طفق متوجّساً يذرع أرض الحديقة الصغيرة جيئة وذهاباً..
بخطوٍ مترافقٍ مع شروده ..
وذهن منفصل عما حوله ..
مستغرقاً في دوٰامة تفكير وقلق ..
جاء ليختلي مع ذاته في مكانه النائي البعيد عن صخب الحياة ..
ليعثر على كيانه المتواري خلف تكتلات المشاعر .. من غضب وسخط ..
وثورة رفض لكل شيء.. وانسحاق يسكن ضلوعه ..
وطعم لاشيء في ذائقته..!
......
جاء ليفتح نافذةً بين هذا العمق المنكفئ في الظل ..
و هذا الأفق العاري من الضوضاء .. حسير الهامة ..
المشرأب إلى السماء ..
ليتدفق موج النور منه ... إليه ..
إلى ذلك العمق المخضب بالمشاعر الداكنة .. السوداوية المزاج ..!
......
ولكن ..!
ماللعشب الرطب تحت قدميه لايستريح لموطئه ، ولا يترفق بخطواته ؟!
ومالهذا الأفق البهيج .. بكل ينابيع الجمال الساربة منه ..
لا يلمس في قاعه مواطن النشوة ..!
أو يرقرق منابع الحنان ..؟!
......
أليس هو ذاته عاشق الطبيعة الوفي ..؟!
هذا الساخط المتبرم الهارب من نفسه ومن الناس .. إليها
معشوقته الوفية أبداً .. التي تعزف على أوتاره ..
وتهدد قلبه المتعب ليستريح على صدرها ..
ويجول بين أنفاسها وينهل من وردها ؟!
هي تهبه كل شيء بلا حدود .. ولا قيود ..
تطلقه فيها ..ليغتسل بكونها خاطره ووجدانه..؟!
تهبه ...كما يهب بلا شرط ..
كل شيء لايمت للـ ( أنا ) بصِله..!؟
أليست هي حبه الأزلي ..
الذي يناجيه بكل صوت يتمناه..
لايعيه ولا يفهمه غيره ..
تموجاته تتناغم مع تموجاتها ..
وصمتها فيه يختصر كلّ اللغات ..؟!
......
فما لها الآن مسربلة بالسكون الرهيب ..؟!
متقوقعة خلف حواجز لامرئية ..
بأزهارها .. وفيحها .. ومروجها وأريجها
وسمائها الملونة بالشعر.. المرسوم لوحات بريشة حب على خد الأفق . ..
مابها صائمة عن البوح .. طارحة دونه ألوانها ..مزورّة القلب عنه ؟!
......
أنكر نفسه :
( هل أنا المغمغم بالهواجس قد أشحت عنها بناظري إحساسي
أم هي من غيّرت نغماتها عن موجتي فأصبحت غير مرئية ..؟!)
......
انتبه من شروده حين تعثرت قدماه بحجر أوشك أن يرميه أرضاً ..
تعلّق بأقرب غصن تناوشته يده .. أفاق من جدله الداخلي ..
......
حاور نفسه :
(هل فررت حقاً من مرهقات المدينة .. وأفرغت منها صندوقي ..؟!
أم تراني حملت معي بضاعة مزجاة سقطت رغم عني
وتبعثرت في غابات ذاكرتي المتشابكة ؟! )
......
هكذا تخاطرت معه آخر قواه ..
ثم مالبث أن ارتمى على كرسي خشبي مستطيل ..
يوحي بانطباع قديم النكهة منسجم مع ماحوله من رفاق الطبيعة .
......
أحس بالإرهاق الشديد .. !! فترت عيناه .. !!
تمنى وسادة تحنو .. تهدهد راسه كحضن الأم الدافئ..
لم يكن هناك غير أضلاع الكرسي الخشبي المشربة برائحة العشب
ولمسة الندى.. تناغيه..!
لبث يرنو لحظات إلى شجرة ليمون قيد بصره ..
مدهامة منسدلة الورق ..
مخضلة بزهور بيضاء بمياسم صفراء كقرب النور
أحس بشيء ينبثق من جوف أعماقه ..
شيء كخيط من النور يشق طريقه إلى فضاء من عطر الليمون ..
تفتت سحب التوتر في أعصابه وطفقت تذوب شيئاً فشيئاً ..
وتفشت في مفاصله مشاعر ارتخاء وحياد..
وتبعثرت بدلال خصلات النسيم على وجنتيه وشعره ..
فلاح في ثغره فجر ابتسامة توشك أن تلثم مبسم النور ..
أحس بخفة في جسده كأنه ألبس ريشاً من بياض
وتسرب مع زفيره آخر هموم قلبٍ ثقلت أنفاسه ..
ودع إنسانه الآخر ..
ودخل نفقاً لطيفاً لاح في آخره ضوء
أستسلم للنوم العميق براحة ...
فأرسلت ... آخر أنفاس اليقظة .. . الصعداء ..!!!