مرمر الحنونه
مرمر الحنونه •
قال المناوي ـ رحمه الله:ولعمري إن جهاد النفس لشديد، بل لا شيء أشد منه فإنها محبوبة وما تدعو إليه محبوب فكيف إذا دعيت إلى محبوب؟ فإذا عكس الحال وخولف المحبوب اشتد الجهاد بخلاف جهاد أعداءالدين والدنيا.

ولهذا قال الغزالي: وأشد أنواع الجهاد الصبر على مفارقة ما هواه الإنسان وألفه، إذ العادة طبيعة خامسة فإذا انضافت إلى الشهوة تظاهر جندان من جنود الشيطان على جند الله ولا يقوى باعث الدين على قمعهما. انتهى.

ولكن لفظ الجهاد إذا أطلق ينصرف لجهاد الكفار باليد والقلب واللسان والمال، فإنفاق المال في هذا الوجه جهاد بالمعنى المشروع، لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ {الصف

قال ابن قاسم في حاشية الروض: فهو أي الجهاد لغة: بذل الطاقة والوسع، وغلب في عرفهم على جهاد الكفار وهو دعوتهم إلى الدين الحق وقتالهم إن لم يقبلوا، وجنس الجهاد كما قال ابن القيم وغيره فرض عين، إما بالقلب، وإما باللسان وإما بالمال، وإما باليد، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع.
مرمر الحنونه
مرمر الحنونه •
صاحب الصدقة والمعروف لا يقع، فإذا وقع أصاب متكأً إذ البلاء لا يتخطى الصدقة؛ فهي تدفع المصائب والكروب والشدائد المخوِّفة، وترفع البلايا والآفات والأمراض الحالَّة، دلت على ذلك النصوص وثبت ذلك بالحس والتجربة
فمن الأحاديث الدالة على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم صنائع المعروف تقي مصارع السوء والآفات والهلكات وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد ـ رضي الله عنه وفعل المعروف يقي مصارع السوء ومنها حديث رافع بن خديج ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً الصدقة تسد سبعين باباً من السوء
ومنها أيضاً: قوله صلى الله عليه وسلم حين هلع الناس لكسوف الشمس فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا قال ابن دقيق العيد في شرحه له وفي الحديث دليل على استحباب الصدقة عند المخاوف لاستدفاع البلاء
مرمر الحنونه
مرمر الحنونه •
يربي الله الصدقات، ويضاعف لأصحابها المثوبات، ويعلي الدرجات.. بهذا تواترت النصوص وعليه تضافرت؛ فمن الآيات الكريمات الدالة على أن الصـدقـة أضعاف مضاعفة وعنـد الله مـزيـد قـوله ـ تعالى ـ: إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم {الحديد: والتي أوضحت بأن "المتصدقين والمتصدقات لا يتفضلون على آخـذي الصدقات، ولا يتعاملون في هذا مع الناس، إنما هم يقرضون الله ويتعاملون مباشرة معه، فأي حافز للصدقة أوقع وأعمق من شعور المعطي بأنه يقرض الغني الحميد، وأنه يتعامل مع مالك الوجود؟ وأن ما ينفقه مُخْلَف عليه مضاعف، وأن له بعد ذلك كله أجراً كريماً
ومنها: قوله ـ تعالى ـ: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة {البقرة) قال الجصاص مبيناً علة تسمية الله للصدقة قرضاً سماه الله قرضاً تأكيداً لاستحقاق الثواب به؛ إذ لا يكون قرضاً إلا والعوض مستحق به وعلل ذلك ابن القيم بأن الباذل متى علم أن عين ماله يعود إليه ولا بد؛ طوعت له نفسه، وسهل عليه إخراجه، فإن علم أن المستقرض مليء وفيّ محسن، كان أبلغ في طيب فعله وسماحة نفسه، فإن علم أن المستقرض يتجر له بما اقترضه، وينميه له ويثمره حتى يصير أضعاف ما بذله كان بالقرض أسمح وأسمح، فإن علم أنه مع ذلك كله يزيده بعطائه أجراً آخر من غيرشئ جنس القرض فإنه لا يتخلف عن قرضه إلا لآفة في نفسه من البخل أو الشح أو عدم الثقة بالضمان
مرمر الحنونه
مرمر الحنونه •
إطفاؤها الخطايا وتكفيرها الذنوب
جعل الله الصدقة سبباً لغفران المعاصي وإذهاب السيئات والتجاوز عن الهفوات، دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، ومنها: قوله ـ تعالى ـ إن الحسنات يذهبن السيئات {هود والذي هو نص عام يشمل كل حسنة وفعل خير، والصـدقـة مـن أعظــم الحسنات والخيرات فهـي داخـلة فيـه بالأولويــة وقــوله ـ سبحانه ـ إن المسلمـــين والمسـلـمـــات والمتصـدقــين والمتصدقــات... أعد الله لهـــم مغفــرة وأجــرا عظيما {الأحــــزاب وقوله ـ عــز وجــل ـ: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السمـوات والأرض أعـدت للمتقـين الذيـن ينفقـون في السـراء والضـراء والكاظمـين الغيـظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين {آل عمران والتي أفادت أن من أول وأجلِّ ما تنال به مغفرة الله للخطايا وتجاوزه عن الذنوب: الإنفاق في مراضيه سبحانه.
ومن النصوص الدالة على ذلك أيضاً: قوله صلى الله عليه وسلم تصدقوا ولو بتمرة فإنها تسد من الجائع، وتطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وقوله صلى الله عليه وسلم والصدقة تطفئ الخطيئة كما يذهب الجليد على الصفا وما أخرجه البخاري في صحيحه في باب: الصدقة تكفر الخطيئة من حـديث حذيفـة ـ رضي الله عنه ـ وفيه فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والمعروف وقوله صلى الله عليه وسلم يا معشر التجار إن الشيطان والإثم يحضران البيع؛ فشوبوا بيعكم بالصدقة ومعناه أن التاجر قد يبالغ في وصف سلعته حتى يتكلم بما هو لغو، وقد يجازف في الحلف لترويج سلعته؛ فيندب إلى الصدقة ليمحو أثر ذلك وقال محمد بن المنكدر من موجبات المغفرة: إطعام المسلم السغبان". قال بعض أهل العلم عقب إيراده له وإذا كان الله ـ سبحانه ـ قد غفر لمن سقى كلباً على شدة ظمئه فكيف بمن سقى العطاش، وأشبع الجياع، وكسا العراة من المسلمين
ولاستفاضة النصوص في كون الصدقة مكفرة للذنوب وماحية للخطايا استحب بعض أهل العلم الصدقة عقب كل معصية ولعل مستندهم في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم وأتبع السيئة الحسنة تمحها والصدقة من كبار الحسنات ورؤوس الطاعات
مرمر الحنونه
مرمر الحنونه •
مباركتها المال وزيادتها الرزق:
تحفظ الصدقة المال من الآفات والهلكات والمفاسد، وتحل فيه البركة، وتكون سبباً في إخلاف الله على صاحبها بما هو أنفع له وأكثر وأطيب دلت على ذلك النصوص الثابتة والتجربة المحسوسة؛ فمن النصوص الدالة على أن الصدقة جالبة للرزق قول الذي ينابيع خزائنه لا تنضب وسحائب أرزاقه لا تنقطع واعداً من أنفق في طاعته بالخلف عليه: وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين {سبأ: قال ابن عاشور في تفسيره: "وأكد ذلك الوعد بصيغة الشرط، وبجعل جملة الجواب اسمية، وبتقديم المسند إليه علـى الخبر الفعلي بقـوله: فهــو يخلفـه، ففـي هذا الوعد ثلاث مؤكدات دالة على مزيد العناية بتحقيقه... وجملة: وهو خير الرازقين تذييل للترغيب والوعد بزيادة أن ما يخلفه أفضل مما أنفقه المنفق ، وقال العلاَّمة السعدي: قوله: وما أنفقتم من شيء نفقة واجبة أو مستحبة، على قريب أو جار أو مسكين أو يتيم أو غير ذلك فهو تعالى يخلفه فلا تتوهموا أن الإنفاق مما ينقص الرزق، بل وعد بالخلف للمنفق الذي يبسط الرزق ويقدر، وما أجمل مقولة بعضهم: "أنفق ما في الجيب يأتك ما في الغيب" ومن النصوص الدالة أيضاً على أن الصدقة بوابة للرزق ومن أسباب سعته واستمراره وتهيؤ أسبابه، وأنها لا تزيد العبد إلا كثرة قوله ـ تعالى ـ: لئــن شكــرتـم لأزيـدنكــم {إبـراهيـــم: إذ الصدقة غاية في الشكر، وقوله ـ عز وجل ـ في الحديث القدسي: "يا ابن آدم أَنفقْ أُنفقْ عليك وقوله صلى الله عليه وسلم : "ما فتح رجل باب عطية بصدقة أو صلة إلا زاده الله بها كثرة"(53)، وقوله صلى الله عليه وسلم : "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً"(54). كما يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : "بينا رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتاً في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة ؛ فإذا شرجة قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته( فقال له: يا عبد الله! ما اسمك؟ قال: فلان ـ للاسم الذي سمع في السحابة ـ، فقال له: يا عبد الله لِمَ تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان ـ لاسمك ـ فماذا تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلتَ هذا؛ فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثه، وأرد فيها ثلثه" وفي رواية: "وأجعل ثلثه في المساكين والسائلين وابن السبيل