مناير العز
مناير العز
الجزء الثاني والثلاثون

بقيت مدة طويلة .. كان الحزن والخوف والقلق يسطر علي .. والوساوس كذلك .. حتى أني ظننت أني انتقلت لعالم غريب خالي من البشر إلا من هؤلاء الشياطين الذين اختطفوني ويركلونني ويضربونني من دون سبب

أحيانا أتخيل أني أعيش مع الجن .. وإلا ما هذهـ العيشة التي ستجلب لي الجنون؟ ..

طوال الوقت لا أفعل شيئا إلا الوضوء والصلاة والدعاء أن يثبتني ربي ويحفظ عقلي من الجنون .. فأنا بدأت أشك في نفسي وفي وجودي وفي كثير من الحقائق ..

صرت لا أعرف الأيام ولا أنا في أي شهر ولا كم مضى علي .. فقط أعرف أن الوقت ليل أو نهار .. وتنهبني الذكريات فأصير أسيرا لها .. أتذكر الماضي وأبي وأمي وأخوتي ودراستي وأصحابي .. ولولا هذهـ الذكريات لشككت في نفسي

لم أدر كم مر من الوقت ليبدءوا بتعذيبي وسؤالي عن أختي ولمَ نحن قادمون إلى أثينا؟ وكانوا يهينوني كثيرا وأحيانا يحرموني من الطعام ليومين متواصلين

لقد عذبوني كثيرا وسخروا مني .. لا أريد أن أتذكر سياطهم وسجائرهم التي أثرت في جسمي وهم فوق ذلك يستمتعون بصراخي .. يبدو أن هذهـ إحدى هواياتهم

كانوا يريدون بعض الإجابات وأنا ممتنع عنها لا أجيب عن شيء .. وأحيانا أدعي الجنون وأني فقدت عقلي .. لعلي أرتاح من أسئلتهم

أعرف أنه مر وقت طويل ومتأكد أنه أكثر من سنتين على أقل التقديرات .. فقد كان الجو يتغير من حار إلى بارد إلى حار وهكذا

في أحد الأيام سمعت جلبة وإطلاق نار في الأعلى .. فخفت كثيرا وشخصت ببصري إلى الباب .. ولم أتخيل سوى منظر واحد .. وهو أن أحدهم سيدخل مشهرا سلاحه بوجهي ثم يرميني ليتخلص مني .. فأنا في نظرهم عديم النفع .. ولا أتوقع أن يطلقوا سراحي لأني ربما أدل عليهم وأفضحهم

بقيت فترة أنتظر وكان الوقت نهار كما يبدوا لي من الفتحة العلوية في حجرتي .. ولكن لا أحد قادم .. جاء الليل فاستلقيت على الأرض لأنام والجوع يلوي بطني .. فأنا لم أذق شيئا ذلك اليوم

أحدهم يسحبني بشدة من مكاني ويأمرني أن أتحرك بسرعة .. ولم أستطع أن أميز هذا الرجل بسبب الظلام .. صعدنا للأعلى فأشار إلى البحر وقال: اذهب بعيدا فأخذت أجري لا ألوي على شيء .. فأنا لم أصدق أني خرجت من سجني الذي ظننته أبدي

وصلت للشاطئ وجلت ببصري تحت ضوء القمر فرأيت قاربا بعيدا .. فركضت ناحيته .. اقتربت لأصعد القارب ثم توقفت .. إن ركبت القارب فكيف أشغله وإلى أين أتجه؟

وبينما أنا أفكر إذ لمحت خيالا يركض من بعيد باتجاهي .. فتخفيت خوفا أن يكون من أعدائي .. عندما اقترب نادى بلكنة أجنبية : أهمد .. أهمد

تعجبت من هذا الذي يعرف اسمي فظهرت له .. وكان يفك السلسلة التي ربط بها القارب ثم صعد وأشار إلي أن اصعد بسرعة

شغل القارب مسرعا وهو يقول: ألا تذكرني؟ بإنجليزية ركيكة
- لا .. من أنت؟
- أنا التاكسي
- وأين أختي؟
- أنا آسف بشأنها .. لقد أنزلتها في إحدى الحدائق .. فأنا كما ترى ملاحق ولا أستطيع الوصول إلى الفندق
- تعني أنك رميتها ؟؟ .. إنها طفلة
- وجودها معي خطر .. لقد لحقت بي سيارة أخرى .. فاضطررت لرميها قبل أن يأخذوها مني .. حتى أنا تركت سيارتي في أحد الشوارع وهربت على رجلي
7
مناير العز
مناير العز
مشى القارب طويلا وكان يمر بجزر هنا وهناك بعضها مهجور ومظلم وبعضها فيه حياة وأنوار .. وكان الصمت يسود بيننا إلى أن اقترب من جزيرة صغيرة وعليها بعض الأنوار القليلة جدا فطلب مني الرجل أن أنزل ثم أشار إلى كتلة ضوئية في أفق البحر من الشمال الغربي وقال: تلك أثينا حاول الوصول إليها سباحة فأنا لا أستطيع نقلك إلى هناك .. سارع بالنزول فضياع الوقت ليس من صالحك
نظرت إليه متسائلا: ولكن هل لي أن أعرف لمَ أتيت إلي؟
- أردت أن أساعدك بعد أن عجزت عن حمايتك وأختك في سيارتي .. أنت للأسف وقعت في قبضة مافيا من القبارصة اليونانين .. إنها مافيا تسرق الأطفال والنساء وتبيعهم .. لا أدري كيف أتيت إلى هنا مع أختك وليس معكما شخص كبير .. لقد كنتما صيدا سهلا فأنت كما يبدو لم تتخط سن المراهقة وأختك طفلة وليس معكما رجل لحمايتكما .. أشك أنهم خططوا عليكما منذ أن رأوكم بالمطار .. وهذا ما حصل
- وأختي؟
- ابحث عنها ..
- أترميها وتقول ابحث عنها؟؟
- كان عليك أن تشكرني ..على أني أنقذتك من سجنك .. وأن رميت أختك بعيدا عن أنظارهم ... أنت لا تعرف النعمة التي أنت بها

كنا على شاطئ الجزيرة نقف ونتجادل ثم أشار الرجل إلى أثينا التي يفصلها البحر عنا وتبدو بالأفق : لترحل الآن .. قبل أن يحصلوا عليك
- وماذا يريدون مني؟؟
- يخافون الفضيحة .. فأنت أحد الأدلة عليهم ولذلك حبسوك .. لا تكثر من الأسئلة .. هيا انصرف ... (وأشار للبحر) .. هذهـ المياه ضحلة وليست عميقة .. تستطيع السباحة الآن

ثم ربط قاربه وسار إلى أن غاب في وسط الظلام .. نظرت إلى أثينا وتخيلت أختي تائهة فيها فأسرعت أحاول السباحة لم تكن المياه عميقة جدا فقد سرت مسافة 100 متر تقريبا على رجلي والماء لم يغطيني بعد ثم اضطررت للسباحة مسافة أطول من الأولى بقليل إلى أن اقتربت من شواطئ أثينا فاتجهت إلى منطقة مظلمة حتى لا يراني أحد وكان التعب قد هدني والجوع يضعفني فأجاهد لأصل الشاطئ وأرمي بنفسي هناك

لا أعرف كيف وصلت ؟ ولكن ما أعرفه هو أني صحوت على شمس النهار الحارة .. ورغم الجوع والتعب إلا إني فرحت بمنظر الشمس التي لم أرها فترة طويلة ربما سنتين أو أكثر وفرحت بالحرية واستبشرت خيرا بعد أن كاد اليأس يقضي على أملي في الخروج من سجنهم البغيض

كنت أعرف أني لن أجد أختي بسهولة فقررت الذهاب لأمي في المستشفى أولا فجاهدت على مدى يومين التعب والجوع والإرهاق وكان الناس يظنوني متسولا أو متشردا .. فلا أفوز منهم بغير نظرات الاحتقار

لم أهتم بكل ذلك .. فالمستشفى هو غايتي وكنت أسارع للوصول إليه

أكبر صدمة تلقيتها عندما دخلت المستشفى ولم أجد أمي .. وسألت عنها فقالوا ذهبت .. لقد ظننتها ماتت ربما قهرا على ضياعنا .. فاسودت الدنيا في عيني

كان ذاك اليوم أسوأ يوم مر علي .. كنت أرى الدنيا ظلام دامس رغم الشمس الساطعة .. كنت قد أحبطت إلى درجة أن قدماي لا تحملاني

وأحسست أن لا فائدة مني .. أضعت أختي .. وتسببت في موت أمي .. كم كنت حانقا وغاضبا ويائسا ! كل المشاعر السيئة تكالبت علي فشلت حركتي وتفكيري

ولم أجد نفسي إلا أمام السفارة السعودية .. فهي التي تستطيع أن تنقل شخصا عديم الفائدة إلى بلده

وفي الرياض هناك تغيرت كل الأمور .. لقد انقلبت مشاعري إلى فرح وسرور عندما علمت بسلامة لـمـار وأن أمي على قيد الحياة

هنا أحسست أن القطار الأسود الذي كنت أركبه قد توقف أخيرا

000000000000000000000000000000000000000000000000000000

ضمت لـمـار الدفتر الذي سجل أخوها فيه مأساته باختصار وكأنها تضم أخاها إلى صدرها ودمعت عيناها وهي تتخيل تلك الأحداث والعذاب الذي صار له

أحست برغبة في البكاء فوضعت الدفتر على المكتب وبكت فوقه ثم نامت ولم تنتبه إلا على صوت والدها الذي مسح على رأسها وكتفها قائلا: لموري ليش نايمة هنا؟؟
7
مناير العز
مناير العز
ارتبكت ثم وقفت وهي تحاول التوازن بعد النوم ولم تعرف بم ترد على أبيها ثم سألها وهو يخاف أن يكون موضوع الزواج هو الذي أقلقها وجعلها تنزل وتنام على مكتبه : حبيبتي فيه شيء مقلقك؟
- لا .. كنت أقرا ونمت
- أكيد إنك ما نمت زين .. اطلعي لغرفتك صلي ونامي
- طيب يا بابا

ثم انسلت من المكتب ومعها الدفتر الذي أثار انتباه والدها ولكنه لم يسأل عنه حتى لا يحرجها ويثير المزيد من قلقها

0000000000000000000000000000000000000000000000000000

بعد ثلاثة أسابيع في نهاية الإجازة الصيفية كان أبو أحمد يجهز لزواج ابنته الغالية والكبرى لـمـار .. وكان حفل الزفاف متواضعا من حيث المدعوين فقد عزم أخوانه وأخواته وبعض أقاربه وجيرانه لحضور الزواج في المدينة .. أما العريس د عبد الله ذي الثمانية والعشرين عاما فلم يكن ليحضر أحد من جهته .. لقد كان وحيدا مع ولديه الصغيرين ومربيتهما الإنجليزية

كان في استقباله في المطار أحمد حيث سينقله إلى سكنه في فندق دار الإيمان هو وأولاده ليرتاحوا قبل الليل

أما العروسة لـمـار كانت تستعد لحفل زفافها من الصباح وكان البيت كله في حالة تأهب فالجميع كان يستحم ويجهز ملابسه .. وأم عمر ستخرج مع لـمـار ولمياء إلى الكوافيرة ظهرا

لم يكن أحد ليغيب ذلك اليوم إلا أم لـمـار التي كانت تدعو الله أن يوفق ابنتها في زواجها وأن يكتب لها السعادة والذرية الصالحة .. وكانت وحيدة في غرفتها .. تتخيل ابنتها بثوب زفافها وقد احتاجت لنصائحها فلا تستطيع الوصول إليها .. تخيلتها وهي تقف وحيدة أو ربما بجوارها زوجة أبيها .. ولكن أين والدتها ؟؟ إنها بعيدة عنها

أحست بالحزن يعتصر قلبها رغم أن المناسبة مناسبة فرح .. أكتب عليها أن لا تفرح بأبنائها؟ وأن لا تحضر مناسبات نجاحهم وزفافهم وأن تظل حبيسة المستشفى بعيدة عنهم؟

قبيل المساء جاءها صوت ابنتها لتقول لها: ماما باركي لي وادعي لي .. كلها كم يوم وحنا عندك في لندن .. أكيد فرحتي لي إني بسكن عندك هناك .. وأزورك كل يوم .. صح يا ماما

ابتسمت أمها التي أحست من خلال كلام ابنتها أنها مازالت صغيرة فعلا .. فحديثها يفضح شوقها لها وأنها ربما تزوجت فقط لتأتي قربها في لندن

ثم قالت لها: بالتوفيق يا بنتي .. خلاص كبرتِ انتبهي لزوجك زين هو الحين ولي أمرك ولازم تطيعينه وتفرحينه بكل شيء وتصيرين نعم الزوجة له ونعم الأم لأولاده

وعدتها لـمـار بذلك ثم ودعتها فالوقت لا يسمح لها بالإطالة أكثر

0000000000000000000000000000000000000000000

لـمـار بملامحها الشرقية الباهرة وبالعينين الواسعين والأنف الشامخ والشعر الكستنائي وبقامتها النحيلة المتوسطة الطول تقف أمام المصورة وقد سرحت شعرها لأعلى فلم ينزل منه سوى خصلات من الخلاف إلى منتصف ظهرها

وما كان المكياج ليزيدها جمالا فهي جميلة ولكنه أعطاها عمرا فوق عمرها فأصبح شكلها لائقا أن تكون عروسا في سن العرائس

الفستان الأبيض بتطريزاته والعقد الماسي يكمل اللوحة التي ينيرها فلاش الكاميرا كل حين .. ويقف بجانبها رجل لم يعتادوا على ملامحه الأجنبية رجل بطول المئة وثمانين قسماته أوربية وشعره أشقر ولحيته الخفيفة ضاربة بين الأشقر والبني وعينان خضراوان .. الغريب في صورته هو أنه يلبس زي العرسان السعوديين الثوب والغترة البيضاء والمشلح البني

كان جميع من في حفل الزفاف يتطلع لرؤية العريس الأوربي الغريب .. واحد منهم كان ينتقد الوضع وهو الدكتور يوسف الذي حضر بعد دعوة أبو أحمد لحضور زواج ابنته وكان يقول في نفسه .. يفضلون هذا الأجنبي على أخي الشاب السعودي المهندس والذي لم يسبق أن تزوج مثل هذا الأرمل !!

كان حفلا مميزا وعشاءا فندقيا لذيذا وعروسين جميلين رغم غرابة صلتهما ببعضهما

7
مناير العز
مناير العز
في زاوية من الحفل كانت المربية الإنجليزية الشقراء تجلس مع طفلين أبيضين صغيرين .. وكان وجودهما مثل الحدث الغريب فكل الحاضرات يأتين ليسألنها من أنت؟ ومن هذين الصغيرين فتقول: موهمد سوميا (محمد سمية) ثم تلتزم الصمت فهي لا تعرف العربية

وكانت النساء يقبلن الصغار ثم يمسحن على رؤوسهم ثم يذهبن ليسألن عن هذين من يكونان وأبناء من؟ .. وقلة منهن التي عرفت أنهم أبناء العريس

بعد ثلاثة أيام سافرت لـمـار مع زوجها إلى لندن وكانت متشوقة لرؤية والدتها التي ستسكن بجوارها أخيرا وعندما دخلت عليها في غرفتها في المستشفى ألقت برأسها في حضن والدتها ثم ضمتها وبكت فرحة بلقائها
- مبروك يا عروسة
- الله يبارك فيك يا ماما .. وشلونك الحين؟ .. أكيد فرحانة إني صرت بجنبك
- الله لا يفرق بيننا ولا بين أحبابنا .. إيه والله فرحت لك كثير

كان د عبد الله يقف خلفهما ويبتسم ثم قال لأم أحمد: الآن أستطيع الدخول من دون ممرضة .. وأستطيع رؤية وجهك .. (ثم أمسك يدها وقال) وأستطيع أن أقبل يدك (ثم ضحك وضحكوا معه)

نظرت إليهما لـمـار مسرورة فأمها لم تعد وحيدة كما كانت .. وعبد الله صار له أهل .. فأمها في مقام أمه وهي الآن زوجته وستعتني بأطفاله ولن يحتاج لهذهـ المربية بعد الآن

ثم خطرت في بالها فكرة فقالت: دكتور ..
- قولي عبد الله .. فقط عبد الله .. أنا زوجك وليس طبيبك
- (ابتسمت) عبد الله .. ما رأيك؟
- في ماذا؟
- ننتقل للسكن في السعودية .. ونأخذ أمي معنا وتواصل علاجها هناك ؟؟
- قالت أمها بلهجة حزينة: يا ليت

سكت عبد الله .. فهذا الشيء لم يخطر بباله قط .. ولندن ليست موطنه الأصل ولا موطن لا لـمـار ولا أمها

نظر إلى لـمـار التي أمسكها مع كتفيها وقال: أعدك أن أفكر بالأمر ثم خرج ليواصل عمله في المستشفى

00000000000000000000000000000000000000000
يتبع في الجزء الأخير
مناير العز
مناير العز
الجزء الثالث والثلاثون

في مطار لندن ينزل كهلان يونانيان ويأخذ كل واحد منهما حقيبته سائرين إلى خارج المطار .. كان الجو ماطرا رغم أن الوقت كان صيفا والشمس ما بين ظهور ومغيب خلف السحب

استقلا تاكسي وأعطاه ستوفيوس عنوان منزل ابنه كارلوس كما يسميه هو فسار به إلى أن توقف أمام منزل ابنه ..

نزلا ثم وقفت ميري أمام المنزل مترددة وفي عينيها دمعة لا تعرف ما هي؟

هل هي دموع الفرح بلقاء ابنها الذي هجروه؟ أو فرح بلـمـار التي هي بمقام ابنتها؟

ناداها ستوفي : هيا ما بك؟ هل تحسين بالرهبة من الدخول؟
- ألم نطرده يا ستوفي؟؟ ثم بكت
- لا عليك .. هو حنون وطيب القلب وقد فرح عندما أخبرناه بمجيئنا
- لا يقوى جسمي على الحركة

سحبها زوجها ثم طرق المنزل فخرجت خادمة لتدخلهما إلى الداخل

كانت لـمـار تقف في وسط الصالة بروب أبيض طويل وشعرها الناعم ينسدل على كتفيها إلى خصرها الذي زاد قليلا وبجانبها طفل عمره أربع سنوات وطفلة جميلة عمرها سنتان عندما نظرت إليها ميري تذكرت هيلا مباشرة ثم نظرت إلى طفل رضيع في حضنها وكان في الشهر الأول من عمره

إنه ابنها من عبد الله ونتاج سنتين من الزواج الموفق إنه (عمار)

أسرعت ميري لتضمها وتبكي ثم انحنت لتقبل الصغار الذين حرموا من أمهم ومن جدتهم قبلها .. لقد حرمتهم حنان الجدة ..

أما ستوفي فوقف مترددا .. أقبلت لـمـار لتقبله على رأسه وتقول له: الحمد لله على سلامتك يا خالي .. أنت الآن قريبي وأبو زوجي ولا حرج من أن أقبل يدك أو أصافحك

أحس بالخجل منها .. ثم قال: لقد بدأت أرى حسنات إسلامكم .. آه يا لعظمته

فرحت لـمـار بكلامه ودعت في سرها أن يهديهما الله للإسلام

كانت ميري تجول بنظرها ما بين لـمـار التي تغيرت والتي غابت عن ناظريهم خمس سنوات وتركت وحشة في المنزل من بعدها وكأنها اختطفت الحياة والسعادة والفرح والبهجة منه فصار كئيبا أشبه بالقبور منه بالمنازل

ثم تنظر إلى محمد وسمية وتتأمل جمالهم وبراءتهم وتتذكر والدتهم التي قضت نحبها قتلا .. فتحس بالحزن العميق وبالندم على طردهم لها مع زوجها عندما قدموا بعد إسلامهم للسلام عليهم

ثم تنظر للصغير عمار .. وأحست أنه الفاكهة والأمنية التي تمنتها .. إنه ولد الغاليين كارلوس ولـمـار

ستوفي لا زال يحس بالخجل فهو الذي طرد ابنه وطلب منه أن لا يتصل بهم أبدا وأن لا يزورهم ولم يعزيه في زوجته وكان كلما اتصل أقفل الخط في وجهه .. فهو غاضب منه

حتى عندما تزوج لـمـار لم يباركوا له ولم يفعلوا شيئا .. ولكن فرحوا في سرهم أن لـمـار حبيبتهم تزوجت ولدهم

ومتى تحركت قلوبهم ؟

تحركت عندما وصلتهم رسالة تخبرهم أن لـمـار رزقت بولد من ابنهم الوحيد .. فأصابهم شيء هو أشبه بالخفة أو الجنون .. فرتبوا حقائبهم واشتروا الهدايا وكأن كل شيء تغير في لحظة واحدة

هل استيقظت مشاعر الأبوة فيهم؟ هل حنوا للـمـار؟ هل حبهم لها هو الذي قادهم؟ هل تحمسوا لرؤية صغيرها؟

ربما كل ذلك جعلهم يحجزون لبريطانيا على وجه السرعة ويخبرون ابنهم أنهم في الطريق إليه
7