قصة نملة اسمها نوسة

الأدب النبطي والفصيح

نوسة هي نملة صغيرة جدا تكاد لا ترى بالعين المجردة إلا حين تقترب منها كثيرا ولو تمعنت جيدا في حياتها لرأيت عجب العجاب .. هي حالها كحال باقي النملات محبة للعمل مجتهدة في اكتساب قوتها طوال الصيف ليكون ذخيرتها في الشتاء.. تصحو نوسة مبكرا وتتوجه إلى عملها النهاري بكل جد واجتهاد ولأنها تتسم بالتركيز العميق على عملها تراها من أوفر أقرانها حظا ونصيبا من الخير وجحرها المتواضع الصغير يعتبر من أغنى الجحور وأوفرها بمؤن السكر وكل مالذ وطاب من أنواع الطعام .. هي محظوظة بامتلاكها صفات الإخلاص و التركيز والتفاني في العمل حتى أنها من فرط حبها للعمل اقترحت على ملكة النمل إقامة ندوة تتناول فيها هذه القيمة وما يتبعها من نجاحات مذهلة لصاحبها على الصعيد النفسي والاجتماعي ..
نوسة لديها أحلام كثيرة تسعى لتحقيقها فهي تريد توسيع جحرها الذي أضحى اليوم ضيقا من كثرة المؤن والخيرات (ماشاء الله لا قوة إلا بالله ) .. وتحلم أيضا بالزواج من جارها الوسيم الذي طالما أحبته وارتاحت إلى شخصيته لذلك هي تفكر بعمل عملية تجميلية تحقن فيها شفتيها لتكون أكثر امتلاء وتزيد من حجم بعض معالم جسمها لتكون أكثر أنوثة .. نوسة تحلم بأشياء كثيرة ولكن وقتها المليء بالعمل يمنعها أحيانا كثيرة من تحقيق هذه الرغبات و يعيقها من تنفيذ الكثير من المخططات .. ولكن بالرغم من هذا تجدها دائما سعيدة بانجازاتها واثقة من نفسها وقدراتها وأروع ما فيها هو تغاضيها كل من يحاول إعاقة نجاحها أو يشعر تجاهها بالحسد والغيرة فهذه جارتها (أم أربعة وأربعين ) تحلم باليوم والساعة التي تدهس فيها نوسة تحت عجلات أي شاحنة أو سيارة لتستولي على تلك المؤن التي في جحرها .. وهناك في زاوية أخرى ترى أكواما من السوس الأسود تعقد الاجتماعات وتخطط للقضاء عليها واستعمار مملكتها الصغيرة.. ولكن نوسة تسبح الله .. تذكره وتتوكل عليه وتعتمد في مسيرتها على توفيقه .. هي أيضا طيبة القلب تساعد من حولها بقدر ما تستطيع ولأجل هذا تجدها محاطة دائما بألطاف ربانية خفية فكم من طفل هائج مر من فوقها ولم يضرها وكم من صرصور ذو نفس لئيمة وقف يترصدها ليؤذيها ومرت من تحت أنامله السوداء القبيحة بدون أن يراها .. وكم من أبو بريص مقزز ترقبها ليلتهمها وتشاء الأقدار في اللحظة الحاسمة ويأتي إنسان ويقتله بحذائه ليلصقه بالأرض التي يزحف عليها .. كل هذا ونوسة غافلة تماما عما يدور حولها .. دنيا الحشرات من حولها مقلوبة هذا يحسد وذاك يحقد وتلك تغار وهذه تسحر.. وهي السبب في كل هذا تعيش أجمل أيام عمرها في سلام وأمان وطمأنينة غير مبالية بمهاترات الأعداء لأنها متيقنة من أن الأعداء يترصد هم رب قوي هو أعلم بحالهم وأفعالهم وجزائهم ولو سمعت ما يقولون عنها وعلمت بما يخططون لها لأصيبت بالإكتئاب والأمراض التي كانت ستقودها حتما نحو الموت البطيء .. أما المحزن في قصة نوسة هو أن فارس أحلامها وجارها الذي كانت تموت شوقا لتقترن به أحب جارتها واقترن بها فهي قد سبقتها في لفت انتباهه واستمالته نحوها خاصة وأنها قامت بحقن شفتيها وتكبير وتصغير ما يلزم لتفوز به ويكون لها دون غيرها .. وبالرغم من حزن نوسة على فقدان من تمناه قلبها استمرت في تحقيق ذاتها ونجاحاتها بدون أن يؤثر ذلك على تركيزها و أدائها بل إنها حققت نجاحا أكبر وكل هذا بفضل تفكيرها الإيجابي الذي جعلها تحمد ربها على أنها لم تعرض نفسها لعمليات التجميل التي كانت من الممكن أن تضعف علاقتها بربها ومعنى هذا هو أنها تؤمن بأن عدم اقترانها به كان بسبب القدر لا بسبب عدم اهتمامها بالمبالغات التجميلية التي تهواها الإناث ..
وبهذا التفكير السليم والنظرة الإيجابية العميقة حفظت نوسة نفسها من الفشل والانهيار والاكتئاب والدموع الحزينة وعاشت في جنة ملؤها الهدوء والسعادة والأمل والنجاح ثم النجاح ثم النجاح لتجعل أناسا كثيرون من بني الإنسان يغبطونها على ماهي فيه ويقولون في أنفسهم ..آه .. لو كنا نفكر مثل نوسة ؟ :19:
1
591

يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.

تسجيل دخول

noosa
noosa
يسعدها ربي نوسه ..


:26: