د. سلمان بن فهد العودة
ختم الإمام البخاري -رحمه الله- كتابه العظيم الصحيح بحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: « كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ، ثَقِيلَتَانِ فِى الْمِيزَانِ ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ ».
وروى في ثنايا صحيحه حديثاً آخر عن أبي هريرة مرفوعاً: « مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِى يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ».
يا الله أيُّ ذنوب هذه التي تكثر وتتراكم ثم تذهب في لحظةٍ واحدة مثل زبد البحر؟!
اللهم لك الحمد لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
جعلت من همي في تَعرُّفي إلى الله تعالى السعي الدائم إلى استحضار قربه ومعيَّته وإحاطته وشهوده، والسعي في ذات الوقت إلى نفي جميع الصور المحددة والخيالات التي تخطر على بالي كلما ذكرته أو تذكرته، فهي صور بشرية بدائية ساذجة؛ تنتمي إلى عقلي الواهن المحدود الذي صمم ليفهم تلك المعاني ويعقلها لا ليتصورها وكأنه يراها بناظريه.
وحين قال -عليه الصلاة السلام-: « أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ »، قصد --والله أعلم- استشعار القرب، وتحقيق معاني الأسماء الإلهية العظيمة الجميلة دون تخيل الصور التي ترد على المخيلة أو اعتمادها، ولذا قال العلماء:
(كل ما خطر ببالك فالله ليس كذلك).
وهذا معنى (التسبيح)، أي: التنزيه والتقديس والاعتقاد بأحدية الله وتفرده عن عباده، لايقاس إليهم ولا يماثلهم ولا يخطر على قلوبهم وصف كيفيته ولا تصورها {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (11:الشورى) .
ذكر التسبيح في القرآن الكريم سبعاً وثمانين مرةً بصيغٍ مختلفة.
سورة الإسراء تُفتتح بـ(سُبْحَانَ)، وهو مصدر يعني التنزيه المطلق التام لله عن كل صفات النقص والعيب والخطأ والزلل والجهل، وإثبات أضداد ذلك من الكمال والجلال والجمال والعظمة والعلم والرحمة والحلم والفضل..
تبدأ بالتسبيح؛ لأنها تتحدث عن أمر خارج عن سنن الحياة العادية وعن قدرات البشر، إنها تتحدث عن الإسراء من مكة المكرمة إلى بيت المقدس، ثم العروج إلى السماوات العلا، وهو أمر إلهي محض لا يدخل تحت قدرة البشر.
وتُختتم بالتهليل والتكبير والتحميد، فكأنها منزع الكلمات الأربع: « سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ »، فآخر السورة: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ}، وهذا معنى "لا إله إلا الله"، {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} (111:الإسراء).
وحين ذكر النبي هذه الكلمات قال: « لاَ يَضُرُّكَ بَأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ »، مع أنه صلى الله عليه وسلم بدأ بـ« سُبْحَانَ اللَّهِ ».
في القرآن الكريم سور تُفتتح بـ{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}، فهي تتحدث عن تسبيح تم وكَمُل ومضى وانقضى.
وسورٌ أخرى تفتتح بصيغة: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}، فتتحدث عن تسبيح مضارعٍ يحدث الآن ويستمر ويدوم .
وسورة تُفتتح بـ{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} (1:الأعلى)، وهو أمر يقتضي حدوث التسبيح في المستقبل.
فالتسبيح شامل للأزمنة الثلاثة؛ ماضيها وحاضرها ومستقبلها.
الكون كله مندمج في تمجيد الله فكيف نشذ نحن عنه ونظل في غفلاتنا؟!
ثم نستغرب بعد ذلك أن يقتلنا القلق والخوف واليأس!
وحين نَزَلَتْ (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ ». فَلَمَّا نَزَلَتْ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) قَالَ « اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ » (رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه).
ولذا تسمى الصلاة (سُبحة) بضم السين؛ لكثرة ما يردد العابد فيها من التسبيح، ولو كان بألفاظ متغايرة؛ فالذكر نوعان:
١-نفي للنقائص والعيوب والخيالات البشرية عن الرب العظيم المتفرِّد.
٢-وإثبات للكمالات والفضائل والجمال والجلال والعظمة والكبرياء والمجد.
في سورة الإخلاص مثلاً تسبيح وتنزيه وتقديس كقوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}، وهو نص عظيم يُذكّر المؤمن بتنزيه الله عن مشابهة خلقه أو مماثلتهم، فلا تضرب له الأمثال، ولا يدركه الخيال، ولا يخطر ببال..
وفيها الإثبات وهو: {اللَّهُ أَحَدٌ}.
وفيها ما هو مركّب منهما وهو: {اللَّهُ الصَّمَدُ}، فهو يعني نفي مشابهة الخلق، ويعني إثبات الكمال في الصفات، ويعني أنه غني بذاته لا يحتاج إلى أحد، ولا يحتاج إلى شيء، والكل محتاج إليه.
من شأن الإنسان إذا تحدث عن أحد أو وصفه أو ذكر شيئاً فإنه يتداعى إلى ذهنه تصور أو خيال، ناتجٌ عن مقارنة هذا الشيء الذي يتحدث عنه بالأشياء التي يعرفها ويعرف الألفاظ الدالّة عليها، وهذا طبعٌ في العقل البشري لا يكاد ينفك عنه.
ولذلك وقع للبشر في تاريخهم من ألوان الشرك ما وقع، وغالب هذا الشرك ناتج عن تشبيه الخالق بالمخلوق أو تمثيله أو تصويره أو قياسه عليه أو إعطاء الربوبية لشيء من المخلوقات المادية، ولذلك كثر في القرآن الكريم الحديث عن تنزيه الله وتقديسه، فالله تعالى لا يُقاس بخلقه ولا يُقاس به خلقه، والتسبيح الدائم هو نفي للتصورات والتهيؤات والتخيُّلات والخطرات التي تخطر في بالنا حينما نتحدث عن الله أو نقرأ عنه.
ولذلك قال في سورة الصافات: {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} (160،159)، وفي آخر السورة: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (179-181).
ينزه ويسبح عن أوصاف البشر الذين وصفوه تعالى بما لا يعلمون وما لم يوقفهم عليه خبر من السماء على لسان أحد الأنبياء، فكل وصف لله تعالى على غير ما جاء في الوحي فهو تَقوُّلٌ وافتئاتٌ ورجمٌ بالغيب، ولذلك قال: {إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ}، يعني من الأنبياء وأتباع الأنبياء؛ الذين آمنوا بالله ورسله ووحيه وصدَّقوا المرسلين وقالوا عن ربهم ما قاله أنبياؤهم ورسلهم دون تجاوزٍ أو اعتداء.
ومن المعنى: تنزيه الله وتسبيحه عما تصفه خواطر البشر، وعقولهم الكليلة، وأذهانهم العليلة، وعجزهم الظاهر، وخيالهم البسيط الساذج.
له الأسماء الحسنى؛ التي تفرَّد بمعانيها وحقائقها وكمالاتها، لا تقاس بما عليه الخلق، ولا يجوز أن يرسم الإنسان لها صورة معينة في ذهنه، كل الصور منفية، وحقيقة الصفات والأسماء غير مدركة للبشر، ولكنهم يملكون الإيمان بها، ويملكون تصور أنفسهم وضعفهم وافتقارهم وحاجتهم الذاتية إليه سبحانه، فيقع لهم الخشوع والخضوع والذل والانكسار بين يديه.
هذا التسبيح الذي ينجو به العبد من الأزمات والمضايق والمحن، ويخلص من الهموم والغموم والأحزان؛ كما نجى يونس من بطن الحوت: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (144،143:الصافات).
هموم الفرد في رزقه، ومعاشه، وعلاجه، وزوجه، وولده، ووظيفته، ومستقبله..
وهموم الشعب والأمة في السعي للتفوق، والتنمية، والنهوض، والنجاح، ومواجهة تحديات الحياة..
إن قمة الإيمان والتوحيد هي قمة الإثبات والتجريد، فالإثبات يعني الإيمان بالإله الخالق الرازق العظيم؛ الذي يُغيِّر ولا يَتغيَّر ولا يعجزه شيء.
والتجريد يعني السمو والتّرقِّي عن تشبيه هذه الصفات والأسماء بما عهدناه وألفناه في كوننا وحياتنا ووفق بيئاتنا وما حولنا.
العقل البشري مصممٌ خصيصاً للتعامل مع الكون، وحين يعمل في حقله يصنع الإبداع والإنجاز، ويأتي بما يبهر ويذهل من الابتكار والكشف، وبهذا عظمت حضارة الإنسان وتراكم خيرها ونفعها وتيسيرها للحياة.
وهو عاجزٌ عجزاً حقيقياً تكوينياً عن أن يعمل في نطاق الغيب، بما هو أكثر من الإثبات، فهو عاجز عن تصور يوم القيامة على حقيقته، وتصور الصراط، والميزان، والجنة والنار، وتفاصيل ذلك اليوم الطويل العصيب، وإنما يؤمن العبد المؤمن بما جاء في القرآن والسنة ويُفوّض كيفية ذلك إلى الله، وهو القائل: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} (17:السجدة)، وفي الجنة: «مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ »، و(ليس في الجنة مما في دنياكم إلا الأسماء).
إن كثيراً من الشُّبهات التي تغشى شباب اليوم، وتدور في مخيلاتهم، وتجري على ألسنتهم؛ ناتج عن تشبيههم وتمثيلهم وتصويرهم أمور الغيب على أمور الشهادة، وقياسهم ما غاب على ما حضر، وظنهم أن في مقدور عقولهم ومخيلاتهم تصوُّر أمور الغيب والآخرة وفق ما عهدوا وألفوا، فيترتب عن ذلك الإحساس بالتناقض والاختلاف، أو عدم الاستيعاب أو عدم الفهم، ولو أنهم أدركوا أن لذلك الغيب قدسيته وقوانينه، ونواميسه وسننه، ومعانيه وألفاظه.. التي لا يدركونها إلا إذا رأوها؛ لسَلِم لهم يقينهم وإيمانهم من الشبهات المردية.
أسمى درجات الإيمان أن تُسَلِّم وتصدق بخبر الله وخبر الوحي المتواتر القطعي الثابت، وفي الوقت ذاته تجرّد هذه الأخبار من التخيُّلات والكيفيات المعهودة في العقل والحياة.
أصابني أرقٌ عارض بسبب ضيق عابر فقال لي صديق: إذا أويت إلى فراشك فاندمج في تسبيح دائم ولا تنشغل بعدده، قل: سبحان الله سبحان الله.. حتى تتعب.. حتى تنعس.. حتى تنام!
قلت له: أَوَلَيْسَ القرآن أفضل وأولى؟
قال: بلى، ولكن القرآن يحتاج إلى استحضار وتركيز، بينما التسبيح كلمة واحدة ترددها عشراً ومائةً وألفاً وما شاء الله حتى تغلبك عينك، ولو خطر لك سرحان أو شرود.
وتذكَّرت حديث المؤمنة الصِّديقة فاطمة بنت محمد حين احتاجت خادمة فقال -صلى الله عليه وسلم- لها ولبعلها الإمام علي رضي الله عنه:
« أَلاَ أَدُلُّكُمَا عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ ، إِذَا أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا ، أَوْ أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا ، فَكَبِّرَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ ، وَسَبِّحَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ ، وَاحْمَدَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ ، فَهَذَا خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ » (كما في البخاري ومسلم).
يا من تعانون المشقات في أعمالكم وصحوكم!
ويا من يشتكون الأرق عند نومكم!
يا من تعايشون القلق في الحياة
ختم الإمام البخاري -رحمه الله- كتابه العظيم الصحيح بحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: « كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ، ثَقِيلَتَانِ فِى الْمِيزَانِ ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ ».
وروى في ثنايا صحيحه حديثاً آخر عن أبي هريرة مرفوعاً: « مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِى يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ».
يا الله أيُّ ذنوب هذه التي تكثر وتتراكم ثم تذهب في لحظةٍ واحدة مثل زبد البحر؟!
اللهم لك الحمد لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
جعلت من همي في تَعرُّفي إلى الله تعالى السعي الدائم إلى استحضار قربه ومعيَّته وإحاطته وشهوده، والسعي في ذات الوقت إلى نفي جميع الصور المحددة والخيالات التي تخطر على بالي كلما ذكرته أو تذكرته، فهي صور بشرية بدائية ساذجة؛ تنتمي إلى عقلي الواهن المحدود الذي صمم ليفهم تلك المعاني ويعقلها لا ليتصورها وكأنه يراها بناظريه.
وحين قال -عليه الصلاة السلام-: « أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ »، قصد --والله أعلم- استشعار القرب، وتحقيق معاني الأسماء الإلهية العظيمة الجميلة دون تخيل الصور التي ترد على المخيلة أو اعتمادها، ولذا قال العلماء:
(كل ما خطر ببالك فالله ليس كذلك).
وهذا معنى (التسبيح)، أي: التنزيه والتقديس والاعتقاد بأحدية الله وتفرده عن عباده، لايقاس إليهم ولا يماثلهم ولا يخطر على قلوبهم وصف كيفيته ولا تصورها {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (11:الشورى) .
ذكر التسبيح في القرآن الكريم سبعاً وثمانين مرةً بصيغٍ مختلفة.
سورة الإسراء تُفتتح بـ(سُبْحَانَ)، وهو مصدر يعني التنزيه المطلق التام لله عن كل صفات النقص والعيب والخطأ والزلل والجهل، وإثبات أضداد ذلك من الكمال والجلال والجمال والعظمة والعلم والرحمة والحلم والفضل..
تبدأ بالتسبيح؛ لأنها تتحدث عن أمر خارج عن سنن الحياة العادية وعن قدرات البشر، إنها تتحدث عن الإسراء من مكة المكرمة إلى بيت المقدس، ثم العروج إلى السماوات العلا، وهو أمر إلهي محض لا يدخل تحت قدرة البشر.
وتُختتم بالتهليل والتكبير والتحميد، فكأنها منزع الكلمات الأربع: « سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ »، فآخر السورة: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ}، وهذا معنى "لا إله إلا الله"، {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} (111:الإسراء).
وحين ذكر النبي هذه الكلمات قال: « لاَ يَضُرُّكَ بَأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ »، مع أنه صلى الله عليه وسلم بدأ بـ« سُبْحَانَ اللَّهِ ».
في القرآن الكريم سور تُفتتح بـ{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}، فهي تتحدث عن تسبيح تم وكَمُل ومضى وانقضى.
وسورٌ أخرى تفتتح بصيغة: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}، فتتحدث عن تسبيح مضارعٍ يحدث الآن ويستمر ويدوم .
وسورة تُفتتح بـ{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} (1:الأعلى)، وهو أمر يقتضي حدوث التسبيح في المستقبل.
فالتسبيح شامل للأزمنة الثلاثة؛ ماضيها وحاضرها ومستقبلها.
الكون كله مندمج في تمجيد الله فكيف نشذ نحن عنه ونظل في غفلاتنا؟!
ثم نستغرب بعد ذلك أن يقتلنا القلق والخوف واليأس!
وحين نَزَلَتْ (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ ». فَلَمَّا نَزَلَتْ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) قَالَ « اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ » (رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه).
ولذا تسمى الصلاة (سُبحة) بضم السين؛ لكثرة ما يردد العابد فيها من التسبيح، ولو كان بألفاظ متغايرة؛ فالذكر نوعان:
١-نفي للنقائص والعيوب والخيالات البشرية عن الرب العظيم المتفرِّد.
٢-وإثبات للكمالات والفضائل والجمال والجلال والعظمة والكبرياء والمجد.
في سورة الإخلاص مثلاً تسبيح وتنزيه وتقديس كقوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}، وهو نص عظيم يُذكّر المؤمن بتنزيه الله عن مشابهة خلقه أو مماثلتهم، فلا تضرب له الأمثال، ولا يدركه الخيال، ولا يخطر ببال..
وفيها الإثبات وهو: {اللَّهُ أَحَدٌ}.
وفيها ما هو مركّب منهما وهو: {اللَّهُ الصَّمَدُ}، فهو يعني نفي مشابهة الخلق، ويعني إثبات الكمال في الصفات، ويعني أنه غني بذاته لا يحتاج إلى أحد، ولا يحتاج إلى شيء، والكل محتاج إليه.
من شأن الإنسان إذا تحدث عن أحد أو وصفه أو ذكر شيئاً فإنه يتداعى إلى ذهنه تصور أو خيال، ناتجٌ عن مقارنة هذا الشيء الذي يتحدث عنه بالأشياء التي يعرفها ويعرف الألفاظ الدالّة عليها، وهذا طبعٌ في العقل البشري لا يكاد ينفك عنه.
ولذلك وقع للبشر في تاريخهم من ألوان الشرك ما وقع، وغالب هذا الشرك ناتج عن تشبيه الخالق بالمخلوق أو تمثيله أو تصويره أو قياسه عليه أو إعطاء الربوبية لشيء من المخلوقات المادية، ولذلك كثر في القرآن الكريم الحديث عن تنزيه الله وتقديسه، فالله تعالى لا يُقاس بخلقه ولا يُقاس به خلقه، والتسبيح الدائم هو نفي للتصورات والتهيؤات والتخيُّلات والخطرات التي تخطر في بالنا حينما نتحدث عن الله أو نقرأ عنه.
ولذلك قال في سورة الصافات: {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} (160،159)، وفي آخر السورة: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (179-181).
ينزه ويسبح عن أوصاف البشر الذين وصفوه تعالى بما لا يعلمون وما لم يوقفهم عليه خبر من السماء على لسان أحد الأنبياء، فكل وصف لله تعالى على غير ما جاء في الوحي فهو تَقوُّلٌ وافتئاتٌ ورجمٌ بالغيب، ولذلك قال: {إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ}، يعني من الأنبياء وأتباع الأنبياء؛ الذين آمنوا بالله ورسله ووحيه وصدَّقوا المرسلين وقالوا عن ربهم ما قاله أنبياؤهم ورسلهم دون تجاوزٍ أو اعتداء.
ومن المعنى: تنزيه الله وتسبيحه عما تصفه خواطر البشر، وعقولهم الكليلة، وأذهانهم العليلة، وعجزهم الظاهر، وخيالهم البسيط الساذج.
له الأسماء الحسنى؛ التي تفرَّد بمعانيها وحقائقها وكمالاتها، لا تقاس بما عليه الخلق، ولا يجوز أن يرسم الإنسان لها صورة معينة في ذهنه، كل الصور منفية، وحقيقة الصفات والأسماء غير مدركة للبشر، ولكنهم يملكون الإيمان بها، ويملكون تصور أنفسهم وضعفهم وافتقارهم وحاجتهم الذاتية إليه سبحانه، فيقع لهم الخشوع والخضوع والذل والانكسار بين يديه.
هذا التسبيح الذي ينجو به العبد من الأزمات والمضايق والمحن، ويخلص من الهموم والغموم والأحزان؛ كما نجى يونس من بطن الحوت: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (144،143:الصافات).
هموم الفرد في رزقه، ومعاشه، وعلاجه، وزوجه، وولده، ووظيفته، ومستقبله..
وهموم الشعب والأمة في السعي للتفوق، والتنمية، والنهوض، والنجاح، ومواجهة تحديات الحياة..
إن قمة الإيمان والتوحيد هي قمة الإثبات والتجريد، فالإثبات يعني الإيمان بالإله الخالق الرازق العظيم؛ الذي يُغيِّر ولا يَتغيَّر ولا يعجزه شيء.
والتجريد يعني السمو والتّرقِّي عن تشبيه هذه الصفات والأسماء بما عهدناه وألفناه في كوننا وحياتنا ووفق بيئاتنا وما حولنا.
العقل البشري مصممٌ خصيصاً للتعامل مع الكون، وحين يعمل في حقله يصنع الإبداع والإنجاز، ويأتي بما يبهر ويذهل من الابتكار والكشف، وبهذا عظمت حضارة الإنسان وتراكم خيرها ونفعها وتيسيرها للحياة.
وهو عاجزٌ عجزاً حقيقياً تكوينياً عن أن يعمل في نطاق الغيب، بما هو أكثر من الإثبات، فهو عاجز عن تصور يوم القيامة على حقيقته، وتصور الصراط، والميزان، والجنة والنار، وتفاصيل ذلك اليوم الطويل العصيب، وإنما يؤمن العبد المؤمن بما جاء في القرآن والسنة ويُفوّض كيفية ذلك إلى الله، وهو القائل: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} (17:السجدة)، وفي الجنة: «مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ »، و(ليس في الجنة مما في دنياكم إلا الأسماء).
إن كثيراً من الشُّبهات التي تغشى شباب اليوم، وتدور في مخيلاتهم، وتجري على ألسنتهم؛ ناتج عن تشبيههم وتمثيلهم وتصويرهم أمور الغيب على أمور الشهادة، وقياسهم ما غاب على ما حضر، وظنهم أن في مقدور عقولهم ومخيلاتهم تصوُّر أمور الغيب والآخرة وفق ما عهدوا وألفوا، فيترتب عن ذلك الإحساس بالتناقض والاختلاف، أو عدم الاستيعاب أو عدم الفهم، ولو أنهم أدركوا أن لذلك الغيب قدسيته وقوانينه، ونواميسه وسننه، ومعانيه وألفاظه.. التي لا يدركونها إلا إذا رأوها؛ لسَلِم لهم يقينهم وإيمانهم من الشبهات المردية.
أسمى درجات الإيمان أن تُسَلِّم وتصدق بخبر الله وخبر الوحي المتواتر القطعي الثابت، وفي الوقت ذاته تجرّد هذه الأخبار من التخيُّلات والكيفيات المعهودة في العقل والحياة.
أصابني أرقٌ عارض بسبب ضيق عابر فقال لي صديق: إذا أويت إلى فراشك فاندمج في تسبيح دائم ولا تنشغل بعدده، قل: سبحان الله سبحان الله.. حتى تتعب.. حتى تنعس.. حتى تنام!
قلت له: أَوَلَيْسَ القرآن أفضل وأولى؟
قال: بلى، ولكن القرآن يحتاج إلى استحضار وتركيز، بينما التسبيح كلمة واحدة ترددها عشراً ومائةً وألفاً وما شاء الله حتى تغلبك عينك، ولو خطر لك سرحان أو شرود.
وتذكَّرت حديث المؤمنة الصِّديقة فاطمة بنت محمد حين احتاجت خادمة فقال -صلى الله عليه وسلم- لها ولبعلها الإمام علي رضي الله عنه:
« أَلاَ أَدُلُّكُمَا عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ ، إِذَا أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا ، أَوْ أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا ، فَكَبِّرَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ ، وَسَبِّحَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ ، وَاحْمَدَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ ، فَهَذَا خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ » (كما في البخاري ومسلم).
يا من تعانون المشقات في أعمالكم وصحوكم!
ويا من يشتكون الأرق عند نومكم!
يا من تعايشون القلق في الحياة
لن يدع الله الحُزن مقيمًا بقلبك
هو عابر يمُر ليحمل خطاياك برحمة الله
أو يرفع لك مقامًا في الجنه إن صبرت ..❗️
❤️❤️❤️
هو عابر يمُر ليحمل خطاياك برحمة الله
أو يرفع لك مقامًا في الجنه إن صبرت ..❗️
❤️❤️❤️
༺❀--••🔹 *لأنـك اللـه* 🔹••--❀༻
-•💭 رحلة إلى السماء السابعة 💭•-
✿-🖱 أ. *علي بن جابر الفيفي*🖱-✿
🔵 الدرس الأول 🔵
🖱••.¸¸.•🔹 *مقدمة* 🔹•.¸¸.••🖱
🔹 ✿- لأنك الله .. لا خوفٌ ولا قلقُ -✿🔹
-❀ ولا غروب .. ولا ليل .. ولا شفقُ ❀-
🔹 ✿- لأنك الله .. قلبي كلّه أملٌ -✿🔹
-❀ لأنك الله.. روحي ملؤها الألقُ ❀-
🔵 •• الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وصحبه ومن والاه.. وبعد..
✿- فهذه كلمات عن بعض أسماء الله، كتبتها بضعفي عن القويّ سبحانه، وبعجزي عن القدير سبحانه، وبجهلي عن العليم سبحانه..
❀- حرصت أن أجعلها مما يفهمه متوسط الثقافة، ويستطيع قراءته المريض على سريره، والحزين بين دموعه، والمحتاج وسط كروبه..
✿- لديّ يقين أن تعلّق القلب بالله، وعلمه به، ومراقبته له، وحبّه وخوفه ورجاءه، كما أنّه سرّ سعادة الآخرة، فإنه سر سعادة الدنيا كذلك، وأنّ مرحلة الأحزان والوساوس والكروب ستنتهي تماماً إن وجّه العبد بوصلة اهتمامه إلى الذي لم يخلقه إلا لعبادته..
❀- وباب أسماء الله الحسنى باب إيمانيّ عظيم، يدلف العبد من خلاله إلى عالم قدسي خاص، يجعل النفس تسجد تعظيمًا، والروح تتبتّل خشوعًا وحبًا..
✿- أردت من هذا الكتاب الدلالة على الله سبحانه، والإشارة إليه بالقليل مما لديه، وتذكير نفسي وإخواني بأنه على كل شيء قدير، وأن فضله كبير، وأنّه سبحانه السميع البصري..
❀- وأردت أن أربت بهذه الكلمات على أكتاف أتعبتها الأوجاع، وأمسح بها على رؤوس صدّعتها الآلام، أردت أن أواري بأحرفي الدموع، وأن أطفئ لهيب الضلوع..
✿- إننا بدون معرفة أسماء الله في صحراء تائهون، تتبدد أيامنا في لهيب تلك الصحراء، ودوّامة كثبان القلق النفسي..
❀- اختر الله: معرفة، وإيمانًا، ويقينًا، وعبادة، وخضوعًا، ثم أنسًا، وسعادة، وهناء..
✿- أو اختر التيه، والضياع، والاختناق، والشعور بالكآبة، والتمزق النفسي..
❀- لا أدّعي في هذا الكتاب إحاطة ولا علمًا ولا سبقاً، الذي أدعيه هو العجز والتقصير والافتقار إلى عفوه سبحانه وتجاوزه ..
✿- فإن كان في هذا الكتاب من خير فأسأل الله أن يشيعه بين الناس، وإن كان غير ذلك فقد علم سبحانه كل التقصير الذي عندي، وقد علمتُ بعض العفو الذي عنده..
✿- أسأل الله صلاح النيّة، وأن يغفر ما قد يندّ به القلم، أو يخطئ به الفؤاد..
🔹-- وصلى الله وسلم على سيدنا محمد .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.. --🔹
✿-🖱 *علي بن جابر الفيفي*🖱-✿
27/7/1437 هـ
🖱❀-••-❀🔹-- ✿ --🔹❀-••-❀🖱
وصلى اللهم وبارك على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم...
-•💭 رحلة إلى السماء السابعة 💭•-
✿-🖱 أ. *علي بن جابر الفيفي*🖱-✿
🔵 الدرس الأول 🔵
🖱••.¸¸.•🔹 *مقدمة* 🔹•.¸¸.••🖱
🔹 ✿- لأنك الله .. لا خوفٌ ولا قلقُ -✿🔹
-❀ ولا غروب .. ولا ليل .. ولا شفقُ ❀-
🔹 ✿- لأنك الله .. قلبي كلّه أملٌ -✿🔹
-❀ لأنك الله.. روحي ملؤها الألقُ ❀-
🔵 •• الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وصحبه ومن والاه.. وبعد..
✿- فهذه كلمات عن بعض أسماء الله، كتبتها بضعفي عن القويّ سبحانه، وبعجزي عن القدير سبحانه، وبجهلي عن العليم سبحانه..
❀- حرصت أن أجعلها مما يفهمه متوسط الثقافة، ويستطيع قراءته المريض على سريره، والحزين بين دموعه، والمحتاج وسط كروبه..
✿- لديّ يقين أن تعلّق القلب بالله، وعلمه به، ومراقبته له، وحبّه وخوفه ورجاءه، كما أنّه سرّ سعادة الآخرة، فإنه سر سعادة الدنيا كذلك، وأنّ مرحلة الأحزان والوساوس والكروب ستنتهي تماماً إن وجّه العبد بوصلة اهتمامه إلى الذي لم يخلقه إلا لعبادته..
❀- وباب أسماء الله الحسنى باب إيمانيّ عظيم، يدلف العبد من خلاله إلى عالم قدسي خاص، يجعل النفس تسجد تعظيمًا، والروح تتبتّل خشوعًا وحبًا..
✿- أردت من هذا الكتاب الدلالة على الله سبحانه، والإشارة إليه بالقليل مما لديه، وتذكير نفسي وإخواني بأنه على كل شيء قدير، وأن فضله كبير، وأنّه سبحانه السميع البصري..
❀- وأردت أن أربت بهذه الكلمات على أكتاف أتعبتها الأوجاع، وأمسح بها على رؤوس صدّعتها الآلام، أردت أن أواري بأحرفي الدموع، وأن أطفئ لهيب الضلوع..
✿- إننا بدون معرفة أسماء الله في صحراء تائهون، تتبدد أيامنا في لهيب تلك الصحراء، ودوّامة كثبان القلق النفسي..
❀- اختر الله: معرفة، وإيمانًا، ويقينًا، وعبادة، وخضوعًا، ثم أنسًا، وسعادة، وهناء..
✿- أو اختر التيه، والضياع، والاختناق، والشعور بالكآبة، والتمزق النفسي..
❀- لا أدّعي في هذا الكتاب إحاطة ولا علمًا ولا سبقاً، الذي أدعيه هو العجز والتقصير والافتقار إلى عفوه سبحانه وتجاوزه ..
✿- فإن كان في هذا الكتاب من خير فأسأل الله أن يشيعه بين الناس، وإن كان غير ذلك فقد علم سبحانه كل التقصير الذي عندي، وقد علمتُ بعض العفو الذي عنده..
✿- أسأل الله صلاح النيّة، وأن يغفر ما قد يندّ به القلم، أو يخطئ به الفؤاد..
🔹-- وصلى الله وسلم على سيدنا محمد .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.. --🔹
✿-🖱 *علي بن جابر الفيفي*🖱-✿
27/7/1437 هـ
🖱❀-••-❀🔹-- ✿ --🔹❀-••-❀🖱
وصلى اللهم وبارك على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم...
الصفحة الأخيرة
•*•
•*•الجزء الثاني •*•
*•و رحمتُ ربكَ خيرٌ مما يجمعون : تعليق رباني مطلق ، دوماً وبكل حين وبكل حال رحمة ربك لك خير مما يجمعون .
*•و رحمتُ ربكَ خيرٌ مما يجمعون :أن يختصك بها فهذا أمر يحدث لنا جميعا لأنه الكريم سبحانه بالرغم من كل أفعالنا و جحودنا ، فكيف إذا زاد و أدخلك في كنف رحمته وعطفه وشفقته الخاصة ؟
كم سيعطيك وكم سيبهرك ؟!
*•و رحمتُ ربكَ خيرٌ مما يجمعون :تظن بأنه لا يبالي بك؟! حاشاه سبحانه لو تركك دون جبر لقلبك لمت حينها ولقتلك الألم و لذهب عقلك خوفاً و فزعاً، و لذابت كبدك من الكمد.
و هل هناك مخلوق هش كالبشر؟!
*•و رحمتُ ربكَ خيرٌ مما يجمعون :لا يدرك ذلك الخير من أختل عقله من الجزع واليأس، لا يدرك ذلك لأنه زاد على نفسه و أثقل عليها حتى تحطمت، فيكون كالذي خلع رداء اللطف بالشكوك والسخط .
*•و رحمتُ ربكَ خيرٌ مما يجمعون :فرق بين الأم التي صبرت حين حلت المصيبة بها في فقد أطفالها، و بين الأب الذي فقد عقله ، فرق بين من يختار طريقة تصرفه بغض النظر عن حزنه .
*•و رحمتُ ربكَ خيرٌ مما يجمعون :لا يفهم ذلك إلا من يدرك بأن من كرم عطائه أن رحمته عامة للجميع فلا فرق بين مؤمن وكافر .
*•و رحمتُ ربكَ خيرٌ مما يجمعون :يقول - صلى الله عليه وسلم :
"الحزانى في كنف الله" .
ويقول سبحانه للمريض في الحديث القدسي :
"لو زرته لوجدتني عنده" .
و أيضا قال سبحانه :
"أنا عند المنكسرة قلوبهم".
*•و رحمتُ ربكَ خيرٌ مما يجمعون : لا ندرك حجم ذلك العطاء ولا مقدار تلك النعم؛ لأننا نحن البشر أغبياء، فلو توقفت معدتك لساعة ستعلم كم أنت بحاجة لها ، و إذا كسفت الشمس🌞لأسبوع أو إذا أهتزت الأرض لدقائق ، ستعلم بأنك لا تشعر بكل تلك العطايا ، ترى الأشياء الصغيرة التي تنقصك وتحسب أنها نقص حقيقي بينما أنت محمل باللطف .
*•و رحمتُ ربكَ خيرٌ مما يجمعون :ماذا يجمع البشر عادةً ( علاقات ،أفكار، مناصب ، ألقاب ، درجات وظيفية ، أثاث، ملابس ، شهادات ،إعجابات في الفيس ، متابعون بالتويتر......) .
*•و رحمتُ ربكَ خيرٌ مما يجمعون :بغض النظر أن لكل عصر طريقته بالجمع وبأن البشر لن يترددوا بالجمع لأنهم يظنون أن في جمع المال ضمانة ، وفي جمع العلاقات قوة ، وفي جمع الشهادات علم ، وفي جمع المشاعر راحة ، وفي جمع السلاح نصر ، و في جمع الأشياء فسحة ، لكن كل هذا لايمثل شيئا أمام رحمة ربك .
*•و رحمتُ ربكَ خيرٌ مما يجمعون :رحمة ربك لو لم تلمسك سيتحول كل ما جمعت لعنة على كل ما حياتك .
المال غير المبارك يمزق العائلات ، هوس الشهرة يبعثر المرء ، تحجر الإنسان يأتي من الشهادات المتراكمة .... وغيرها من الأمور التي تخلو من العناية والرحمة والعطف .
*•و رحمتُ ربكَ خيرٌ مما يجمعون :في الأصل كل نعم وكل عطاء من الله هو كرم و رحمة ، بينما الرحمة هنا شيء خاص من عنايته و تعطفه بك .
•*•و رحمتُ ربكَ خيرٌ مما يجمعون :
* عندما يرحمك ينفعك بعلمك ، بينما غيرك يشقى بالعلوم.
* عندما يرحمك يمتعك بشريك حياتك، بينما غيرك مع شريك حياته كالغريب وأحياناً كالعدو .
*عندما يرحمك يجعل لقماتك مشبعة ، بينما غيرك لا تشبعه الموائد.
* عندما يرحمك يجعل زوجتك أجمل ما خلق الله بعينك ، بينما غيرك معه من النساء ما معه لكنه لا يكتفي .
*عندما يرحمك تكفيك سويعات نوم .
* عندما يرحمك تسندك كلمتان طيبتان لسنين.
*عندما يرحمك يجعل مجرد ذكرى جميلة طاقة لقلبك الوحيد.
* عندما يرحمك تشعر أن بيتك المتواضع أفضل من قصور الأمراء.
*عندما يرحمك يسكن النور في مقلتيك رغم الألم والشظف.
*عندما يرحمك تتحول كلماتك المسكينة بلسم لمن حولك.
* عندما يرحمك يحميك من كيد من حولك ويهون عليك الخوف.
* عندما يرحمك تدخل في حفظه فلا شأن لأسرتك أو دولتك أو حتى نفسك ، هو سبحانه يدافع عنك حتى أمام شرور وظلمات نفسك.
*•و رحمتُ ربكَ خيرٌ مما يجمعون : الرحمة أوسع من مفهوم البركة ،
فالبركة تمس الشيء أما الرحمة فتمس الشيء و كذلك ذاته .
بالرحمة :
يهدأ قلبك 🌾
تكتفي غرائزك 🌾
تستقيم رغباتك🌾
تتسأل من أين لك هذه
القوة و التماسك ؟ 🌾
لا تفهم كيف أنت هادئ 🌾
كيف أنت قادر على الوقوف؟🌾
كيف استطعت
الثبات و الإستمرار؟🌾
*•و رحمتُ ربكَ خيرٌ مما يجمعون :هذه الآية تجعلك تتذكر تلك المواقف التي حدثت لك؟
كم مرة اندهشت ؟
كم مرة تساءلت عن كيفية تجاوزك لعدة مواقف ؟
كيف تحملت ؟
كيف لم ينته أمرك حينها ؟
°كلما خوفوك بشحة الرزق قل:
•و رحمتُ ربكَ خيرٌ مما يجمعون .
° كلما قيل لك ضاع مستقبلك قل :
•و رحمتُ ربكَ خيرٌ مما يجمعون .
°كلما قيل لك أنك بلا عزوة أو جاة قل:
•و رحمتُ ربكَ خيرٌ مما يجمعون .
°كلما قيل لك بأنك لن تتزوجي قولي :
•و رحمتُ ربكَ خيرٌ مما يجمعون .
°حين يتباهى الآخرين بالمتاع والمناصب قل :
•و رحمتُ ربكَ خيرٌ مما يجمعون .
°حين يرهبونك بالسلطة قل :
•و رحمتُ ربكَ خيرٌ مما يجمعون .
°حين يتوفى أحبابك وتصبح وحيد لا أحد لك قل :
•و رحمتُ ربكَ خيرٌ مما يجمعون .
°حين يعطوك دروسا طويلة بأن صحتك لن تعود و أن أمراضك لن تنتهي قل :
•و رحمتُ ربكَ خيرٌ مما يجمعون .
°حين يكتبون ويحللون بأن المنطقة بأكملها سوف تنتهي و تتدمر قل :
•و رحمتُ ربكَ خيرٌ مما يجمعون .
°وكلما حز في نفسك شيء ليس معك قل:
•و رحمتُ ربكَ خيرٌ مما يجمعون .
° وكلما دفعك الآخرون لشيء لا تريده إمتنع وقل :
•و رحمتُ ربكَ خيرٌ مما يجمعون .
°*°ابذل السبب واجتهد وأسعى لنيل إحتياجاتك ، لكن تذكر بأن الجمع ليس هو الأساس وعلى أي طريقة كانت ؛ بل الأساس أن تنتظر رحمة الله في كل سعيك .
°*° إياك أن تعصي الله وتتذلل لسواه ثم تتوقع أن تدخل في عطائه الخاص ورحمته الخاصة .
*• هذه الآية ليست عذر للتكاسل عن الكدح لكنها تطمين لك أمام غريزة الهلع ، حينها ستكون على ما يرام وستوقن وتردد بأن
*• (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)
•*•
°*تلخيص : أمل محمد.
°*إدارة النقاش:أ/عائشة الصلاحي.
°* 16/2/2017.
تم~
منقول