قصة حقيقة وقعت أحداثها في بلدة العبيدية بالقرب من بيت لحم!
ـ نهض العريف " شخمان " بسرعة وأطلق لساقية العنان تاركاً خوذته وهراوته غنيمة للمتظاهرين ، بعد سقوطه على الأرض بسبب حجر شدخ رأسه أثناء المواجهة الدامية التي شهدتها قرية العبيدية بالقرب من بيت لحم..
ـ كان يلهث من الإعياء ويحاول اللحاق بأصحابه ..
تبلل المنديل الذي الذي وضعه على جبهته من الدماء التي تدفقت بغزارة .. مسح وجهه بيده الملطخة من دماء الأبرياء ونظر إلى دمه فأصابه الخوف والهلع .. شعر بدوار في جعله يضل الطريق .. لم ينتبه وهو يسلك طريقاً يؤدي إلى وسط القرية.. سقط مرة أخرى بعدما شعر بظلمة حالكة تلفّه وكأنما يسير في ليل بهيم.
انتفض وفرك عينيه وأخذ يتأمل ماحوله ..شعر ببرد ماء يصّب على جسده ..أفاق ليفاجأ بوقوعه بين جماعة من الملثمين يحملون السلاسل والحجارة والزجاجات الحارقة...
صرخ متوســـــلاً .
ـ لا .. لا .. لا تقتلوني أرجوكم .. أنا لم أفعل شيـــــئاً .. لست أنا الذي أطلق الرصاص ..
صدقوني .. لم أكن أرغب في المجيء إلى هنا أبداً .. هم أجبروني .. هم القتلة .. الرقيب ( أوري) والملازم (أوفير) ... صدقوني ...
كان يهذي كالمجنون ..جثا على ركبتيه يتوسل بشدة .. تقدّم منه أحدهم وهو يحمل زجاجة نفط يريد سكبها عليه.. تجمّد (شخمان) مكانه .. أصابته رجفة اهتزت لها أركانه..
ـ لا .. لاتفعل أرجوك .. لايمكن أن تحرقني .. أين الرحمة .. أين الرأفة..
وضع رأسه على التراب وانتفض كالمصروع .. صرخ به أحد الملثّمين ..
ـ نستطيع أن نحرقك أيها الوغد كما ترى ، لكننا لن نفعل .. يكفينا ما أصابك أيها الجبان!!.. إياك أن تقترب من هذا المكان مرة أخرى .. لن نرحمك في المرة القادمة ..
تركه الملثمون يرجع إلى درويته بعدما علّقوا عليه علماً فلسطينياً وجردوه من سلاحه ..
وصل وقد فقد عقله ولبّه .. تهالك عند أقدام الملازم (أوفير) الذي صرخ في وجهه والغضب يتملّكه ..
ـ أين سلاحك ياعريف ( شخمان)؟!
ـ لقد سلبه الملثمون بعد أن هددوني بالحرق بالنار ! ! لقد أفلتّ منهم بأعجوبة!!
.. نزع العلم الفلسطيني عن ظهره ، وتفل باتجاه القرية ..
ـ أوغاد .. أولا د الــ......
... بزغت الشمس باهتة في ذلك الصباح القاتم .. تجمعت غمامات سوداء الأفق وحجبت أشعة الشمس الذهبية عن القرية الصامدة .. هبّت عاصفة غاضبه تمايلت لعتوها الأشجار السامقة.. بدأت قطرات المطر تتساقط على الأرض المخضرة بالعشب والنبات .. تحولت إلى زخات هادرة متتابعة سالت على إثرها الوديان..
ـ خرج عارف إلى مخبزه وهو يتلفع بمعطفه وكفيته يتقي بهما المطر .. أسرع تحت حبات البرد المنهمرة .. هزّه قصف الرعد ووميض البرق الذي لم يشهد له مثيلا من قبل.. أخذ يلهج بالدعاء المأثور..
ـ " سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته.."
فتح باب المخبر وهو يتمتم :
ـ يافتاح ياعليم .. يا رزاق ياكريم !!
.. أشعل النار وأخذ يهيئ العجين بهمّه ونشاط . شعر بالدفء يغمره وهو يقف أمام نار الفرن الملتهبة ..
ـ نعوذ بالله من عذاب النار ..
.. لم يمض وقت طويل حتى فوجئ عارف بجماعه من الجنود يقتحمون المخبز ..
وجهوا فوهات رشاشاتهم نحو جسده.. تقدّم (شخمان) وعلى رأسه عصابة تغطي الجرح العميق الذي أصابه قبل أيام في القرية..
ـ لا بد أنك أحدهم ..
ـ من تقصد؟! .. ماذا تريد ؟!
ـ أتذكر يوم هددتم بإحراقي بالنار!!
ـ عمّ تتكلم ..؟! من أنت ؟
ـ أنا العريف شخمان .. انظر ماذا فعلتم برأسي يامجرمون .
ـ أنا لا أعرف شيئا مما تقول !!
... يبتسم ( شخمان) ويشير إلى الجنود ..
ـ إنه أحدهم .. عليكم به..
.. يهجمون نحوه بوحشيه يرفع خشبته ويهوي بها على رأس أحدهم ..
ـ آآخ .. رأسي..
... يمسك به الجنود وينهالون عليه ضرباً ..
يهوي عليه أحدهم بهراوته الغليظة فيلقيه على الأرض يتلوى ألماً ..
يخرج شخمان ويستطلع لجنوده الطريق .. يعود إلى المخبز وهو يبتسم..
ـ لا أحد في الطريق .. مازال الناس في بيوتهم .. أسرعوا وألقوا به في الفرن..
.. يسحبه الجنود وهو فاقد لوعيه نحو الفرن .. يرفعونه ببطء ويلقونه في النار .. يشعر بالألم ويحاول الخروج .. يدفعه الجنود ببنادقهم .. يضحك شخمان باستهزاء وسخرية.
ـ أحرقوه حتى الموت .. ابتعدوا من أمامي ..
أريد أن أراه وهو يموت وسط النيران ..
تريدون حرقي يا أولاد الــــ..... هذا جزاؤكم .
.. يهتف أحد الجنود ..
ـ أحدهم قادم .. أسرعوا قبل أن يكتشفوا أمرنا ..
.. يضعون صفيحه على بوابة بيت النار في الفرن .. يهرولون وهم يتضاحكون .. يستقلون سياراتهم العسكرية ويفرّون بسرعة مذهلة ..
.. يتجمع الناس على صراخ رجل عند بوابة المخبز . . يهرعون لإخراج ( عارف) الذي احترق جسده داخل الفرن .. يحمله جماعه من الفتيان وسط صراخ وعويل النساء والصبيان ..
ينطق عارف بالشهادتين ويسلم الروح إلى بارئها بعد أن لفظ أنفاسه الأخيرة ..
وتصعد الروح البريئة تشتكي الظلم العظيم والوحشية الغاشمة والقلوب التي لاتعرف الرحمة!!.
ـ وتعصف الرياح بغضب..
وتهتز الأشجار وتتمايل بقوة ويومض البرق الهائج وتعلن السماء غضبها العارمة..
وتجلل بتكبيرات الجموع الهادرة... " المجتمع"
:06: :11: :44: :36: :44: :11: :06:
تحياتي
محبتكم الجازي
AL_Jazi @al_jazi
عضوة فعالة
يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.
الصفحة الأخيرة
أخشى مما يعتمل في نفسي أن يؤذيكم ..
الله أدرى بلوعة القلب
مع اعتذاري لتحريف شطر البيت .