مرمر الحنونه
مرمر الحنونه •
ج- شروط شهادة أن لا إله إلا الله: ‏
‎‎ لشهادة أن لا إله إلا الله سبعة شروط وهي: ‏
‎1. العلم: وهو العلم بمعناها المراد منها نفياً وإثباتاً، المنافي للجهل بذلك، قال الله عز وجل: {فاعلم أنه لا إله إلا الله } . ‏
‎‎ وقال عز وجل: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون } الزخرف: 86. ‏
‎‎ ‏ {شهد بالحق } أي: بلا إله إلا الله؛ {وهم يعلمون } أي: بقلوبهم معنى مانطقوا به بألسنتهم. ‏
‎‎ عن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّة َ) رواه مسلم وأحمد. ‏
‎2. ‏اليقين: وهو اليقين المنافي للشك، وذلك بأن يكون قائلها مستيقناً بمدلول هذه الكلمة يقيناً جازماً، فإن الإيمان لا يغني فيه إلا علم اليقين لا علم الظن، فكيف إذا دخله الشك، قال الله عز وجل: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون } .‏
‎‎ فاشترط في صدق إيمانهم بالله ورسوله كونهم لم يرتابوا، أي: لم يشكوا، فأما المرتاب فهو من المنافقين والعياذ بالله الذين قال الله عز وجل فيهم: {إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون } .‏
‎‎ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ ). أخرجه مسلم ضمن حديث طويل. ‏
3. القبول: وهو القبول لما اقتضته هذه الشهادة بقلبه ولسانه، وقد قص الله عز وجل علينا من أنباء ما قد سبق من إنجاء من قَبِلها وانتقامه ممن ردها وأنكرها، كما قال عز وجل: {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين } . ‏
‎‎ وقال عز وجل: {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون } . ‏
‎‎ وعن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتْ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِه ) متفق عليه. ‏
‎4. الانقياد: ويقصد به الانقياد لما دلت عليه هذه الشهادة المنافي لترك ذلك قال الله عز وجل: {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له } . ‏
‎‎ وقال الله عز وجل: {ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى } . أي بلا إله إلا الله .‏
‎‎ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لَا يُؤْمِن أَحَدكُمْ حَتَّى يَكُون هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْت بِه ) أخرجه الحسن بن سفيان وصححه النووي، وقال ابن حجر رجاله ثقات. ‏
5. الصدق: وهو أن يقولها صدقاً من قلبه، يواطئ قلبه لسانه، قال الله عز وجل: {آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } . ‏
‎‎ وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَل ! قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: يَا مُعَاذ ُ. قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلَاثًا. قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّار . قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: إِذًا يَتَّكِلُوا . وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا). ‏
‎‎ فاشترط في نجاة من قال هذه الكلمة أن يقولها صدقاً من قلبه، فلا ينفعه مجرد التلفظ بدون مواطأة القلب.‏
‎6. ‏الإخلاص وهو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك، قال الله ‏
عز وجل: {ألا لله الدين الخالص } ، وقال عز وجل: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء } . ‏
‎‎ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: (قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِه ِ) رواه البخاري. ‏
‎‎ وعن عثمان بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّه ِ) متفق عليه. ‏
‎7. المحبة: ويقصد بها المحبة لهذه الكلمة ولما اقتضته ودلت عليه، ولأهلها العاملين بها الملتزمين لشروطها، وبغض ما ناقض ذلك، قال الله عز وجل: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله } . ‏
‎‎ فأخبرنا الله عز وجل أن عباده المؤمنين أشد حباً له، وذلك لأنهم لم يشركوا معه في محبته أحداً، كما فعل مدعو محبته من المشركين الذين اتخذوا من دونه أنداداً يحبونهم كحبه، وعلامة حب العبد ربه تقديم محابه وإن خالفت هواه، وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه، وموالاة من والى الله ورسوله، ومعاداة من عاداه، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم واقتفاء أثره وقبول هداه. ‏
‎‎ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّار ) رواه البخاري. ‏
‎‎ وقال صلى الله عليه وسلم: (فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِه ِ) رواه البخاري. ‏
‏
‏
مرمر الحنونه
مرمر الحنونه •
بعض فضائل هذه الكلمة العظيمة.

أما معناها فقال العلماء إنه:
لا معبود يستحق العبادة إلا الله ،

فهي تتكون من ركنين أساسيين،
الأول: نفي الألوهية الحقيقية عن غير الله سبحانه،
والثاني: إثبات الألوهية الحقيقية له سبحانه دون من سواه.

غير أنه ليس المقصود من دعوة الرسل مجرد التلفظ بالكلمة فحسب، بل لا بد من توفر شروطها حتى تكون نافعة عند الله سبحانه وتعالى.

وقد ذكر العلماء من شروط لا إله إلا الله ما يلي:


1- العلم بمعناها:
وذلك بأن يعلم الناطق بها معنى هذه الكلمة وما تضمنته من نفي الألوهية عن غير الله وإثباتها له سبحانه، قال تعالى : { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلأ اللَّهُ } .

2- اليقين:
بمعنى ألا يقع في قلب قائلها شك فيها أو فيما تضمنته،
لقوله تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَـئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ }
وقال صلى الله عليه وسلم: « أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة » رواه مسلم.

3- القبول لما اقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه:
والمراد بالقبول هنا هو المعنى المضاد للرد والاستكبار، ذلك أن الله أخبرنا عن أقوام رفضوا قول لا إله إلا الله، فكان ذلك سبب عذابهم،
قال تعالى: { إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ.إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ }

4- الانقياد لما دلت عليه:
بمعنى أن يكون العبد عاملاً بما أمره الله به، منتهياً عما نهاه الله عنه،
قال تعالى: { وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأَمُورِ } ،
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: " العروة الوثقى هي لا إله إلا الله ".

5- الصدق:
ومعناه أن يقولها صادقاً من قلبه، يوافق قلبه لسانه
قال تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ.يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ } .

6- الإخلاص:
وهو إرادة وجه الله تعالى بهذه الكلمة،
قال تعالى: { وَمَآ أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ } .

7- المحبة لهذه الكلمة ولأهلها العاملين بها الملتزمين بشروطها، وبُغض ما ناقضها،
قال تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ } .

فهذا هو معنى هذه الكلمة، وهذه هي شروطها التي بها تكون سبب النجاة عند الله سبحانه.

وقد قيل للحسن إن أناساً يقولون: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة. فقال: من قال: لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة.

فلا إله إلا الله لا تنفع قائلها إلا أن يكون عاملاً بها، آتيا بشروطها، أما من تلفظ بها مع تركه العمل بما دلت عليه، فلا ينفعه تلفظه حتى يقرن بالقول العمل، نسأل الله العلي العظيم أن يجعلنا من أهل لا إله إلا الله العاملين بها ولأجلها.



مرمر الحنونه
مرمر الحنونه •
باب

باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله

قَالَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله وقول الله -تعالى-: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا .
وقوله: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وقوله: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ .
وفي الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يُعْبَد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب.
باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، مر معنا أن التوحيد هو شهادة أن لا إله إلا الله، ولهذا قال العلماء: العطف هنا التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله، هذا من عطف المترادفات، ولكن هذا فيه نظر من جهة أن الترادف غير موجود، الترادف الكامل، لكن الترادف الناقص موجود، فإذن هو من قبيل عطف المترادفات التي معناها واحد لكن يختلف بعضها عن بعض في بعض المعنى.
مرمر الحنونه
مرمر الحنونه •
فالتوحيد مر معنا تعريفه بأول الكتاب وقوله: باب تفسير التوحيد، يعني: الكشف والإيضاح عن معنى التوحيد، وقد قلت لك: إن التوحيد هو اعتقاد أن الله -جل وعلا- واحد في ربوبيته لا شريك له واحد في إلاهيته لا نِدَّ له، واحد في أسمائه وصفاته لا مثل له سبحانه وتعالى، قال جل وعلا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ .
ويشمل ذلك أنواع التوحيد جميعا، فإذن التوحيد هو اعتقاد أن الله واحد في هذه الثلاثة أشياء.
وشهادة أن لا إله إلا الله يعني: تفسير شهادة أن لا إله إلا الله، هذه الشهادة أعظم كلمة قالها مكلف، ولا شيء أعظم منها؛ وذلك لأن معناها هو الذي قامت عليه الأرض والسماوات، وما تعبَّدَ المتعبدون إلا بتحقيقها وبامتثالها، شهادة أن لا إله إلا الله، الشهادة تارة تكون شهادة حضور وبصر، وتارة تكون شهادة علم يعني: يشهد على شيء حضره ورآه أو يشهد على شيء علمه، هذان نوعان بمعنى الشهادة.
فإذا قال قائل: أشهد فيحتمل أنه سيشهد بشيء رآه أو بشيء علمه، وأشهد أن لا إله إلا الله هذه شهادة علمية، ولهذا في قوله: أشهد العلم، والشهادة في اللغة وفي الشرع، وفي تفاسير السلف لآي القرآن التي فيها لفظ شهد كقوله: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وكقوله: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ .
شهد تتضمن أشياء الأول: الاعتقاد بما سينطق به، الاعتقاد بما شهده، شهد أن لا إله إلا الله يعني: اعتقد بقلبه معنى هذه الكلمة، وهذا فيه العلم، وفيه اليقين بأن الشهادة فيها الاعتقاد، والاعتقاد لا يسمى اعتقادا إلا كان ثم علم ويقين.
الثاني: التكلم بها شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم صار اعتقادا وصار أيضا إعلاما ونطقا بها.
والثالث: الإخبار بذلك، والإعلام به فينطقه بلسانه من جهة الواجب، وأيضا لا يسمى شاهدا حتى يخبر غيره بما شهد، هذا من جهة الشهادة، فإذن يكون: أشهد أن لا إله إلا الله، معناها أعتقد وأتكلم وأعلم، وأخبر بأن لا إله إلا الله.
فافترقت إذن عن حال الاعتقاد، وافترقت إذن عن حال القول، وافترقت إذن عن حال الإخبار المجرد عن الاعتقاد، فلا بد من الثلاثة مجتمعة؛ ولهذا نقول في الإيمان: إنه اعتقاد الجنان، وقول اللسان، وعمل الجوارح والأركان.
مرمر الحنونه
مرمر الحنونه •
ي بمعنى أله، والإله هو القادر ففسروا الإله بأنه القادر على الاختراع، ولهذا تجد في عقائد الأشاعرة ما هو مسطور في شرح العقيدة السنوسية التي تسمى عندهم بـ "أم البراهين" قال ما نصه فيها: " الإله هو المستغني عما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه، قال: فمعنى لا إله إلا الله: لا مستغنيا عما سواه ولا مفتقرا إليه كل ما عداه إلا الله، ففسروا الإله الألوهية بالربوبية، وفسروا الإله بالقادر على الاختراع أو بالمستغني عما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه.
وبالتالي يقدرون الخبر موجود، لا إله موجود، يعني: لا قادر على الاختراع والخلق موجود إلا الله، لا مستغنيا عما سواه، ولا مفتقرا إليه كل ما عداه موجود إلا الله؛ لأن الخلق جميعا محتاجون إلى غيرهم، وهذا الذي قالوه هو الذي فتح باب الشرك في المسلمين؛ لأنهم ظنوا أن التوحيد هو إفراد الله بالربوبية؛ فإذا اعتقد أن القادر على الاختراع هو الله وحده صار موحدا، إذا اعتقد أن المستغني عما سواه، والمفتقر إليه كل من عداه هو الله وحده صار عندهم موحدا.
وهذا من أبطل الباطل أين حال مشركي قريش الذين قال الله -جل وعلا- فيهم: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وفي آية أخرى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ونحو ذلك من الآيات وهي كثيرة كقوله: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ الآيات من سورة يونس.
وهذا معلوم أن مشركي قريش لم يكونوا ينازعون في الربوبية، فإذن صارت هذه الكلمة دالة على غير ما أراد أولئك، وهو ما ذكرناه آنفا من أن معنى لا إله يعني: لا معبود، فيكون الخبر إما أن يكون تقديره موجود، فيكون المعنى: لا معبود موجود إلا الله، وهذا باطل؛ لأننا نرى أن المعبودات كثيرة قد قال جل وعلا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ مخبرا عن قول الكفار أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا فالمعبودات كثيرة والمعبودات موجودة.
فإذن تقدير الخبر بموجود غلط، ومن المعلوم أن المتقرر في علم العربية أن خبر لا النافية للجنس يكثر حذفُه في لغة العرب، وفي نصوص الكتاب والسنة؛ ذلك أن خبر لا النافية للجنس يحذف إذا كان المقام يدل عليه، وإذا كان السامع يعلم ما المقصود من ذلك