مجاااااهدة

مجاااااهدة @mgaaaaahd

الوسام الفضي

عناية الشريعة بالمطلَّقة

الملتقى العام

أ.د/ محمد بن أحمد الصالح *


من مفاخر الإسلام: أن تعاليمه مبنية على الرحمة والرأفة، وتشريعاته تقوم على المواساة، وجبر الخاطر، وتفريج الكرب، وإيناس الوحشة، وعزاء المصاب، وتهوين الفاجعة، ومصداق ذلك قول الله – تبارك وتعالى – في صفة نبيه – عليه الصلاة والسلام - : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) .

ولذلك قيل – بحق وصدق – إن الإسلام دين الرحمة والشفقة والرأفة، ومن الأمثلة الواضحة على تحقيق هذه المعاني في تشريعات الإسلام، وضع نظام لحل المشكلات الزوجية، وعدم الإقدام على الطلاق، ولذلك فقد شرع الإرشادات والتوجيهات التي تكفل استقرار الحياة الزوجية، وعدم إيقاع الطلاق إلا في حالة الضرورة، ومن هذه الإرشادات والتوجيهات ما يلي:

أولاً: تنفير المسلمين من الطلاق، حيث اعتبره الشارع أبغض الحلال إلى الله، فقال عليه الصلاة والسلام: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق"(1).

ثانياً: حث الأزواج على الصبر وتحمل ما يبدو من المرأة من قصور أو اعوجاج مادامت لا تمس الشرف والدين، فقال – تعالى -: (فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)، . وقال – صلى الله عليه وسلم -: "لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً سره منها آخر". النووي على مسلم، ج3، (ص: 657).

ثالثاً: رسم القرآن الكريم المنهج القويم لعلاج ما قد يطرأ بين الزوجين من خلاف، أو ينشأ من مشكلات في قوله – تعالى -: (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ)، فإذا زال الخلاف واستقامت الأحوال بهذه الأساليب؛ صار الطلاق – حينئذٍ – ممنوعاً. حيث جاء في ختام الآية الكريمة ما يفيد منع الطلاق عند استقامة الأحوال، قال – تعالى -: (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)، . وقال – صلى الله عليه وسلم –: "إن في طلاق أم أيوب حوباً – أي إثماً-". وجاء رجل إلى الخليفة الراشد عمر – رضي الله عنه – يريد طلاق امرأة، وعلل ذلك بأنه لا يحبها، فقال الخليفة الراشد: "ويحك! هل كل البيوت تبني على الحب؟ أين التجمل والوفاء؟ أين المروءة والحياء؟ إن الإنسان ينبغي أن يكون في هذا تقياً".

رابعاً: تولَّت الشريعة علاج ما قد ينشأ بين الزوجين من خصومة ونزاع، بطريقة تسهم فيها أسرة المرأة وأسرة الرجل، حيث قال الله – تعالى -: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا)، .

خامساً: رتب للمطلقة حقوقاً مالية كبيرة وكثيرة لدى الزوج، حتى تجعله يتريث ويفكر ملياً قبل إقدامه على إيقاع الطلاق، وهذه الحقوق هي:

(1) على الزوج أن يوفيها مؤخر الصداق.

(2) يلزمه نفقتها من مأكل وملبس ومسكن ودواء ما دامت في العدة.

(3) إلزام الرجل بدفع أجرة الرضاع، قال – تعالى -: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)، .

(4) أجرة الحضانة حتى بلوغ الأطفال سن السابعة.

(5) وأيضاً فإن من الحقوق التي يرتبها الطلاق للمرأة على الرجل: المتعة.

تعريف المتعة شرعاً:

المتعة في الشرع هي "اسم لمال يدفعه الرجل لمطلقته التي فارقها، بسبب إيحاشه إياها بفرقة لا يد لها فيها غالباً"(2).

ونستخلص من هذا التعريف ما يأتي:

أولاً: أن المتعة مال يدفعه الرجل لمطلقته، ويشمل النقدين "الذهب والفضة" والأوراق النقدية، وكل ما يتقوم بمال سواء كان عقاراً أو منقولاً أو منفعة، كسكنى دار، أو خدمة آدمي، أو نحو ذلك.

ثانياً: أن سبب المتعة هو ما يصيب المرأة من وحشة بسبب طلاق الزوج لها، فتكون المتعة جبراً لخاطرها ورأباً للصدع الذي ألمّ بنفسها، "وتضميداً" للجرح الذي أصابها، ومسحاً لدمعها ولرأسها، وتخفيفاً لما لحقها من الآلام حين تركها زوجها بعد رغبته فيها واختياره لها، وهذه المواساة هي حكمة مشروعية المتعة.

أدلة مشروعية المتعة:

(أ) من القرآن الكريم:

1. قال تعالى : (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ) .

2. قال تعالى : (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) .

3. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً) .

4. قال – تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً)

(ب) المتعة في السنة المطهرة:

أخرج البخاري في صحيحه بسنده، عن سهل عن أبيه وأبي أسيد قالا: تزوَّج النبي – صلى الله عليه وسلم – أميمة بنت شراحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين.

وفي رواية أخرى أنه – صلى الله عليه وسلم – قال: "يا أبا أسيد اكسوها رازقيين وألحقها بأهلها"

تقدير المتعة:

تفاوتت آراء الفقهاء في كيفية تقدير المتعة، هل يعتبر في تقديرها حال الزوج، أو حال الزوجة، أو حالهما معاً؟

فذهب بعضهم إلى أن المعتبر في تقدير المتعة حال الزوجة؛ لقوله – تعالى –: (مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) الآية، . فليس من المعروف أن تلبس المرأة الغنية ثياباً خشنة أو تقوم بخدمة نفسها، بل لابد لها من خادم.

فذهب بعضهم الآخر إلى أن المتعة تقدر حسب حال الزوج؛ لقوله – تعالى -: (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ)، . فلو كان ذلك واجباً على قدر حال المرأة لكان الكلام: ومتعوهن على قدرهن.

فصريح الآية يجعل تقدير المتعة على حسب حال الزوج؛ لأنه هو الذي سيكلف بها، ولا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها.

وذهب آخرون إلى أن المعتبر في تقدير المتعة هو حال الزوجين معاً؛ لأن الله – تعالى – في الآية الكريمة قد اعتبر أمرين:

أحدهما: حال الرجل في يساره وإعساره، فقال الله تعالى: (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ).

ثانيهما: أن يكون مع ذلك بالمعروف فقال – تعالى –: (مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ).

فملاحظة هذين الأمرين توجب ملاحظة حالهما معاً (الأحوال الشخصية للشيخ محمد أبو زهرة .

إذ ينبغي عند تقدير المتعة مراعاة حال الزوج المالية وظروفه الخاصة، مع مراعاة ما يقضي به العرف، على أن يوضع في الاعتبار ما لحق بالمرأة من ضرر نتيجة للفرقة، ويكون الرجوع إلى الحاكم عند المشاحة.

وينبغي للزوج أن يبذل الكثير من المال في هذا الشأن بحسب استطاعته.

هذا: وينادي بعض أدعياء أنصار المرأة بوجوب تقدير معاش شهري للمطلقة مدة حياتها، أو إلى أن تتزوج، على أنه متعة شرعية لها، تعوضها عما أصابها من ضرر الطلاق.

ونحن نرى أن هذا مخالف للشريعة، وعدم فهم لما جاءت به في تشريع المتعة؛ وذلك لأن تقرير معاش شهري على أنه متعة سيجعل كل قسط متعة مستقلة، وهذا يؤدي إلى تكرار المتعة، وقد صرح الفقهاء بأن المتعة لا تتكرر، ولأن دفع مبلغ من المال كل شهر مثلاً إلى أن تموت المطلقة أو تتزوج يفضي إلى جعل المتعة مبلغاً ضخماً من المال يرهق الرجل ويصيبه بالحرج والضرر، وهذا ليس من المعروف في شيء، والتشريع القرآني يشترط في المتعة أن تكون بالمعروف حيث يقول الله – تعالى -: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ)، ولذا لم يقل به أحد من فقهاء الأمة في أي عصر من العصور ... لذلك نرى أن هذا الرأي مخالف لتشريع المتعة في الشريعة الإسلامية فيكون باطلاً.

آراء الفقهاء في حكم المتعة:

إذا كان عقد النكاح يرتب حقوقاً للمرأة، منها الصداق؛ فإن الطلاق ينشأ عنه حق آخر للمرأة هو المتعة، ولما كانت المطلقة لا تخلو من إحدى حالات أربع:

الأولى: مطلقة بعد الفرض وقبل الدخول.

الثانية: مطلقة قبل الفرض وقبل الدخول.

الثالثة: مطلقة بعد الدخول وقبل الفرض.

الرابعة: مطلقة بعد الدخول والفرض.

وعلى هذا فالفقهاء في حكم متعة الطلاق على أربعة آراء:

الأول: القول بأنها سنة في جميع الحالات، وبهذا قال الفقهاء السبعة(3)، والإمام مالك، وهو رواية عن الإمام أحمد.

الثاني: القول بالوجوب في حالة واحدة وهي الطلاق قبل الفرض وقبل الدخول، وقالوا بالندب فيما عدا ذلك، وبهذا قال الحنفية والزيدية، ورواية عن الإمام مالك، ورواية عن الإمام أحمد(4).

الثالث: القول بالوجوب إلا في حالة واحدة، وهي المطلقة بعد الفرض وقبل الدخول، وبهذا قال الإمام الشافعي في القديم، ورواية عن الإمام أحمد(5).

والرابع: القول بالوجوب مطلقاً، وبهذا قال أمير المؤمنين علي، والحسن، وأبوالعالية، وسعيد بن جبير، وأبو قلابة، والزهري، وعطاء، وقتادة، والضحاك، وأبو ثور، والطبري، وابن حزم، وهو رواية عن الإمام أحمد، وقال به الشافعي في الجديد، واختاره الإمام ابن تيمية(6).

وفيما يلي نتناول هذه الآراء بالتفصيل، مع بيان أدلة كل رأي منها ومناقشتها، ثم نبين الرأي المختار:

الأول: القول بأن المتعة سنة في جميع الحالات وليست واجبة؛ وذلك لأن من وجب لها نصف المهر فقد استحقته باحتياطها هي ووليها، حيث تم عقد النكاح مع تسمية المهر، فإن تم عقدها بدون تسمية المهر فليس لها نصف المهر ولا تجب لها المتعة، ولكن تكون المتعة لها عند زوجها واستحباباً وتطوعاً.

واحتجوا بأمرين:

أولهما: أن الشارع لم يقدر المتعة، ولو كانت واجبة لبين مقدارها.

والجواب عن ذلك: أن عدم التقدير لا يلزم منه عدم الوجوب، فقد فرض الله النفقة ولم يبين مقدارها، بل وكل ذلك إلى الاجتهاد.

ثانيهما: أن الله علَّق الأمر بالتمتيع على الإحسان في آية، وعلى التقوى في آية أخرى، فقال: (وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ)، .

وقال في الآية الأخرى: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)، .

والإحسان غير واجب، والتقوى أمر خفي، والشأن في التشريع ألا يعلق الحكم واجباً أو غير واجب على الأمور الخفية، وإنما يعلق على الأمور الظاهرة، فدلَّ ذلك على أن المتعة مستحبة غير واجبة، كما يفهم ذلك من التعليق على الإحسان والتقوى؛ إذ لو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين.

والجواب عن هذه الحجة: أن الأمر بالتمتيع في قوله: (وَمَتِّعُوهُنَّ) وإضافة التمتيع إليهن في قوله: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ) كل ذلك أظهر في الوجوب منه في الندب.

كما أن الله – عز وجل – قال: (حقاً) والحق فرض وواجب، وقال (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ)، و"على" تفيد الوجوب.

أما ذكره (المحسنين) و(المتقين) فإنه لتأكيد الوجوب، فإن فاعل الواجب يقال له محسن، وكل مؤمن تجب عليه تقوى الله – تعالى – بالابتعاد عن معاصيه. وعليه فتخصيص المحسنين والمتقين بالذكر إنما هو من باب التشريف والحض على فعل الواجب، فكأنه قال: من فعل ذلك فقد أحسن إلى نفسه واتًّقى عذاب الله – تعالى – المترتب على عدم فعل الواجب.

ويؤيد هذا ما جاء في سبب نزوله قوله – تعالى -: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)، قال بعض السلف(7): لما نزل قوله – تعالى - : (مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ)، قال بعضهم: إن شئت أحسنت ففعلت وإن شئت لم أفعل، فأنزل الله هذه الآية: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ).

فدل ذلك على أن الشارع أراد من الأمر بالتمتيع الوجوب لا الندب.

الثاني: القول بوجوب المتعة في حالة واحدة، وهي إذا طلقت قبل الفرض وقبل الدخول، وتكون مندوبة في باقي الأحوال، وممن قال ذلك الإمام أبو حنيفة. ودليله قوله – تعالى -: (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ).

فقالوا بوجوب المتعة للمطلقة قبل الدخول والفرض؛ لأن قوله: (وَمَتِّعُوهُنَّ) أمر بتمتيع هؤلاء، والأمر يفيد الوجوب ولم تتعرض الآية لغير هذا الصنف، فدل ذلك على عدم وجوبها لغيرهن.

الرأي الثالث: القول بأن المتعة واجبة لكل مطلقة فيما عدا التي طلقت قبل الدخول، وقد فرض لها الصداق فليس لها متعة، وإنما الواجب لها نصف الصداق فقط(8).

ودليلهم قوله – تعالى -: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)، وقوله – تعالى – في حق أزواج الرسول – عليه الصلاة والسلام –: (فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً) ، وأزواج الرسول – صلى الله عليه وسلم – كنَّ مدخولاً بهن مفروضاً لهن.

فلا يستثنى شيء من المطلقات إلا ما استثناه الشارع، وقد استثنى الشارع المطلقة بعد الفرض وقبل الدخول.

وذلك أن الله ذكر المطلقة قبل الدخول بصنفيها، المفروض لها وغير المفروض لها في آيتين متعاقبتين، وقرن كل صنف بحكم، الأمر الذي يشعر باختصاص كل صنف بالحكم الذي قرن به، فقال: (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ)، .

ثم عقب ذلك بقول: (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ).

ففي الآية الأولى أمر بتمتيع المطلقة قبل الدخول التي لم يفرض لها شيء، وفي الثانية أوجب للمطلقة قبل الدخول التي فرض لها المهر نصف المسمى ولم يوجب لها متعة، فتعين التقيد بما ورد في النص.

والجواب عن ذلك : أنه قد ورد ثبوت الحق للمطلقة قبل الدخول وبعد الفرض في قوله – تعالى –: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً). وهي عامة في كل مطلقة قبل الدخول، سواء فرض لها أم لم يفرض.

الرأي الرابع: القول بوجوب المتعة لكل مطلقة، سواء طلقت قبل الدخول أم بعده، فرض لها أم لم يفرض.

ودليلهم قوله – تعالى -: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)، وقالوا: إن الآية عامة في كل مطلقة، ولم تفرق بين مطلقة قبل الدخول، أو بعده، فرض لها أم لم يفرض لها.

أما قوله – تعالى -: (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) فهذه الآية أوجبت للمفروض لها غير المدخول بها نصف المهر، بالإضافة إلى المتعة التي أوجبتها لها الآية الأخرى.

ولا منافاة بين ما أوجبته كل من الآيتين، فإن الله – تعالى – لم يقل: فنصف ما فرضتم ولا متعة لها، وثبوت حكم في آية لا يدل على إسقاط حكم ثبت بآية أخرى، ما دام لا يترتب على اجتماعهما محال... فدل ذلك على أن وجوب نصف المهر لها لا ينفي حقها في المتعة؛ لأن في القول به أخذاً بجميع الأدلة، وإبقاء للأوامر الواردة في الآيات على بابها دون حاجة إلى صرفها عن ظاهرها، ولا تعارض بين الآيات، حيث يمكن الجمع بين الأحكام الواردة فيها، سواء ما ورد منها في سورة البقرة أم في سورة الأحزاب.

والقول بوجوب المتعة مطلقاً هو مذهب جماهير العلماء، ومن أوجبها منهم في بعض الحالات احتاج إلى التأويل أو حمل الأمر على الندب، ولا ينبغي صرف الأمر عن ظاهره من غير دليل.

وأما القائلون بأن المتعة سنة على الإطلاق، فلا ينهض لهم دليل يعارض صريح النصوص، وما احتجوا به أمكن مناقشته ورده فيما سبق، بما أغنى عن إعادته هنا، فلم يبق إلا القول بوجوب المتعة مطلقاً؛ للنصوص الواردة في هذا الشأن، ولأن في القول به جمعاً بين الأدلة، ويتفق مع الأوامر القرآنية التي تقضي بالعشرة بالمعروف، والتسريح بالإحسان، عند تعذر استمرار الحياة الزوجية.

وإذا كان حسن الصحبة واجباً حال قيام الزوجة فينبغي أن يكون التسريح سراحاً جميلاً، بتخفيف آثار الطلاق على المرأة، ومواساة جراحها، بما يدفع إليها من المال، بصرف النظر عما أخذته من المهر كله أو نصفه؛ لأن هذا شيء ملكته بالعقد، فلا يغني عما تستحقه بالطلاق.

وقد خاطب الله الأزواج وطالبهم بالعفو عن نصف الصداق، لتأخذ المرأة الصداق كله، إذا طلقت قبل الدخول وبعد الفرض، وقد بين – تعالى – أن هذا أقرب للتقوى، وقال: (وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) الآية، .

ثم قال في الآية الأخرى: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) فأوجب لها المتعة بعد أن أوجب لها نصف الصداق، وحث على العفو عن النصف الآخر، وأكد ذلك ورغَّب فيه فقال – تعالى - : (وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ).

وإذن فقد أوجب الإسلام الصداق بالعقد، والمتعة بالطلاق، وهي تعويض لجبر إيحاش الطلاق.

ويرجع في تقديرها للحاكم بناء على ما يقضي به العرف، وبحسب الظروف، مع مراعاة حال الزوج المالية، وبحسب ما لحق بالمرأة من ضرر، ويكون الرجوع إلى الحاكم عند المشاحة.

على أنه لا ينبغي للقاضي أن ينقص المتعة عن نصف الصداق؛ لأن الله – جل وعلا – منح المطلقة قبل الدخول وبعد الفرض نصف الصداق، مع أن الزوج لم يمسها ولم ينل منها شيئاً، ولم يترتب على هذه الفرقة عدة، ويمكن استقبال الخطاب في الحال، فإذا كانت قد استحقت نصف الصداق في هذه الحال، فلأن تستحق النصف الثاني باسم المتعة بعد أن طالت العشرة واستمرت الصحبة بينهما، ولا سيما أنه يحتمل ألا يبقى لديها شيء من الصداق تستعين به على معيشتها ويحفظ لها ماء وجهها ويقيها من ذل السؤال أو الوقوع في الفقر والفاقة، وليس لها ما تستعين به إلا ما تحصل عليه من المتعة، بل إنها قد تستحق أكثر من نصف المهر، إذا رأى القاضي منحها مزيداً من المال مما يقضي به العرف أو جرت به العادة.

وإذن فقد اتضح لنا أن المتعة تجب على الزوج لمطلقته في جميع الأحوال؛ تعويضاً لها عن الضرر الذي يصيبها بسبب الطلاق وإيذاء الزوج لها بتركها، وإثارة القول فيها: ما سبب تركه لها؟ لعله كره منها كذا وكذا؟ وقد يقعد بها هذا الطلاق عن الزواج في المستقبل؛ لأن الناس غالباً ما ينصرفون عن المطلقة، وقد يكون ما أخذته من الصداق قد استهلك، فلا يبقى لها ما تستعين به في حياتها وتصون به نفسها، وتحفظ كرامتها، ويحميها من الضياع والحاجة إلى ما يدفع لها من المال باسم المتعة.

وفي هذا رد بالغ على أدعياء الإنسانية، الذين جعلوا من أنفسهم أوصياء على المرأة، وطالبوا بحمايتها من وحشية الرجل الذي يحوز المرأة كما تحاز السائمة في نظرهم.

كما أن في القول بوجوب متعة الطلاق رداً على الجمعيات النسائية، التي ملأت الدنيا صراخاً وعويلاً، مطالبة ولاة الأمور بسن تشريع يوجب على الزوج تعويض المرأة عن الضرر الذي يصيبها بسبب الطلاق، فأخذوا يتلمسون ضالتهم المنشودة في القوانين الوضيعة، ويطلبون النجدة من الأنظمة الغربية لحماية هذا الجنس الضعيف الذي استبدَّ به الرجل – على رأيهم –.. ولكن هيهات ... هيهات ... فلن يجدوا ما يحقق لهم غايتهم ويصلون به إلى هدفهم غير كتاب الله الذي (لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) وسنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذي لا ينطق عن الهوى (إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى).

وبعد...

فقد مضى ردح من الزمن على العالم الغربي وهو يجهل أو يتجاهل تعاليم الإسلام وقيمة ما اشتمل عليه من كنوز وهداية للبشرية، وظلوا في وهم خاطئ يعتقدون أن الإسلام قد استبدَّ بالمرأة، وأهدر حقوقها، ومكَّن الرجال من استغلالها ومصادرة إنسانيتها.

غير أنه قد حصحص الحق واستبان الهدى وزال اللبس، وتبين للناس في الغرب ما جاء به الإسلام من الهدى والرشاد، ووجد طلاب الحق منهم ضالتهم في الإسلام وهديه، وما جاء به من الخير وما حققه من إخراج الناس من الظلمات إلى النور، فسارع بعضهم إلى الدخول في دين الله، وطالب البعض الآخر بتطبيق شرائع الإسلام فيما يتصل بفقه الأسرة، فقد علموا أن إقامة الأسرة وفق تعاليم الإسلام هي أفضل وسيلة للراحة النفسية، وأعظم حصن يتحصنون به من الرذائل، وأقوى سياج في تربية الأولاد وحمايتهم من التشرد والضياع، ولهذا وجب على القادرين من المسلمين بذل الجهد في تبصير الناس في الغرب بتشريعات الإسلام وأحكامه، وبذل الجهد في إقامة دين الله؛ عن طريق نشر الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن. قال – تعالى -: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) .

ونسأل المولى القدير أن ينصر دينه، وأن يجعل الكلمة العليا لأمة سيد العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

* أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة، وعضو المجلس العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

(1) التعليق المغني على سنن الدارقطني، ج4، ص : 35 بلفظ آخر، معرفة السنن والآثار، ج 10، ص : 21، سنن ابن ماجة، ج1، ص : 373، رقم 2028، نيل الأوطار، ج7، ص : 2.

(2 ) الأحوال الشخصية لمحيي الدين عبد الحميد، (ص : 158).

(3 ) الفقهاء السبعة هم : 1. سعيد بن المسيب. 2. عروة بن الزبير. 3. القاسم بن محمد.

4. خارجة بن زيد. 5. أبو بكر بن عبد الرحمن . 6. سليمان بن يسار. 7. عبد الله بن عتبة بن مسعود.



(4 ) بدائع الصنائع ج2، ص : 302، وما بعدها ... والمغني مع الشرح الكبير، طبعة رشيد رضا، ج8، ص:49، الجامع لأحكام القرآن، ج3، ص: 200.

(5) المهذَّب ، ج2، ص: 63، ونهاية المحتاج ج6، ص: 358، المغني ج8، ص: 48، الفروع ، ج5، ص: 288.

(6) المغني، ج8، ص:49، والمحلى لابن حزم، ج10، ص: 245، 247، والفروع، ج5، ص : 288، والإنصاف، ج8،ص: 302، وما بعدها ومجموع الفتاوى، ج32، ص: 27.

(7) أحكام القرآن لابن العربي، ج1، ص: 92. وتفسير ابن كثير ج1، ص : 297،. والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج3، ص: 200.

(8) المهذب، ج2، ص: 63. المغني، ج8، ص : 48. والفروع، ج5، ص: 288.

0
484

يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.

تسجيل دخول

خليك أول من تشارك برأيها   💁🏻‍♀️