
تجاربهم العلميّة ، أو أنْ ينتقد المهندس المعماريّ خبراء الاقتصاد في نظريّاتهم ،
إلا إذا كان عالمًا بذلك الفنّ معدودًا من أهله .
3- إنّه لابدّ للناقد أنْ يلتزم بالمنهج العلميّ في نقد كلام العلماء ، من إحاطة
بنصوص الكتاب والسّنة ، ودِارية بأدوات فهم الخطاب ، وطرائق الاستنباط والترجيح ،
وإحاطة بقواعد الإسناد والرّوِاية وغير ذلك من شروط الاجتهاد المذكورة في أبواب
أصول الفقه .
أقول هذا : حتى لا ينفلت الحبل، ويتسع الخَرْق، ويدخل في الدار من ليس من أهلها !!
0
335

يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.

تسجيل دخول

خليك أول من تشارك برأيها   💁🏻‍♀️