
أسندت رأسها في حضنها واغمضت عينيها
في محاولة للبحث عن الراحة.
الجو البارد غزا أوصالها برعشة خفيفة،
وظلام الليل غطى المكان معانقا ظلمة البحر الساكن. تراقصت النجوم في السماء بهدوء
. لم يكسر هذه الأجواء الجنائزية سوى هدير المحرك الذي يصم الآذان،
لكن صوته العالي كان لهم العلامة الوحيدة للأمان
. تمايل القارب الذي ينوء بحمله تدفعه الأمواج المتكسرة على جانبيه،
وقد امتلأ جوفه بأحلام أناس فرقتهم أوطانهم وجمعتهم رغبة الهجرة نحو بر النجاة.
تنفست هواء البحر بعمق،
كمن يملأ رئتيه بالحرية بدل الأكسجين،
وانكمشت على نفسها أكثر بحثًا عن الدفء.
لمع في عينيها اصرار؛ يجب عليها أن تخوض هذه المغامرة، أو رحلة تحدّي الموت.
لم تترك خلفها ما تندم عليه أو تخشى فقدانه، خسرت والدها وهي صغيرة .
أمها كانت غارقة في الحزن والمرض،
كأنها فقدت صلتها بالواقع تمامًا،
ونسيت أنها امرأة ونسيت أنها أم.
لم تستطع الدفاع عن نفسها أو عن ابنتها حين قرر إخوتها إيداعها دار العجزة وبيع المنزل واقتسام ثمنه.
تشبثت كايلا الصغيرة بأمها،
كأنها تتشبث بآخر ما تبقى من براءة طفولتها،
لكن أخوالها اجتثوها بعنف من حضنها،
كمن يجتث نبتة ضعيفة من جذورها. ثم تولى أحدهم رعايتها.
لم ترَ أمها ثانية، رغم ترجياتها وتوسلاتها،
فقط تلقت نبأ وفاتها بعد برهة من الزمن. لم تشعر يومًا بالانتماء لهم أو أنها تشبههم.
كانت ذات بشرة سمراء غامقة، متفردة بينهم، ولم يدخروا جهدًا ليجعلوها تشعر بالغربة. رغم جمالها، لم ترَ في عيونهم سوى الاحتقار.
غادرت مقاعد الدراسة باكرًا بسبب الإهمال،
ولم تستطع الاستمرار في العمل بسبب الاستغلال والتحرش.
كانوا يسخرون منها وينادونها بالكحلوشة
، ويتعاملون معها كأنها شيء لا بشر لديه كرامة كانت تشعر دائمًا بأن عيونهم تلاحقها بنوايا خسيسة والضغوط التي تتعرض لها لا تنتهي.
حلمت باليوم الذي ستتخلص فيه من هذا الجحيم، حتى تحركت الأخبار كما تتحرك الرياح في كل اتجاه فاحت في الأرجاء أخبار الهجرة غير الشرعية . اشتعلت رغبتها في الهروب،
وعقدت العزم على إنهاء معاناة سنين طوال .
كان القرار سريعًا حاسمًا وفي ليلة واحدة كان التنفيذ. لم يعد بإمكانها التحمل أكثر.
…..
ايقظتها من ذكرياتها تحركات قائد المركب البدائي ومعاونيه .
كان يثير شكوكها منذ البداية لكن الجميع أشاد بكفاءته، وبأن الوصول للضفة الأخرى مضمون معه، صرخ في الركاب موقظًا من نام منهم.
قفز قلبها في صدرها مفزوعًا. ابتلعت ريقها بصعوبة ومررت لسانها على شفتيها المتشققتين؛ تحفزت حواسها محاولة تخمين ما سينطق به شعرت بشيء سيء يقترب .
أخرج من جيبه مسدسًا، أشهره في الهواء كتهديد. هذا ليس مؤشر خير أبدًا، رددت في نفسها بتوجس.. تحرك ببطء وعرج،
وارتسمت ابتسامة خبيثة على وجهه المشوه.
قال كلماته كمن ينفث نارًا من فمه: "
يجب عليكم الآن إخلاء القارب،
لقد دخلنا المياه الإقليمية
ولن أستطيع المضي أبعد من ذلك
لا اريد الصدام مع حرس الحدود."
ضج القارب بأصوات العابرين،
وتمايل تحت ثقل أجسادهم المرتبكة، وعلا ضجيجهم واحتجاجهم:
"كيف يحدث هذا وقد دفعوا نقودهم؟
اليابسة مازالت بعيدة ومن الأحمق الذي قال إن الرحلة مضمونة الوصول؟
وماذا يفعل من لا يستطيع السباحة؟ "
فجأة هاجمه رجل من بينهم وهو يقول "سأرميك بيدي في الماء ايها المتحيل"
، وقبل أن يصل إليه، أطلق الأعرج النار عليه.
ارتطمت الرصاصة بجسده فسقط متخبطًا في دمائه وسط ذهول الجميع.
….،
بصق الاعرج على الارض واكمل"
لن تجدو مخرجا اخر لكم" .
"أما أن تغادروا الآن، أو أن تعودوا أدراجكم معي، أو تسلكوا الطريق المختصر!"
مشيرًا بإصبعه للجثة الملقاة تحت قدميه.
جزّ على أسنانه، مكملاً: "
اسرعوا! ليس لدي الليل بطوله."
كانت غايته الوحيدة جمع النقود اما سلامة الركاب كانت اخر همه شحب وجه كايلا، وجحظت عيناها من هول ما رأته.
وضعت يديها المرتعشتين على عينيها محاولة اخفاء المشهد المرعب.
مر شريط حياتها القصيرة أمامها.
لم يقطع جمودها سوى صوت ارتطام جسد بالماء، ولمحت شخصًا يجذف بذراعيه نحو المجهول. لحظات فاصلة قبل أن تتوالى الأرواح السابحة في لج الموج العميق.
تنفست كايلا بعمق
لا تراجع بعد الآن، ليس بعد كل ما مرت به لا مجال للعودة.
تشبثت بقوة بعبوة ماء بلاستيكية فارغة
كانت ملقاة بجانبها حتى ابيضّت أظافرها.
رغم أن العبوة قديمة ومهملة
وفي قعرها عفن أسود ذكرها بالذي كان يغطي جدران غرفتها القديمة ،
لكنها كانت طوق نجاة لها.
اقتربت من الحافة بخطوات مرتعشة
، ألقت نظرات متحدية نحو الظالم الذي مات ضميره.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم قفزت… غمرتها مياه المتوسط الباردة، شهقت بعمق،
وطفَت فوق الماء..
بقلمي