مراقبة الله تعالى
مراقبة الله سبحانه وتعالى في السر والإعلان، في أعمال القلب والجوارح واللسان، وهذه المنزلة العظيمة لا تقل شأنًا عن المنازل الأخرى التي رأيناها فيما سبق.
واعلموا ـ إخوتي الكرام ـ أن لله سبحانه وتعالى في ذكر أسمائه وصفاته في القرآن الكريم حكما عظيمة، ومن ذلك أنه تعالى ذكر لنا أسماءه وصفاته لنتعرفه بها، وندنو بها إليه، ندبنا ودعانا لمعرفة أسمائه وصفاته لنتعبَّده بها ونسير إليه بمقتضاها ومدلولها.
والمراقبة تشمل أسماء حسنى كثيرة منها: الرّقيب والحفيظ والعليم والسميع والبصير. فمن عقل هذه الأسماء وتعبّد الله بمقتضاها حصلت له المراقبة لا ريب في ذلك.
قال تعالى: وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ ، وقال تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ، وقال: وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء رَّقِيبًا ، وقال: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ، وقال: يَعْلَمُ خَائِنَةَ ٱلأعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ .
وفي حديث جبريل المشهور أنه سأل النبي عن الإحسان فقال: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)).
كل هذه النصوص تمر عليك ـ أيها المسلم ـ لتذكرك بأن الله سبحانه مطلع على جميع أعمالك ونواياك، كل وقت، وكل لحظة، وكل نفس، وكل طرفة عين، فكيف يليق بك بعد ذلك كله أن تعيش في ظلمات الغيّ والهوى؟!
المراقبة هي دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق عليه؛ على ظاهره وباطنه.
رقيب عليك في الباطن، فاحذر أن يكون قلبك محبًا لغيره تعالى، فمن أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه، وأن تعرف قدر الرّبح في معاملته ثم تعامل غيره، وأن تعرف قدر غيرته على محارمه ثم تتعرّض لها، وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأنس بطاعته، وأعجب من هذا كله أن تعلم أنك لا بد لك منه، وأنك أحوج إليه ثم تبتعد منه.
وهو رقيب عليك في الظاهر من الأقوال والأفعال، فإن كنت تستحي من القبيح أمام إخوانك وجيرانك والناس أجمعين، فالله أولى أن تستحيَ منه سبحانه، قال تعالى في ذم المنافقين: يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيّتُونَ مَا لاَ يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ .
وإذا خلوت بريبـةٍ في ظلمة والنفس داعـية إلى الطغيان
فاستح من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
فخاطب نفسك وتحدث معها: ويحك يا نفس، إن كنت قد تجرأت على الله وعصيتيه وأنت تظنين أنه لا يراك فما أكفرك، وإن كنت قد تجرأت على الله وعصيتيه وأنت تعلمين أنه يراك فما أقل حياءك. ويحك يا نفس، أجعلت الله أهون الناظرين إليك؟! إياك إياك أن تغفل عن الله وعن مراقبته، فإنه يمهل ولا يهمل.
إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقـل خلوت ولكن قل عليّ رقيب
ولا تحسبـن الله يـغفـل ساعـة ولا أن ما تخفيه عنه يغيـب
لهـونا لعمـرو الله حتى تتـابعت ذنوب على آثارهن ذنـوب
فيـا ليت أن الله يغفر مـا مضـى ويـأذن لنـا في توبةٍ فنتوب
واعلموا ـ عباد الله ـ أن أعظم مجالات المراقبة هو "التوحيد" وتجنّب الشرك خاصة شرك القلوب، ومنها الدعاء والتوكل والحب والشكر.
أما الدعاء فإني سائلك يا أخي: كم ساعة دعوت الله في هذا اليوم؟ هل هي ساعة أو ساعتان؟ فإني أخشى أن تكون حصيلة هذه العبادة العظيمة دقائق معدودات.
وأما التوكل فهل أنت من الذين إذا أصابتهم مصيبة ذكروا الله أوّلاً ثم الأسباب ثانيًا، فكم منهم أولئك الذين إذا أصابه وجع أو ألم يتذكر أوّل ما يتذكر الطبيب المعالج، ولا يذهب ذهنه في أول وهلة إلى رب الطبيب.
ووالله لو وجدنا الله عز وجل معظمين له حق التعظيم نلجأ إليه قبل أي حميم لكان عند ظننا به، مصداقًا لقوله في الحديث القدسي: ((أنا عند ظن حسن عبدي بي، فليظن بي ما شاء)) متفق عليه. ولكن، لما جُعل الله تعالى من الأمور الفرعية الثانوية، يلجأ إليه عندما يفشل العبد في إبرام أمره تركه الله ووكله إلى نفسه.
واعلموا أنّ المراقبة تكون قبل العمل وفي العمل وبعد العمل.
فراقب نفسك قبل العمل هل حركك عليه الهوى وحظ النفس أو الحامل لك عليه هو إرادة الله تعالى والدار الآخرة؟ فإن كان الله وحده لا شريك له هو الذي أردته بعملك فلا تتوان في عمله وإلا فاتركه، قال الحسن: "رحم الله امرءًا وقف عند عمله، إن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر"، وهذا هو "الإخلاص" الذي يناط به قبول العمل.
ثم راقب نفسك في العمل، هل هو على شريعة الله وسنّة نبيه ؟ فإن كان كذلك فلا تتأخر عن القيام به، وإلا فاعلم أن عملك هذا مردود عليك، وهذا هو "الاتباع" الذي يعتبر شرطًا ثانيًا في قبول العمل.
وراقب نفسك بعد العمل، فإياك أن تنسب التوفيق إلى نفسك، بل انسبه إلى الله سبحانه الذي وفقك إليه، لا موفق سواه، وهذا مقام "الافتقار" إلى الله وحده.
فإن كان العمل معصية فراقب نفسك، ولا تتماد في العصيان، بل تب إلى ربّك، وأقلع عن ذنبك، تجد الله توابًا رحيمًا.
هذه هي المراقبة التي يجب على المسلم أن يستحضرها في كل أفعاله وأقواله.
فإن الذي أدرك أهمية مراقبة الله تعالى سهل عليه الجواب عن السؤال الذي يطرحه كثير منا هذه الأيام: كيف هانت المعصية وانتشرت الآثام والرذائل في المسلمين؟
الجواب هو أن المراقبة تكاد تنعدم في بعض القلوب، ولا يمكن لأحد أن يراقب نفسه إلا إذا حاسبها كما يحاسب الشريك الشحيح شريكه. أما إذا كان أحدنا راضيًا عن نفسه مطمئنًا على قلبه، فإنه سيثق بنفسه ويقع على أمّ رأسه، وإلا فمن هذا الذي يثق بشيء موصوف في كتاب الله تعالى بأنه يأمر بالسوء: وَمَا أُبَرّئ نَفْسِى إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِٱلسُّوء .
كيف تأمن على نفسك بعد أن لم يأمنها الأنبياء والمرسلون والصديقون والصالحون؟!
ها هو رسول الله يكثر في سجوده من أن يقول: ((يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك وطاعتك))، فإذا سئل عن سبب ذلك قال: ((وما يؤمنني، وإنما قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الله عز وجل، إنه إذا أراد أن يقلب قلب عبده قلبه)) رواه أحمد.
فاتهم نفسك دائمًا وحاسبها وأنّبها لعلها تستجيب لندائك وتستكين لدعائك، واجعل الله تعالى نصب عينيك، واعلم أنه مطّلع عليك، فمن العيب أن يراك الله حيث نهاك، وألا يجدك حيث أمرك. هذه هي العقيدة التي ينبغي لنا أن نعقد قلوبنا عليها وأن ندعو الناس إليها.
ونختم كلامنا هذا بقصة من قصص المتقين وسير الصالحين، وكلكم يعرف قصة عمر بن الخطاب حين كان يتفقد رعيته ليلاً، إذ مر على باب من أبواب بيوت المدينة، فسمع امرأة تهيئ اللبن لتبيعه نهارًا، فخلطته بالماء، فقالت لها ابنتها: إن أمير المؤمنين عمر نهانا أن نخلط الماء باللبن، فقالت لها أمها: ولكن عمر لا يرانا الآن، فقالت الفتاة المؤمنة: ولكن رب عمر يرانا.
أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ .
NUR
•
NUR
•
إحياء المراقبة لله تعالى في نفس الطفل جانب مهم من جوانب التربية الإسلامية، وضرورة من ضرورياتها التربوية، هو جانب مراقبة الله، واستشعار معيته، وإحاطته بالإنسان وأعماله، حيث تعتبر هذه المراقبة ثمرة من ثمرات معرفة نعم الله الكثيرة على الإنسان، لما يقع في النفس من الشعور بالتقصير، والانكسار، والعجز عن كمال الشكر والحمد للمنعم، مما يولد عند المؤمن الإحساس بالمراقبة لله عز وجل، ومحاولة الاجتهاد في الحمد والشكر بدوام الاستقامة على المنهج القويم.
وقد ركز منهج الإسلام في التربية على إثراء جانب المراقبة لله عز وجل في النفس الإنسانية، فقد تضمن القرآن الكريم كثيراً من الآيات المشيرة إلى هذا المعنى يقول الله سبحانه وتعالى حاكيا عن لقمان الذي أرشد ولده إلى هذه المراقبة: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} ، ويقول أيضاً: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} ، فحتى الخواطر، والخطرات التى ترد على النفس يعلمها الله ويحيط بها، ويقول سبحانه وتعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ، أي: أن الله سبحانه وتعالى مع الإنسان أين ما كان بعلمه وقدرته وكمال إحاطته بخلقه.
وفي الحديث عندما كان عبدالله بن عباس رضى الله عنه رديف النبي r على دابة حيث أراد عليه الصلاة والسلام أن يذكي في نفس ابن عمه الصغير هذا الجانب الهام فقال له: (( يا غلام أو ياغليم ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن فقلت: بلى فقال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله قد جف القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق كلهم جميعاُ أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدرواعليه)).
بهذا الأسلوب القرآني والنبوي، يتعلق الولد بالله عز وجل، ويقطع جميع العلائق دون الله، فلا يرجو إلا الله، ولا يخاف إلا الله، ولا يسأل إلا الله، فيحفظ الله في خلواته، وعند قوته بتمام الاستقامة على منهجه، فيكون دائم المراقبة لله في الرخاء والشدة.
وبهذا المنهج تربى الطفل في عصر النبوة تربية راسخة، جعلته قوة فعالة ثابتة، وأمثلة واقعية تفوق الخيال، فلا يكاد يفرق بين الرجل الكبير والولد الصغير، فالكل كبار بأفعالهم وأعمالهم الحميدة.
فهذا علي بن أبي طالب رضى الله تعالى عنه يؤمن بالرسول r قبل أن يبلغ وهو ابن عشر سنين، ويتبعه رغم الآلام والخسائر والمعاناه التى يلقاها المؤمنون في ذلك الوقت في مكة، فلم يمنعه كل هذا - مع صغر سنه - من اتباع الحق، والتمييز بينه وبين الباطل، واختيار الطريق، وتقرير المصير.
وهذا أسامة بن زيد، وأسيد بن ظهير، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وغيرهم كثير، يعرضون أنفسهم على رسول الله r رجاء أن يسمح لهم بالمشاركة في قتال الكفار في غزوة أحد، فيردهم لصغر سنهم.
وفي يوم تلا رسول الله r قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} ، فإذا بفتى يسقط مغشياً عليه من وقع التلاوة على قلبه، فيضع رسول الله r يده الشريفة على صدره ويقول له: ((يا فتى قل لا إله إلا الله)) فقالها فبشره بالجنة، وصبيان آخرون في سن السابعة تقريباً يأتون رسول الله r يبايعونه مع الكبار، فيبسط يده ويبايعهم.
هؤلاء الصبيان الصغار الذين لم يبلغوا الحلم، ولم تصقل خبراتهم بعد، ولم يتعلموا الكثيرمن العلوم عرفوا معنى الحياة وحقيقتها، وأنها فانية، فقد كان دور الأسرة في ذلك الوقت دوراً رائداً ورئيسياً في إيجاد هذا الشعور العجيب في قلوب الصغار نحو الله عز وجل، واستشعار معيته ومراقبته لهم مما دفعهم إلى مزيد من التضحيات في سبيل الله سبحانه وتعالى.
وهذا هو النوع من الشعور الذي يطالب الأب المسلم بغرسه في نفوس أولاده الصغار، وتربيتهم عليه، حتى تتعلق قلوبهم وأرواحهم بالله عز وجل، فتكون جميع حركاتهم وسكناتهم موافقة لمنهج الله عز وجل، فإذا نجح في هذه المهمة في طفولتهم فقد ضمن دوام استقامتهم وسلامتهم من الانحرافات في مستقبل حياتهم إن شاء الله تعالى.
ومن أهم العوامل المساعدة على تنمية هذا الشعور عند الولد إشعاره بالانتماء إلى الله ورسوله r، فالأطفال يحبون هذا الشعور، ويرغبون في شىء يعتقدون ويعملون من أجله ليشعروا بمعنى الحياة وقيمتها، فإذا وجههم الأب إلى هذا النوع من الانتماء فقد أشبع في نفوسهم هذا الميل الفطري، الذي لا يشبعه إلا هذا الانتماء العظيم.
والأب يسعى دائماً بإشعار الولد بمراقبة الله له في كل وقت وفي كل مكان، ويوقظ عنده المسؤولية أمام الله، ويشعره بواجبه تجاهه سبحانه وتعالى. وهذا يمكن تحقيقه خاصة مع الولد في سن التمييز، إذ يمكنه أن يفكر بصورة مجردة، ويفهم ويدرك تلك المعاني.
ويستخدم الأب أسلوب الترغيب والترهيب لينمي في ولده الرغبة والحب لله من جهة، والخشية والخوف من جهة أخرى، فيعيش بين الخوف والرجاء. ويلاحظ الأب عدم الإكثار من تخويف الولد بعذاب الله بصفة مستمرة، خاصة إن لم يكن هناك مبررلذلك، أو مناسبة للتذكير، بل يركز قدر الإمكان على جانب الترغيب ويعلق قلب الولد بجانب الرجاء فهو أكثر حاجة إليه ورغبة فيه. وإن احتاج إلى الترهيب الذي لا بد منه في بعض الأوقات، فعليه أن يستخدمه بأسلوب غير مباشر، فإذا قام الولد بعمل حسن محمود قال له: "إن الله سيحبه من أجل هذا العمل ويدخله الجنة، وإنه ليس كالأولاد الأخرين الذين يعملون السيئات، والذين سيعذبهم الله بالنار"، وبهذا الأسلوب يكون الأب قد أثاب ولده على الفعل المحمود، وفي نفس الوقت حذره بصورة غير مباشرة من الفعل القبيح المذموم.
وفي مجال الترغيب والترهيب يمكن للأب أن يعرض على ولده الآيات والأحاديث في وصف الجنة والنار ففيها العبرة كلها، والموعظة البالغة التي تنمي في النفس الخشية من الله U، والرغبة فيما عنده، ويستعين في هذا المجال بكتاب "الترغيب والترهيب" للحافظ المنذري رحمه الله، فقد جمع فيه أحاديث كثيرة في هذا الباب، فينتقي الأب منها أحاديث متنوعة، سهلة العبارة ومفهومة المعنى، فيقرأها على الولد في أوقات متفاوتة ومختلفة، مراعياً أن لا يكون ذهن الولد منشغلاً عنه بشاغل، بل يتحين الفرص المناسبة التي يكون فيها الإبن مقبلاً عليه، فارغ الذهن من الملهيات واللعب، فيعرض عليه هذه الآيات والأحاديث موضحاً وشارحاً لها بأسلوب حسن سهل، مقتدياً في ذلك بالرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام في توجيهه لابن عباس في الحديث المتقدم.
وينهج الأب مع ولده أسلوب التذكير الدائم برقابة الله له، وعلمه سبحانه وتعالى بجميع أفعاله وأقواله مستخدماً في ذلك طرقاً متنوعة، فإذا حدثه الولد - وهو في سن التمييز - حديثاً، أو نقل إليه خبراً ما، قال له: "يا بني إن كنت صادقاً فإن الله سيحبك، ويجزيك على صدقك أجراً، وسوف أحبك أنا أيضاً، أما إن كنت كاذباً فإن الله لن يحبك، وسوف يعاقبك، ولن أحبك أنا أيضاً".
وإذا ترك الأب الولد الصغير في غرفته منفرداً، أو في أي مكان بعيداً عن مراقبة الوالد وأهله، ذكـَّره بمراقبة الله له، كأن يقول له: "يا بني أتعرف أن الله يراك؟"، فيجيبه الولد: "نعم يا أبي"، فيقول له الأب: "إذاً فماذا عليك أن تفعل؟"، فيرد عليه الولد: "لا أفعل شيئاً يغضبه". وهنا يحتضنه الأب، ويقبله مشعراً له برضاه عن مقالته الحسنة.
وبهذه الطريقة من التذكير الدائم بالأساليب المتنوعة تحصل لنفس الطفل شفافية وحساسية مرهفة، تنصدع خشية لله عندما تسمع ذكره، أو تستحضر وجوده، كما قال تعالى واصفاً هذا الصنف من الناس: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} .
أما الولد الكبير الذي قارب البلوغ، وأصبحت قدرته أكبر على فهم الأمور المجردة، وإدراك القضايا الغيبية بصورة أعمق، فإن الأب ينتهج معه منهجاً آخر، فيسلك معه الأسلوب المباشر فيخاطبه بالآيات المباركات التي تركز على جانب مراقبة الله U، فيتلوها عليه مختاراً الأوقات المناسبة، خاصة بعد صلاة الفجر، حيث صفاء الذهن، ورقة الإحساس، وقلة الملهيات والشواغل، فيتلو بعضاً من آيات الذكر الحكيم كأن يختار آيات من سورة "الأعراف"، أو خاتمة سورة "المؤمنون"، أو سورة "ق"، أو يختار بعض السور من الجزئين التاسع والعشرين والثلاثين من المصحف الشريف، مراعياً في تلاوته الخشوع والبكاء، فإن أثر التلاوة الخاشعة المصاحبة للبكاء أعظم في نفس الولد، وأكبر وقعاً من مجرد التلاوة الجافة، فلا بأس أن يحسن الأب صوته بالتلاوة في خشوع، فقد روي عن رسول الله r أنه قال: ((إن هذا القرآن نزل بحزن. فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا)). والمقصود هو إظهار الخشوع والحزن والبكاء عند التلاوة ليكون وقعها على النفس أشد فتتأثر وتنصدع، وقد كان ابن الجوزي رحمه الله عندما كان صغيراً يتأثر ببكاء بعض شيوخه أكثر من تأثره بعلمهم.
والولد الذي يشاهد هذا التأثر على أبيه لا شك يتأثر، وكأن لسان حاله يقول: "إن هذا الأمر الذي يبكي والدي له أمر عظيم". وسوف يبقى في نفس الولد أثر هذا الخشوع، ويرتسم في مخيلته، حتى يكبر وينضج، فيتذوق حلاوة الإيمان، ولذة الخشوع، فيكون ذلك مدعاة لدوام استقامته، وتمام توفيقه وسداده.
ويضيف الأب إلى آيات القرآن الكريم بعضاً من الأحاديث النبوية التي تركز على هذا الجانب، وتقويه في نفس المؤمن، ومن هذه الأحاديث قوله عليه الصلاة والسلام: ((لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوَّة لخرج عمله للناس كائناً ما كان)). أي إن علامة الطاعة، أو المعصية التي عملت في الخفاء بعيداً عن رقابة الناس يظهرها الله على صاحبها في سلوكه وتصرفاته بين الناس، فإن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وفي حديث آخر يكشف رسول الله r للناس حقيقة من حقائق عالم الغيب التي يهتز لها الوجدان، وينخلع لها القلب، عند تخيل حقيقتها وطبيعتها حيث يقول: ((إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء، وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد، لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً)).
وهذه الآيات والأحاديث لا شك أن لها أثرها على نفس الولد، حتى وإن لم يظهر ذلك في بادئ الأمر، فإنه يختزن في ذاكرته، ويُنقش في قلبه، ويظهر أثره عند مقاربة البلوغ وبعده على صورة رغبة وميل نحو التدين والتزام الإسلام.
وقد كان بعض السلف يعلم أولاده كيف يستحضرون رقابة الله عليهم عن طريق ذكر الله بالقلب، فيعلم ولده أن يقول: "الله معي، الله يراني، الله ناظري"، ويكرر ذلك مراراً دون تلفظ. وهذا الأسلوب إن استمر عليه الولد مكَّنه ذلك من استحضار مشاهدة الله له، ومراقبته له.
وقد ركز منهج الإسلام في التربية على إثراء جانب المراقبة لله عز وجل في النفس الإنسانية، فقد تضمن القرآن الكريم كثيراً من الآيات المشيرة إلى هذا المعنى يقول الله سبحانه وتعالى حاكيا عن لقمان الذي أرشد ولده إلى هذه المراقبة: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} ، ويقول أيضاً: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} ، فحتى الخواطر، والخطرات التى ترد على النفس يعلمها الله ويحيط بها، ويقول سبحانه وتعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ، أي: أن الله سبحانه وتعالى مع الإنسان أين ما كان بعلمه وقدرته وكمال إحاطته بخلقه.
وفي الحديث عندما كان عبدالله بن عباس رضى الله عنه رديف النبي r على دابة حيث أراد عليه الصلاة والسلام أن يذكي في نفس ابن عمه الصغير هذا الجانب الهام فقال له: (( يا غلام أو ياغليم ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن فقلت: بلى فقال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله قد جف القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق كلهم جميعاُ أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدرواعليه)).
بهذا الأسلوب القرآني والنبوي، يتعلق الولد بالله عز وجل، ويقطع جميع العلائق دون الله، فلا يرجو إلا الله، ولا يخاف إلا الله، ولا يسأل إلا الله، فيحفظ الله في خلواته، وعند قوته بتمام الاستقامة على منهجه، فيكون دائم المراقبة لله في الرخاء والشدة.
وبهذا المنهج تربى الطفل في عصر النبوة تربية راسخة، جعلته قوة فعالة ثابتة، وأمثلة واقعية تفوق الخيال، فلا يكاد يفرق بين الرجل الكبير والولد الصغير، فالكل كبار بأفعالهم وأعمالهم الحميدة.
فهذا علي بن أبي طالب رضى الله تعالى عنه يؤمن بالرسول r قبل أن يبلغ وهو ابن عشر سنين، ويتبعه رغم الآلام والخسائر والمعاناه التى يلقاها المؤمنون في ذلك الوقت في مكة، فلم يمنعه كل هذا - مع صغر سنه - من اتباع الحق، والتمييز بينه وبين الباطل، واختيار الطريق، وتقرير المصير.
وهذا أسامة بن زيد، وأسيد بن ظهير، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وغيرهم كثير، يعرضون أنفسهم على رسول الله r رجاء أن يسمح لهم بالمشاركة في قتال الكفار في غزوة أحد، فيردهم لصغر سنهم.
وفي يوم تلا رسول الله r قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} ، فإذا بفتى يسقط مغشياً عليه من وقع التلاوة على قلبه، فيضع رسول الله r يده الشريفة على صدره ويقول له: ((يا فتى قل لا إله إلا الله)) فقالها فبشره بالجنة، وصبيان آخرون في سن السابعة تقريباً يأتون رسول الله r يبايعونه مع الكبار، فيبسط يده ويبايعهم.
هؤلاء الصبيان الصغار الذين لم يبلغوا الحلم، ولم تصقل خبراتهم بعد، ولم يتعلموا الكثيرمن العلوم عرفوا معنى الحياة وحقيقتها، وأنها فانية، فقد كان دور الأسرة في ذلك الوقت دوراً رائداً ورئيسياً في إيجاد هذا الشعور العجيب في قلوب الصغار نحو الله عز وجل، واستشعار معيته ومراقبته لهم مما دفعهم إلى مزيد من التضحيات في سبيل الله سبحانه وتعالى.
وهذا هو النوع من الشعور الذي يطالب الأب المسلم بغرسه في نفوس أولاده الصغار، وتربيتهم عليه، حتى تتعلق قلوبهم وأرواحهم بالله عز وجل، فتكون جميع حركاتهم وسكناتهم موافقة لمنهج الله عز وجل، فإذا نجح في هذه المهمة في طفولتهم فقد ضمن دوام استقامتهم وسلامتهم من الانحرافات في مستقبل حياتهم إن شاء الله تعالى.
ومن أهم العوامل المساعدة على تنمية هذا الشعور عند الولد إشعاره بالانتماء إلى الله ورسوله r، فالأطفال يحبون هذا الشعور، ويرغبون في شىء يعتقدون ويعملون من أجله ليشعروا بمعنى الحياة وقيمتها، فإذا وجههم الأب إلى هذا النوع من الانتماء فقد أشبع في نفوسهم هذا الميل الفطري، الذي لا يشبعه إلا هذا الانتماء العظيم.
والأب يسعى دائماً بإشعار الولد بمراقبة الله له في كل وقت وفي كل مكان، ويوقظ عنده المسؤولية أمام الله، ويشعره بواجبه تجاهه سبحانه وتعالى. وهذا يمكن تحقيقه خاصة مع الولد في سن التمييز، إذ يمكنه أن يفكر بصورة مجردة، ويفهم ويدرك تلك المعاني.
ويستخدم الأب أسلوب الترغيب والترهيب لينمي في ولده الرغبة والحب لله من جهة، والخشية والخوف من جهة أخرى، فيعيش بين الخوف والرجاء. ويلاحظ الأب عدم الإكثار من تخويف الولد بعذاب الله بصفة مستمرة، خاصة إن لم يكن هناك مبررلذلك، أو مناسبة للتذكير، بل يركز قدر الإمكان على جانب الترغيب ويعلق قلب الولد بجانب الرجاء فهو أكثر حاجة إليه ورغبة فيه. وإن احتاج إلى الترهيب الذي لا بد منه في بعض الأوقات، فعليه أن يستخدمه بأسلوب غير مباشر، فإذا قام الولد بعمل حسن محمود قال له: "إن الله سيحبه من أجل هذا العمل ويدخله الجنة، وإنه ليس كالأولاد الأخرين الذين يعملون السيئات، والذين سيعذبهم الله بالنار"، وبهذا الأسلوب يكون الأب قد أثاب ولده على الفعل المحمود، وفي نفس الوقت حذره بصورة غير مباشرة من الفعل القبيح المذموم.
وفي مجال الترغيب والترهيب يمكن للأب أن يعرض على ولده الآيات والأحاديث في وصف الجنة والنار ففيها العبرة كلها، والموعظة البالغة التي تنمي في النفس الخشية من الله U، والرغبة فيما عنده، ويستعين في هذا المجال بكتاب "الترغيب والترهيب" للحافظ المنذري رحمه الله، فقد جمع فيه أحاديث كثيرة في هذا الباب، فينتقي الأب منها أحاديث متنوعة، سهلة العبارة ومفهومة المعنى، فيقرأها على الولد في أوقات متفاوتة ومختلفة، مراعياً أن لا يكون ذهن الولد منشغلاً عنه بشاغل، بل يتحين الفرص المناسبة التي يكون فيها الإبن مقبلاً عليه، فارغ الذهن من الملهيات واللعب، فيعرض عليه هذه الآيات والأحاديث موضحاً وشارحاً لها بأسلوب حسن سهل، مقتدياً في ذلك بالرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام في توجيهه لابن عباس في الحديث المتقدم.
وينهج الأب مع ولده أسلوب التذكير الدائم برقابة الله له، وعلمه سبحانه وتعالى بجميع أفعاله وأقواله مستخدماً في ذلك طرقاً متنوعة، فإذا حدثه الولد - وهو في سن التمييز - حديثاً، أو نقل إليه خبراً ما، قال له: "يا بني إن كنت صادقاً فإن الله سيحبك، ويجزيك على صدقك أجراً، وسوف أحبك أنا أيضاً، أما إن كنت كاذباً فإن الله لن يحبك، وسوف يعاقبك، ولن أحبك أنا أيضاً".
وإذا ترك الأب الولد الصغير في غرفته منفرداً، أو في أي مكان بعيداً عن مراقبة الوالد وأهله، ذكـَّره بمراقبة الله له، كأن يقول له: "يا بني أتعرف أن الله يراك؟"، فيجيبه الولد: "نعم يا أبي"، فيقول له الأب: "إذاً فماذا عليك أن تفعل؟"، فيرد عليه الولد: "لا أفعل شيئاً يغضبه". وهنا يحتضنه الأب، ويقبله مشعراً له برضاه عن مقالته الحسنة.
وبهذه الطريقة من التذكير الدائم بالأساليب المتنوعة تحصل لنفس الطفل شفافية وحساسية مرهفة، تنصدع خشية لله عندما تسمع ذكره، أو تستحضر وجوده، كما قال تعالى واصفاً هذا الصنف من الناس: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} .
أما الولد الكبير الذي قارب البلوغ، وأصبحت قدرته أكبر على فهم الأمور المجردة، وإدراك القضايا الغيبية بصورة أعمق، فإن الأب ينتهج معه منهجاً آخر، فيسلك معه الأسلوب المباشر فيخاطبه بالآيات المباركات التي تركز على جانب مراقبة الله U، فيتلوها عليه مختاراً الأوقات المناسبة، خاصة بعد صلاة الفجر، حيث صفاء الذهن، ورقة الإحساس، وقلة الملهيات والشواغل، فيتلو بعضاً من آيات الذكر الحكيم كأن يختار آيات من سورة "الأعراف"، أو خاتمة سورة "المؤمنون"، أو سورة "ق"، أو يختار بعض السور من الجزئين التاسع والعشرين والثلاثين من المصحف الشريف، مراعياً في تلاوته الخشوع والبكاء، فإن أثر التلاوة الخاشعة المصاحبة للبكاء أعظم في نفس الولد، وأكبر وقعاً من مجرد التلاوة الجافة، فلا بأس أن يحسن الأب صوته بالتلاوة في خشوع، فقد روي عن رسول الله r أنه قال: ((إن هذا القرآن نزل بحزن. فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا)). والمقصود هو إظهار الخشوع والحزن والبكاء عند التلاوة ليكون وقعها على النفس أشد فتتأثر وتنصدع، وقد كان ابن الجوزي رحمه الله عندما كان صغيراً يتأثر ببكاء بعض شيوخه أكثر من تأثره بعلمهم.
والولد الذي يشاهد هذا التأثر على أبيه لا شك يتأثر، وكأن لسان حاله يقول: "إن هذا الأمر الذي يبكي والدي له أمر عظيم". وسوف يبقى في نفس الولد أثر هذا الخشوع، ويرتسم في مخيلته، حتى يكبر وينضج، فيتذوق حلاوة الإيمان، ولذة الخشوع، فيكون ذلك مدعاة لدوام استقامته، وتمام توفيقه وسداده.
ويضيف الأب إلى آيات القرآن الكريم بعضاً من الأحاديث النبوية التي تركز على هذا الجانب، وتقويه في نفس المؤمن، ومن هذه الأحاديث قوله عليه الصلاة والسلام: ((لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوَّة لخرج عمله للناس كائناً ما كان)). أي إن علامة الطاعة، أو المعصية التي عملت في الخفاء بعيداً عن رقابة الناس يظهرها الله على صاحبها في سلوكه وتصرفاته بين الناس، فإن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وفي حديث آخر يكشف رسول الله r للناس حقيقة من حقائق عالم الغيب التي يهتز لها الوجدان، وينخلع لها القلب، عند تخيل حقيقتها وطبيعتها حيث يقول: ((إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء، وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد، لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً)).
وهذه الآيات والأحاديث لا شك أن لها أثرها على نفس الولد، حتى وإن لم يظهر ذلك في بادئ الأمر، فإنه يختزن في ذاكرته، ويُنقش في قلبه، ويظهر أثره عند مقاربة البلوغ وبعده على صورة رغبة وميل نحو التدين والتزام الإسلام.
وقد كان بعض السلف يعلم أولاده كيف يستحضرون رقابة الله عليهم عن طريق ذكر الله بالقلب، فيعلم ولده أن يقول: "الله معي، الله يراني، الله ناظري"، ويكرر ذلك مراراً دون تلفظ. وهذا الأسلوب إن استمر عليه الولد مكَّنه ذلك من استحضار مشاهدة الله له، ومراقبته له.
NUR
•
فادي عبدالكريم ربابعة - كان لبعض المشايخ تلميذ شاب وكان الشيخ يكرمه ويقدمه على باقي التلاميذ فقال له بعض أصحابه كيف تكرم هذا وهو شاب ونحن شيوخ فدعا الشيخ بعدة طيور وأعطى كل واحد منهم طائرا وسكيننا وقال لهم ليذبح كل واحد منكم طائره في مكان لا يراه فيه أحد وأعطى للشاب مثل ذلك وقال له كما قال لهم فرجع كل واحد بطائره مذبوحا وأما الشاب فقد رجع والطائر حي في يده فقال له الشيخ مالك لم تذبح الطائر كما ذبح أصحابك فقال الشاب لم أجد مكان لا يراني فيه أحد إذ أن الله مطلع علي في كل مكان فاستحسن الجميع من الشاب دقة مراقبته لله تعالى وقالوا حق لك أنة تكرم وتقدم .
ومن ذلك ما حكي عن زليخا زوجة العزيز أنها لما خلت بيوسف عليه السلام قامت وغطت وجه صنم كان لها فقال لها يوسف عليه السلام مالك أتستحين من مراقبة جماد ولا أستحي من مراقبة الملك الجبار .
ومن ذلك ما حكي عن زليخا زوجة العزيز أنها لما خلت بيوسف عليه السلام قامت وغطت وجه صنم كان لها فقال لها يوسف عليه السلام مالك أتستحين من مراقبة جماد ولا أستحي من مراقبة الملك الجبار .
الصفحة الأخيرة
قبل نشوب المعركة، خرج أحد المشركين ( الأسود بن عبد الأسد) وكان رجلاً شرسًا سيء الخلق، فقال ( أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه ) فخرج إليه حمزة فأطار قمده وهو دون الحوض، فوقع على ظهره، ثم قتله حمزة في الحوض، ولما دعا " عتبة وشيبه والوليد" إلى المبارزة، خرج "حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث لمبارزتهم، فبارز حمزة شيبه، ولم يلبث أن قتله.
أبلى حمزة رضي الله عنه بلاءًا عظيمًًا يوم بدر، وكان يقاتل بسيفين، وكان دوره بارزًا للغاية، فقد قتل أشجع شجعان قريش، وأكثرهم إقدامً، ذلك الذي تحدى المسلمين في محاولة الشرب من حوضهم أو هدمه، وقتل شيبة وعتبة ابني ربيعة وهما من أشراف قريش وشجعانه، وبذلك أثر أعمق الأثر في معنويات قريش، فانهارت معنوياتهم..
لقد كان حمزة بطل غزوة بدر الكبرى، مما شدد من النقمة عليه، واستهدفوا حياته في غزوة أحد..
في بني قينقاع:
لما عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر أظهرت اليهود له الحسد بما فتح الله عليه، فبغوا عليه ونقضوا عهدهم معه، وبينما هم كذلك إذ جاءت امرأة مسلمة إلى سوقهم، فجلست عند صائغ لأجل حلي له، فجاء رجل منهم فأظهر عورته، فقام إليه رجل من المسلمين فقتله، فغزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحصنوا بحصونهم، فحاصرهم 15 ليلة فنزلوا على حكمه، فأجلاهم إلى أذرعات، وكان حمزة رضي الله عنه هو حامل لواء النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المعركة.
من مواقفه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن عمرو قال جاء حمزة بن عبد المطلب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله اجعلني على شيء أعيش به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا حمزة نفس تحييها أحب إليك أم نفس تميتها قال بل نفس أحييها قال عليك بنفسك.
يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم رؤية جبريل:
وأخرج ابن سعد والبيهقي في الدلائل عن عمار بن أبي عمار
أن حمزة بن عبد المطلب قال: يا رسول الله أرني جبريل على صورته
قال " إنك لا تستطيع أن تراه
قال: بلى فأرنيه
قال: فاقعد
فقعد فنزل جبريل على خشبة كانت الكعبة يلقي المشركون عليها ثيابهم إذا طافوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارفع طرفك
فانظر فرفع طرفه فرأى قدميه مثل الزبرجد الأخضر فخر مغشيا عليه.
في غزوة أحـد.. سيد الشهداء لما كانت غزوة أحد، والتحم الفريقان، يذكر قاتل حمزة ( وحشي): كنت غلاما لجبير بن مطعم وكان عمه طعيمة بن عدي قد أصيب يوم بدر فلما سارت قريش إلى أحد قال لي جبير: إن قتلت حمزة عم محمد بعمي فأنت عتيق. قال: فخرجت مع الناس وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة قلما أخطئ بها شيئا فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق يهد الناس بسيفه هدا ما يقوم له شيء فوالله إني لأتهيأ له أريده وأستتر منه بشجرة أو حجر ليدنو مني إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى فلما رآه حمزة قال: له هلم إلي يا ابن مقطعة البظور. قال: فضربه ضربة كأن ما أخط. رأسه قال: وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنته. حتى خرجت من بين رجليه وذهب لينوء نحوي فغلب وتركته وإياها حتى مات ثم أتيته فأخذت حربتي ثم رجعت إلى العسكر فقعدت فيه ولم يكن لي بغيره حاجة وإنما قتلته لأعتق.
فلما رأته ( هند بنت عتبة) بقرت بطنه رضي الله عنه ـ ومثلت به، لأنه كان قد قتل أباها في بدر، وسميت بآكلة الأكباد.: لما كان يوم أحد جعلت هند بنت عتبة النساء معها يجدعن أنوف المسلمين ويبقرن بطونهم ويقطعن الآذان إلا حنظلة فان أباه كان من المشركين و بقرت هند عن بطن حمزة فأخرجت كبدة وجعلت تلوك كبده ثم لفظته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لو دخل بطنها لم تدخل النار "
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمس حمزة، فوجده ببطن الوادي ن قد بُقر بطنه عن كبده، ومًثٍّل به، فحزن عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأى المسلمون حزن رسول الله وغيظه على من فعل بعمه ذلك قالو: والله لئن أظفرنا الله بهم يومًا من الدهر، لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب، و عن أبي هريرة قال وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة وقد قتل ومثل به فلم يرى منظرا كان أوجع لقلبه منه فقال: " رحمك الله أي عم فلقد كنت وصولا للرحم فعولا للخيرات فوالله لئن أظفرني الله بالقوم لأمثلن بسبعين منهم ". قال فما برح حتى نزلت: " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ". النحل: 126 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بل نصبر ". وكفر عن يمينه، ونهى عن المثلة.
وكان يوم قتل ابن تسع وخمسين سنه ودفن هو و ابن أخته عبد الله ابن جحش في قبر واحد.
ـ عن عكرمة عن بن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلت الجنة البارحة فنظرت فيها فإذا جعفر يطير مع الملائكة وإذا حمزة متكئ على سرير صحيح الإسناد
ـ عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قتل حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم جنبا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم غسلته الملائكة صحيح الإسناد
ـ عن علي قال ( إن أفضل الخلق يوم يجمعهم الله الرسل وأفضل الناس بعد الرسل الشهداء وإن أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب )
بعض ما قيل في رثائه:
قال عبد الله بن رواحه:
بكت عيني وحق لها بكاه... وما يغني البكاء والعويل
على أسد الإله غداة قالو... لحمزة ذاكم الرجل القتيل
أصيب المسلمون به جميع... هناك وقد أصيب به الرسول
أبا بعلي لك الأركان هدت... وأنت الماجد البر الوصول
عليك سلام ربك في جنان... يخالطها نعيم لا يزول
ألا يا هاشم الأخيار صبر... فكل فعالكم حسن جميل
رسول الله مصطبر كريم... بأمر الله ينطق إذ يقول
ألا من مبلغ عني لؤي... فبعد اليوم دائلة تدول
وقبل اليوم ما عرفوا وذاقو... وقائعنا بها يشفي الغليل
نسيتم ضربنا بقليب بدر... غداة أتاكم الموت العجيل
وعتبة وابنه خرا جميع... وشيبة عضه السيف الصقيل
ألا يا هند لا تبدي شمات... بحمزة إن عزكم ذليل
ألا يا عند فابكي لا تملي... فأنت الواله العبري الهبول