تساقط

تساقط @tsakt

عضوة نشيطة

عَلَى عتَباتِ الانْتِظَار" قصة قصيرة " ..

الأدب النبطي والفصيح

عَلَى عتَباتِ الانْتِظَار

في مكانٍ ما - على الخَارطة الجريحة – حيثُ لا بَاب ، لا نافذة، لا حِجاب ، السقفُ يمطرُ بسخاء مطراً يحيل الليل نهارا ..
جلسَ الصغيران مع أمهما ، وأنينٌ حاد يخرجُ من أعماقهما ، ليرتد إليهما مرةً أخرى يرجوهما الكف عن إصدار هذه النغمات ، هذا بالإضافة إلى زقْزقةٍ تصدرها عصافيرُ بطنهما تنتشرُ في الأفق على هيئة حبالٍ طويلة تمتد بالأخص إلى نقطة تقطنُ في فؤادِ تلك الإنسانة التي بجوارهما ، لتفتته وتذيبه .

تلك الإنسانة كم تجرعت سمومَ الأحزان ، وكم ذاقت علقمَ الوحدةِ والحرمان والفقدان، ومعانٍ أخرى لا تتسعُ لها القلوب .
تلقي نظرةَ استطلاعٍ حولها للمرة المئة ، والنتيجة : لاشيء ! لا شيء بتاتاً !!..

تذكرته ، رفيق دربها ، ونظرات الأمل التي تملأ عينيه :
- سيعم الأمان ، وستنتهي مشانقُ الظلم ، وسأشتري منزلاً يحملُنا و.....
قاطعه ابنه محمد قائلاً :
- وأنا يا أبي ، أريدك أنْ تشْتَري لي سيارة ..
- إنْ شاء الله ، وسأشتري لليلى الكبيرة دمية جميلة وسندعوها بليلى الصغيرة ..
- لمَ يا أبي ؟ هل سأكبر حينها ؟..
هكذا قالت ليلى ، كأنها أدرَكتْ الحقيقة المرة ، التي ومذ ولدت وهي تعيشُ في خضمها ..
نطقَ الأب بعد ذلك السهم الذي أصابه :
- سيكونُ بإذن الله .

لطالما لامته على أحلامه الوردية ، ونظرته المتفائلة ، هي مؤمنة ، لكنها شربت من المر ما جعلها تشعرُ أنها لن ترى اللون الأبيض في حياتها الدنيوية ، كان يجيب عليها في كل مرة بيقين :
- عزيزتي ، قد أكُون متفائلاً كثيرا ، لكن صدقيني هذا ما أحتاجه كي أكملَ ما تبقى .

تلقفت عقلها أفكارٌ تترى ، وأحلام تقاذفتها يمنة ويسرة ، تخيلت ما حولها أشياء جميلة ؛ نقاء ، حب ، أمان ، اجتماع .. ضرورات لم ترها عيناها أبداً ..

- أمي أنا جائع ، قالَ لها محمد لينقلها إلى واقعها من جديد ، ابتسمَت رغم
أن الموضعَ لا يناسب وقالت في نفسِها " لقد انتقلت إلي عادته "إذ بالصغير يصيحُ مجدداً و بحرقة :
- أمــــــــاه ، إني جائع ..
صمتت ، بماذا ترد ؟ من أينَ لها بالطعام ؟ ثلاثة أيام ولم يذق أي منهما طعاما ، ربما سيموتان ..
يحاصرُها ثعبانُ الحيرة ، لا تدري : هل تذهب وتترك الصغيرين هاهنا ، عرضة للأذى ..
أم هل تجلس ، وتمتطي سنامَ الانتظار ؟..
فكرت قليلاً ثم عزمت : سأذهب ، كلتا الحالتين مغامرة ، وانطلقت بعدما أوصتهما بالحرصِ والحذر ، استجدتها الصغيرة :
- أمي .. إني خائفة ، لمن تتركينا ؟..
تماسكت ، ومنعت دمعةً لها من السقوط ، قالت لهما وهي تتصنعُ الثبات :
- لا طاقة لكما بالمشي ، صدقاني .. لن أمكثَ طويلاً ، وسأجلبُ لكما مَا يسد الجوع ، فقط ، اصبرا ..
أكملت المسير ، والقلق أعاصير يوشك أن يقتلع قلبها ..
أخذت تحدث نفسها :
" لن أمكث طويلاً " وما يدريني عن ذلك ؟ .. هل سأجد مبتغاي بسرعة ، والجميع هنا متلهف إليه لأجل حياته ؟.. على الأقل ما استفدته من كذبتي سكب كمية من الاطمئنان عليهما ، مع أني أثق أنها لا تجدي ..
في الطريق ، صادفتها حاوية نفايات ، أطلت عليها ، لم ترَ شيئاً ، لا فأر ، لا جرذان ، لأنه لا طعام أساساً !! ..
تجاوزت ذلك ، وأحست بشيء تحتها " ثمة شيء داسته أقدامي " ..
نظرت إذا بجثة لامرأة ، ذُهلت ..الصدمةُ عقدت لسانها ، وجعلتها تمشي بلا وعي، اضطربت حواسُها ، وخرجَ صوتٌ من أعْماْق أعماقها : ربــــاه .. عونك !..
لم تكن أول جثة ، ولا هي بالأخيرة حتماً ، لكن الملامسة لها جعلتها تشعر بكل هذا، في ذلك الآن .. تذكرت صغاراً لها واقفين على عتبات الانتظار ، فواصلت، وقطعت مسافة إلى أن وجدت رغيفَ خبز ، فرحت به ، ضمته بشدة ، لم تتوقعْ أن
تجده في وقتٍ قياسي .. وبأقصى طاقتها انطلقت إلى صغارها ..
حينما وصلت ، داهمتها الفجيعة ، ضجت مشاعرُ الحزنِ بداخلها ..
صرخت :

- مــاتت ليلى ، مـــات محمد ..
ماتَ أطْفـــــــــــالُ العـــــــــــــراق !! ...

* * *
8
899

يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.

تسجيل دخول

عَانَقْتُ الفضاء...
أكثر ما يؤلمنا أن يموت إخواننا جوعا في الوقت الذي يمسك البعض منا بطونهم لفرط الشبع و التخمة ..
قصتك وصفت الواقع حتى لكأنني أقف أمامهم , أرى دمعاتهم و أسمع نشيج صرخاتهم ..
نسأل الله أن يلطف بهم و يرحمهم

سلمت يداك ووفقك الله لكل خير
دمعة طفل
دمعة طفل
فعلا الواقع مر
لكننا نتناساه
وجميل تصويرك لهذا الواقع

اختك

دمعة طفل
تساقط
تساقط
عانقت الفضاء ...

أيتها الفاضلة ، مرورك أبهجني ..

لكِ ودي ...

* * *

دمعة طفل ..

الأجمل هو حضورك المضيء ..

دعائي لكِ بحياة عاطرة ...

* * *
بحور 217
بحور 217
قمة الروعة أن نحمل القلم بإحساس ....

أن نحمل الإحساس !!!!

غاليتي تساقط ... أسعدتني قصتك رغم الألم ...

كنت أبحث عن هذا ... أبحث عن حروف تنتشلني إلى حيث الشعور ...

إلى حيث نعود لمعاني الإنسانية التي نفقدها وسط حروف العشق والغرام ...

للاسف نفقد أحيانا الشعور بما خارج جلودنا !!

ويبقى الألم المتسامق طريقنا إلى الخلاص




دمت بخير
تساقط
تساقط
مصدعه
أهلا بك ، بوركت أخية ...

* * *

بحور ..

أيتها العزيزة ..

دومًا ..

لكلماتك وهج مضيء ..
ونبض مشرق ..
يشعل ضوءًا ساطعًا ..
وسط هذا الزحام ...

دمتِ بألف خيرٍ وعافية ..

مع تحية محبة ..

* * *