قال الفضيل بن عياض :
* العمل لغير الله شرك وترك العمل لأجل الناس رياء والإخلاص أن يخلصك الله منهما.
* إن خفت الله فلن يضرك أحد وإن خفت غير الله فلن ينفعك أحد
تعريف المراقبة :
عرفت المراقبة بتعاريف عدة متقاربة في معناها ، فعرفها ابن المبارك حينما سأله رجل ما المراقبة قال : كن أبدا كأنك ترى الله عز وجل .
وعرفها الحارث المحاسبي فقال : المراقبة علم القلب بقرب الرب .
وعرفها بعضهم بأنها : مراعاة القلب لملاحظة الحق مع كل خطوة وخطوة .
وعرفها إبراهيم الخواص : فقال هي: خلوص السر و العلانية لله عز وجل .
وهذه التعاريف كما سمعت متقاربة ، لخصها ابن القيم بقوله هي : دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه على ظاهره وباطنه .
ثالثاً : أحوال المسلم في الخلوة :
المسلم في الخلوة إما أن تكون حاله كما هي في العلانية و الظهور ، أو تكون في الخلوة أفضل ، وهذان مقامان عاليان ليس محل الكلام عنهما هنا .
أو يكون المسلم في الخلوة أقل حالا منه في العلانية وهذا هو الغالب على كثير من الناس ثم إن هؤلاء لا يختلفون فمنهم من يتكاسل عن الطاعات في الخلوة ويترك أعمالا فضلى كان يعملها في العلانية وإن لم يرتكب في خلوته المحرمات ، كمن ينشط في قيام الليل مع زملائه أثناء اجتماعه معهم فإذا كان في بيته لوحده ترك هذا الأمر أو يكون نشيطا في الدعوة إلى الله مع زملائه فإذا اختفى عن أنظارهم كأن يذهب في الإجازة بعيدا عنهم أو يكون قد عين مدرسا في بلدة أخرى ترك هذا الأمر وآثر الراحة و الكسل أو ينكر المنكر اذا كان يسير مع زملائه في سوق ، فإذا كان لوحده لم ينكر ، وغير هذه الأمثلة كثير . فهنا اصبح حال المسلم في الخلوة اقل من ناحية فعل الطاعات منه في العلانية ، نعم قد يكون هناك أسباب أخرى لحصول هذا الشيء من مثل كون الإنسان ينشط مع زملائه لأنهم يعينونه على الخير ويجد فيهم القدوة ، فإذا كان لوحده لم يجد من يعينه على ذلك ، الا أن من هذه الأسباب ضعف المراقبة لله عز وجل ، هذه حالة من أحوال المسلم في الخلوة .
الحالة الثانية : من الناس من يعمل في الخلوة مالا يليق به كمسلم صالح وان لم يكن هذا العمل محرماً كأن يفعل مكروهاً أو يكثر من مباح يضيع عليه وقته دون فائدة بينما تجده في العلانية مبتعداً عن هذا الشيء ، فهذا إنما فعل ذلك لضعف المراقبة عنده.
الحالة الثالثة: هناك من يرتكب المحرمات وينتهك حرمات الله في الخلوة وهذا تقريباً هو الذي ينصب عليه الكلام في هذا الموضوع ، ولاشك أن من فعل هذا إنما فعله لضعف المراقبة لله سبحانه وتعالى. وهناك من يعمل في الخلوة أعمالاً مباحة لا يعملها في العلانية حياءً من الناس لأنهم يعدونها من خوارم المروءة بينما هي في الخلوة لا تعد كذلك وهذا من مثل حسر الرأس أي كشف الرأس عند من يرى أنه من خوارم المروءة ونزع اللباس الخارجي والإبقاء على اللباس الداخلي الساتر للعورة فقط، فهذه الأشياء لا بأس بها ولا تدخل في موضوع المراقبة ، وإنما ذكرتها فقط للتنبيه على عدم دخولها في الموضوع . فهذه داخلة في العادات لا في العبادات.
عرفت المراقبة بتعاريف عدة متقاربة في معناها ، فعرفها ابن المبارك حينما سأله رجل ما المراقبة قال : كن أبدا كأنك ترى الله عز وجل .
وعرفها الحارث المحاسبي فقال : المراقبة علم القلب بقرب الرب .
وعرفها بعضهم بأنها : مراعاة القلب لملاحظة الحق مع كل خطوة وخطوة .
وعرفها إبراهيم الخواص : فقال هي: خلوص السر و العلانية لله عز وجل .
وهذه التعاريف كما سمعت متقاربة ، لخصها ابن القيم بقوله هي : دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه على ظاهره وباطنه .
ثالثاً : أحوال المسلم في الخلوة :
المسلم في الخلوة إما أن تكون حاله كما هي في العلانية و الظهور ، أو تكون في الخلوة أفضل ، وهذان مقامان عاليان ليس محل الكلام عنهما هنا .
أو يكون المسلم في الخلوة أقل حالا منه في العلانية وهذا هو الغالب على كثير من الناس ثم إن هؤلاء لا يختلفون فمنهم من يتكاسل عن الطاعات في الخلوة ويترك أعمالا فضلى كان يعملها في العلانية وإن لم يرتكب في خلوته المحرمات ، كمن ينشط في قيام الليل مع زملائه أثناء اجتماعه معهم فإذا كان في بيته لوحده ترك هذا الأمر أو يكون نشيطا في الدعوة إلى الله مع زملائه فإذا اختفى عن أنظارهم كأن يذهب في الإجازة بعيدا عنهم أو يكون قد عين مدرسا في بلدة أخرى ترك هذا الأمر وآثر الراحة و الكسل أو ينكر المنكر اذا كان يسير مع زملائه في سوق ، فإذا كان لوحده لم ينكر ، وغير هذه الأمثلة كثير . فهنا اصبح حال المسلم في الخلوة اقل من ناحية فعل الطاعات منه في العلانية ، نعم قد يكون هناك أسباب أخرى لحصول هذا الشيء من مثل كون الإنسان ينشط مع زملائه لأنهم يعينونه على الخير ويجد فيهم القدوة ، فإذا كان لوحده لم يجد من يعينه على ذلك ، الا أن من هذه الأسباب ضعف المراقبة لله عز وجل ، هذه حالة من أحوال المسلم في الخلوة .
الحالة الثانية : من الناس من يعمل في الخلوة مالا يليق به كمسلم صالح وان لم يكن هذا العمل محرماً كأن يفعل مكروهاً أو يكثر من مباح يضيع عليه وقته دون فائدة بينما تجده في العلانية مبتعداً عن هذا الشيء ، فهذا إنما فعل ذلك لضعف المراقبة عنده.
الحالة الثالثة: هناك من يرتكب المحرمات وينتهك حرمات الله في الخلوة وهذا تقريباً هو الذي ينصب عليه الكلام في هذا الموضوع ، ولاشك أن من فعل هذا إنما فعله لضعف المراقبة لله سبحانه وتعالى. وهناك من يعمل في الخلوة أعمالاً مباحة لا يعملها في العلانية حياءً من الناس لأنهم يعدونها من خوارم المروءة بينما هي في الخلوة لا تعد كذلك وهذا من مثل حسر الرأس أي كشف الرأس عند من يرى أنه من خوارم المروءة ونزع اللباس الخارجي والإبقاء على اللباس الداخلي الساتر للعورة فقط، فهذه الأشياء لا بأس بها ولا تدخل في موضوع المراقبة ، وإنما ذكرتها فقط للتنبيه على عدم دخولها في الموضوع . فهذه داخلة في العادات لا في العبادات.
حرص الإسلام على تنشئة المراقبة وتنميتها:
لقد حرص الإسلام على أن تكون مراقبة العبد لله سبحانه وتعالى قوية متمكنة في نفسه تحرسه إذا خلا بنفسه فلا ينتهك حرمات الله ولا يقصر في أداء الطاعات وحتى لو أخطأ وضعفت هذه المراقبة في وقت ما فإنه سرعان ما يتذكر اطلاع الله عليه وعلمه بما يقع منه فيقلع عن هذا الخطأ ويندم على فعله ويعزم على ألا يعود إليه ، ومما يدل على حرص الإسلام على ذلك ما يلي:
1- الأمر بتقوى الله في الخلوة : ففي الحديث الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما: (( اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن )) . ومراده في قوله اتق الله حيثما كنت أي في السر والعلانية حيث يرونه الناس وحيث لا يرونه ، وعند أحمد عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (( أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته)) .
2- التحذير من ارتكاب المحرمات في الخلوة : فعن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاً فيجعلها الله عز وجل هباءً منثوراً " قال ثوبان : يا رسول الله صِفهم لنا ، جلِّهم لنا ألاّ نكون منهم ونحن لا نعلم ، قال : " أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها)) رواه ابن ماجة وصححه الألباني .
3- ذكر صفات الله المقتضية لتلك المراقبة : يقول الله عز وجل : (( إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)) (النساء:ْ1)
ويقول عز وجل : (( إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)) (الحج :75)
ويقول: (( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) (الانفال:61) .
وغيرها من الآيات .
4- التصريح بعلم الله لما يفعله العبد صغيراً كان أم كبيراً في الخلوة أم في العلانية : يقول الله
عز وجل (( وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)) ( يونس:61).
قال الشيخ السعدي – رحمه الله- في تفسيره هذه الآية ( يخبر تعالى عن عموم مشاهدته واطلاعه على جميع أحوال العباد في حركاتهم، وسكناتهم، وفي ضمن هذا ، الدعوة لمراقبته على الدوام )ا.هـ.
ويقول الله عز وجل في آيةٍ أخرى (( وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)) (التوبة:105)
وقال (( ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)) (يونس:14)
وقال عز من قائل (( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) (الشعراء:217-220)
وقال (( وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى)) (طه:7)
وقال عز وجل (( وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ)) (البقرة:235) وقال (( إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء)) (آل عمران:5) وقال ((وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ )) (النساء:108) .
وقال (( مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) (المجادلة:7).
5- الاستنكار على من استخف بعلم الله لما يفعله العبد : كما قال عز وجل (( أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى)) ( العلق:14) وقال (( أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ)) (الزخرف:80) وقال (( أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ )) (التوبة:78).
6- الحث على الحياء من الله فمن استحيا من الله لم يبارزه بالمعصية في الخلوة : جاء في الحديث الذي صححه الألباني في صحيح الجامع ورواه الطبراني في الكبير (( أوصيك أن تستحي من الله كما تستحي من الرجل الصالح في قومك )) .
وفي الحديث الذي رواه أحمد والترمذي (( استحيوا من الله تعالى حق الحياء من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى وليحفظ البطن وما حوى وليذكر الموت والبِلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا ومن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء )) .
7- ترتيب الأجر العظيم على مراقبة العبد لربه : ففي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ذكر من هؤلاء (( ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ، ورجلٌ دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين ، ورجلٌ تصدق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه )) .
قال ابن حجر : ذكر اللهَ أي بقلبه من التذكر أو بلسانه من الذكر وخالياً من الخلو لأنه يكون حينئذٍ أبعد من الرياء ، فهؤلاء الأصناف الثلاثة حصلوا على هذا الأجر بسبب مراقبتهم لله عز وجل . وفي الحديث الذي رواه الطبراني في الأوسط وحسنه الألباني (( ثلاثٌ منجيات ، خشية الله تعالى في السر والعلانية ، والعدل في الرضا والغضب ، والقصد في الفقر والغنى ، وثلاثٌ مهلكات ، هوىً متبع وشحٌ مطاع وإعجاب المرء بنفسه ) ).
8- المنزلة العظيمة للإحسان وأنه أعلى مراتب الدين : وحقيقته أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، وهذه هي المراقبة لأن الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة كأنه يراه بقلبه وينظر إليه في حال عبادته
والولد الذي يشاهد هذا التأثر على أبيه لا شك يتأثر، وكأن لسان حاله يقول: "إن هذا الأمر الذي يبكي والدي له أمر عظيم". وسوف يبقى في نفس الولد أثر هذا الخشوع، ويرتسم في مخيلته، حتى يكبر وينضج، فيتذوق حلاوة الإيمان، ولذة الخشوع، فيكون ذلك مدعاة لدوام استقامته، وتمام توفيقه وسداده.
ويضيف الأب إلى آيات القرآن الكريم بعضاً من الأحاديث النبوية التي تركز على هذا الجانب، وتقويه في نفس المؤمن، ومن هذه الأحاديث قوله عليه الصلاة والسلام: ((لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوَّة لخرج عمله للناس كائناً ما كان)). أي إن علامة الطاعة، أو المعصية التي عملت في الخفاء بعيداً عن رقابة الناس يظهرها الله على صاحبها في سلوكه وتصرفاته بين الناس، فإن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وفي حديث آخر يكشف رسول الله r للناس حقيقة من حقائق عالم الغيب التي يهتز لها الوجدان، وينخلع لها القلب، عند تخيل حقيقتها وطبيعتها حيث يقول: ((إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء، وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد، لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً)).
وهذه الآيات والأحاديث لا شك أن لها أثرها على نفس الولد، حتى وإن لم يظهر ذلك في بادئ الأمر، فإنه يختزن في ذاكرته، ويُنقش في قلبه، ويظهر أثره عند مقاربة البلوغ وبعده على صورة رغبة وميل نحو التدين والتزام الإسلام.
وقد كان بعض السلف يعلم أولاده كيف يستحضرون رقابة الله عليهم عن طريق ذكر الله بالقلب، فيعلم ولده أن يقول: "الله معي، الله يراني، الله ناظري"، ويكرر ذلك مراراً دون تلفظ. وهذا الأسلوب إن استمر عليه الولد مكَّنه ذلك من استحضار مشاهدة الله له، ومراقبته له.
لقد حرص الإسلام على أن تكون مراقبة العبد لله سبحانه وتعالى قوية متمكنة في نفسه تحرسه إذا خلا بنفسه فلا ينتهك حرمات الله ولا يقصر في أداء الطاعات وحتى لو أخطأ وضعفت هذه المراقبة في وقت ما فإنه سرعان ما يتذكر اطلاع الله عليه وعلمه بما يقع منه فيقلع عن هذا الخطأ ويندم على فعله ويعزم على ألا يعود إليه ، ومما يدل على حرص الإسلام على ذلك ما يلي:
1- الأمر بتقوى الله في الخلوة : ففي الحديث الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما: (( اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن )) . ومراده في قوله اتق الله حيثما كنت أي في السر والعلانية حيث يرونه الناس وحيث لا يرونه ، وعند أحمد عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (( أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته)) .
2- التحذير من ارتكاب المحرمات في الخلوة : فعن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاً فيجعلها الله عز وجل هباءً منثوراً " قال ثوبان : يا رسول الله صِفهم لنا ، جلِّهم لنا ألاّ نكون منهم ونحن لا نعلم ، قال : " أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها)) رواه ابن ماجة وصححه الألباني .
3- ذكر صفات الله المقتضية لتلك المراقبة : يقول الله عز وجل : (( إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)) (النساء:ْ1)
ويقول عز وجل : (( إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)) (الحج :75)
ويقول: (( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) (الانفال:61) .
وغيرها من الآيات .
4- التصريح بعلم الله لما يفعله العبد صغيراً كان أم كبيراً في الخلوة أم في العلانية : يقول الله
عز وجل (( وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)) ( يونس:61).
قال الشيخ السعدي – رحمه الله- في تفسيره هذه الآية ( يخبر تعالى عن عموم مشاهدته واطلاعه على جميع أحوال العباد في حركاتهم، وسكناتهم، وفي ضمن هذا ، الدعوة لمراقبته على الدوام )ا.هـ.
ويقول الله عز وجل في آيةٍ أخرى (( وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)) (التوبة:105)
وقال (( ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)) (يونس:14)
وقال عز من قائل (( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) (الشعراء:217-220)
وقال (( وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى)) (طه:7)
وقال عز وجل (( وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ)) (البقرة:235) وقال (( إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء)) (آل عمران:5) وقال ((وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ )) (النساء:108) .
وقال (( مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) (المجادلة:7).
5- الاستنكار على من استخف بعلم الله لما يفعله العبد : كما قال عز وجل (( أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى)) ( العلق:14) وقال (( أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ)) (الزخرف:80) وقال (( أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ )) (التوبة:78).
6- الحث على الحياء من الله فمن استحيا من الله لم يبارزه بالمعصية في الخلوة : جاء في الحديث الذي صححه الألباني في صحيح الجامع ورواه الطبراني في الكبير (( أوصيك أن تستحي من الله كما تستحي من الرجل الصالح في قومك )) .
وفي الحديث الذي رواه أحمد والترمذي (( استحيوا من الله تعالى حق الحياء من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى وليحفظ البطن وما حوى وليذكر الموت والبِلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا ومن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء )) .
7- ترتيب الأجر العظيم على مراقبة العبد لربه : ففي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ذكر من هؤلاء (( ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ، ورجلٌ دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين ، ورجلٌ تصدق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه )) .
قال ابن حجر : ذكر اللهَ أي بقلبه من التذكر أو بلسانه من الذكر وخالياً من الخلو لأنه يكون حينئذٍ أبعد من الرياء ، فهؤلاء الأصناف الثلاثة حصلوا على هذا الأجر بسبب مراقبتهم لله عز وجل . وفي الحديث الذي رواه الطبراني في الأوسط وحسنه الألباني (( ثلاثٌ منجيات ، خشية الله تعالى في السر والعلانية ، والعدل في الرضا والغضب ، والقصد في الفقر والغنى ، وثلاثٌ مهلكات ، هوىً متبع وشحٌ مطاع وإعجاب المرء بنفسه ) ).
8- المنزلة العظيمة للإحسان وأنه أعلى مراتب الدين : وحقيقته أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، وهذه هي المراقبة لأن الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة كأنه يراه بقلبه وينظر إليه في حال عبادته
والولد الذي يشاهد هذا التأثر على أبيه لا شك يتأثر، وكأن لسان حاله يقول: "إن هذا الأمر الذي يبكي والدي له أمر عظيم". وسوف يبقى في نفس الولد أثر هذا الخشوع، ويرتسم في مخيلته، حتى يكبر وينضج، فيتذوق حلاوة الإيمان، ولذة الخشوع، فيكون ذلك مدعاة لدوام استقامته، وتمام توفيقه وسداده.
ويضيف الأب إلى آيات القرآن الكريم بعضاً من الأحاديث النبوية التي تركز على هذا الجانب، وتقويه في نفس المؤمن، ومن هذه الأحاديث قوله عليه الصلاة والسلام: ((لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوَّة لخرج عمله للناس كائناً ما كان)). أي إن علامة الطاعة، أو المعصية التي عملت في الخفاء بعيداً عن رقابة الناس يظهرها الله على صاحبها في سلوكه وتصرفاته بين الناس، فإن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وفي حديث آخر يكشف رسول الله r للناس حقيقة من حقائق عالم الغيب التي يهتز لها الوجدان، وينخلع لها القلب، عند تخيل حقيقتها وطبيعتها حيث يقول: ((إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء، وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد، لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً)).
وهذه الآيات والأحاديث لا شك أن لها أثرها على نفس الولد، حتى وإن لم يظهر ذلك في بادئ الأمر، فإنه يختزن في ذاكرته، ويُنقش في قلبه، ويظهر أثره عند مقاربة البلوغ وبعده على صورة رغبة وميل نحو التدين والتزام الإسلام.
وقد كان بعض السلف يعلم أولاده كيف يستحضرون رقابة الله عليهم عن طريق ذكر الله بالقلب، فيعلم ولده أن يقول: "الله معي، الله يراني، الله ناظري"، ويكرر ذلك مراراً دون تلفظ. وهذا الأسلوب إن استمر عليه الولد مكَّنه ذلك من استحضار مشاهدة الله له، ومراقبته له.
الصفحة الأخيرة
الحمد لله ..أفضل بكثير..وذهبت للمدرسة..
شكراً غاليتي لسؤالك..