أبو الريحان البيروني
كان البيروني عالمًا فذا، متعدد الجوانب، غزير الإنتاج، عظيم الموهبة عميق الفكر، فهو مؤرخ محقق وجغرافي مدقق، وفلكي نابه، ورياضي أصيل، وفيزيائي راسخ، ومترجم متمكن، بلغ من إعجاب الأوروبيين به أن قال عنه المستشرق سخاو: "إن البيروني أكبر عقلية في التاريخ"، ويصفه آخر بقوله: "من المستحيل أن يكتمل أي بحث في التاريخ أو الجغرافيا دون الإشادة بأعمال هذا العالم المبدع".
وبلغ من تقدير الهيئات العلمية لجهود البيروني أن أصدرت أكاديمية العلوم السوفيتية في سنة (1370هـ= 1950م) مجلدًا تذكاريًا عنه بمناسبة مرور ألف سنة على مولده، وكذلك فعلت الهند. وأنشأت جمهورية أوزبكستان جامعة باسم البيروني في طشقند؛ تقديرًا لمآثره العلمية، وأقيم له في المتحف الجيولوجي بجامعة موسكو تمثال يخلد ذكراه، باعتباره أحد عمالقة علماء الجيولوجيا في العالم على مر العصور، وأطلق اسمه على بعض معالم القمر.
استقبال الحياة
استقبلت إحدى قرى مدينة "كاث" عاصمة خوارزم مولودًا ميمونًا هو أبو الريحان محمد بن أحمد الخوارزمي المعروف بالبيروني في (2 من ذي الحجة 362هـ= 4 من سبتمبر 973م)، والبيرون كلمة فارسية الأصل تعني "ظاهر" أو خارج. ويفسر السمعاني في كتابه "الأنساب" سبب تسمية أبي الريحان بهذه النسبة بقوله: "ومن المحتمل أن تكون عائلة أبي الريحان من المشتغلين بالتجارة خارج المدينة، حيث بعض التجار كانوا يعيشون خارج أسوار المدينة للتخلص من مكوس دخول البضائع إلى داخل مدينة كاث".
ولا تُعرف تفاصيل كثيرة عن حياة البيروني في طفولته، وإن كان لا يختلف في نشأته عن كثير من أطفال المسلمين، حيث يُدفعون إلى من يعلمهم مبادئ القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم، ودراسة شيء من الفقه والحديث وهو ما تستقيم به حياتهم. ويبدو أنه مال منذ وقت مبكر إلى دراسة الرياضيات والفلك والجغرافيا، وشغف بتعلم اللغات، فكان يتقن الفارسية والعربية، والسريانية، واليونانية، وتلقى العلم على يد أبي نصر منصور بن علي بن عراق، أحد أمراء أسرة بني عراق الحاكمة لخوارزم، وكان عالمًا مشهورًا في الرياضيات والفلك.
في طلب العلم
أجبرت الاضطرابات والقلاقل التي نشبت في خوارزم البيروني على مغادرتها إلى "الري" سنة (384هـ= 994م)، وفي أثناء إقامته بها التقى بالعالم الفلكي "الخوجندي" المتوفى سنة (390هـ= 1000م) وأجرى معه بعض الأرصاد والبحوث، ثم عاد إلى بلاده وواصل عمله في إجراء الأرصاد، ثم لم يلبث أن شد الرحال إلى "جُرجان" سنة (388هـ= 998م) والتحق ببلاط السلطان قابوس بن وشمكير، الملقب بشمس المعالي، وكان محبًّا للعلم، يحفل بلاطه بجهابذة العلم وأساطين المعرفة، وتزخر مكتبته بنفائس الكتب، وهناك التقى مع "ابن سينا" وناظَرَه، واتصل بالطبيب الفلكي المشهور أبي سهل عيسي بن يحيى المسيحي، وتتلمذ على يديه، وشاركه في بحوثه.
وفي أثناء إقامته بكنف السلطان قابوس بن وشمكير أنجز أول مؤلفاته الكبرى "الآثار الباقية من القرون الخالية"، وهو كتاب في التاريخ العام يتناول التواريخ والتقويم التي كانت تستخدمها العرب قبل الإسلام واليهود والروم والهنود، ويبين تواريخ الملوك من عهد آدم حتى وقته، وفيه جداول تفصيلية للأشهر الفارسية والعبرية والرومية والهندية، ويبين كيفية استخراج التواريخ بعضها من بعض.
وظل البيروني في جرجان محل تقدير وإجلال حتى أطاحت ثورة غاشمة ببلاط السلطان قابوس سنة (400 هـ= 1009م) فرجع إلى وطنه بعد غياب، واستقر في مدينة "جرجانية" التي أصبحت عاصمة للدولة الخوارزمية، والتحق بمجلس العلوم الذي أقامه أمير خوارزم مأمون بن مأمون. وكان يزامله في هذا المجمع العلمي الرئيس ابن سينا، والمؤرخ والفيلسوف ابن مسكويه.
عرف أمير خوارزم قدر البيروني فأحله منزلة عالية، واتخذه مستشارًا له، وأسكنه معه في قصره، وظل في معيته سبع سنوات، واصَلَ في أثنائها بحوثه في الفلك حتى استولى السلطان محمود الغزنوني على خوارزم وضمها إلى مُلكه، فانتقل إلى بلاطه، ورحل معه إلى بلاده سنة (407هـ= 1016م).
في بلاط الغزنويين
عاش البيروني في "غزنة" (كابول الآن) مشتغلا بالفلك وغيره من العلوم، ورافق السلطان محمود الغزنوي في فتوحاته الظافرة في بلاد الهند، وقد هيأ له ذلك أن يحيط بعلوم الهند، حيث عكف على دراسة لغتها، واختلط مع علمائها، ووقف على ما عندهم من العلم والمعرفة، واطلع على كتبهم في العلوم والرياضيات، ودرس جغرافية الهند من سهول ووديان وجبال وغيرها، إضافة إلى عاداتها وتقاليدها ومعتقداتها المختلفة، ودوّن ذلك كله في كتابه الكبير "تحقيق لما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة".
وبعد تولي السلطان مسعود بن محمود الغزنوي الحكم خلفًا لأبيه سنة (421هـ= 1030م)، قرب إليه البيروني، وألحقه بمعيته، وأحاطه بما يستحق من مكانة وتقدير، حتى إنه عندما كتب موسوعته النفيسة في علم الفلك أطلق عليها "القانون المسعودي في الحياة والنجوم" وأهداها إلى السلطان مسعود الذي أحسن مكافأته، فبعث إليه بحمل فيلٍ من القطع الفضية، غير أن البيروني اعتذر عن قبول الهدية؛ لأنه يعمل دون انتظار أجر أو مكافأة، وظل البيروني بعد رجوعه من الهند مقيمًا في غزنة منقطعًا إلى البحث والدرس حتى توفاه الله.
القانون المسعودي
إحدى صفحات مخطوطة كتاب القانون المسعودي
ويعد كتاب القانون المسعودي أهم مؤلفات البيروني في علم الفلك والجغرافيا والهندسة، وهو يحتوي على إحدى عشرة مقالة، كل منها مقسم إلى أبواب. وفي المقالة الرابعة من الكتاب جمع النتائج التي توصَّل إليها علماء الفلك في الهند واليونان والمعاصرون له، ولم يطمئن هو إلى تلك النتائج لاختلافها فيما بينها؛ ولذلك قرر أن يقوم بأرصاده الخاصة بنفسه، ولم يكتف بمرة واحدة بل أربع مرات على فترات متباعدة، بدأها وهو لم يتجاوز الخامسة والعشرين، حيث قرر أن يصنع آلته الخاصة ليرصد بها أعماله الفلكية، وليضع حدا لحيرته من تضارب نتائج علماء الفلك، وقام بتعيين الجهات الأصلية وتحديد الأوقات، ومعرفة فصول السنة، ورصد حركة أوج الشمس، وهو أبعد المواقع السنوية بين الشمس والأرض، وقام بقياس طول السنة على وجه دقيق، ودرس كسوف الشمس وخسوف القمر والفرق بينهما، وفسر أسباب ظهور الفجر قبل شروق الشمس باستنامة الغلاف الجوي، وبالمثل شفق ما بعد الغروب وأوقاتهما، وشرح الأسباب التي تمنع رؤية الهلال حتى مع وجوده في الأفق، وأوضح بالطريق الهندسي الحدود النسبية بين القمر والشمس، والتي عليها تعتمد ظروف رؤية الهلال ما لم تتدخل العوامل الجوية، وأوضح الفرق بين النجوم (الكواكب الثابتة) والكواكب السيارة، وابتكر البيروني الإسطرلاب الأسطواني الذي لم يقتصر على رصد الكواكب والنجوم فقط، بل استُخدم أيضًا في تحديد أبعاد الأجسام البعيدة عن سطح الأرض وارتفاعها. كما اخترع جهازًا خاصًا يبين أوقات الصلاة بكل دقة وإتقان.
إسهاماته الحضارية الأخرى
وتجاوزت بحوث البيروني مجال الفلك إلى مجالات أخرى تشمل الفيزياء والجيولوجيا والتعدين والصيدلة والرياضيات والتاريخ والحضارة.
وتشمل جهوده في الفيزياء بعض الأبحاث في الضوء، وهو يشارك الحسن بن الهيثم في القوال: بأن شعاع النور يأتي من الجسم المرئي إلى العين لا العكس، كما كان معتقدًا من قبل. وورد في بعض مؤلفاته شروح وتطبيقات لبعض الظواهر التي تتعلق بضغط السوائل وتوازنها. وشرح صعود مياه الفوارات والعيون إلى أعلى، وتجمع مياه الآبار بالرشح من الجوانب، حيث يكون مأخذها من المياه القريبة إليها.
وفي مجال التعدين ابتكر البيروني جهازا مخروطيًا لقياس الوزن النوعي للفلزات والأحجار الكريمة، وهو يعد أقدم مقياس لكثافة المعادن، وقد نجح في التوصل إلى الوزن النوعي لثمانية عشر مركبًا.
وفي مجال علم الأرض وضع نظرية لاستخدام امتداد محيط الأرض، وقد أوردها في آخر كتابه "الإسطرلاب". واستعمل معادلة معروفة عند العلماء بقاعدة البيروني لحساب نصف قطر الأرض، وتضمنت بحوثه ومؤلفاته في هذا الميدان نظريات وآراء حول قدم الأرض وعمرها وما اعتراها من ثورات وبراكين وزلازل وعوامل تعرية. وله نظريات حول تكوين القشرة الأرضية، وما طرأ على اليابسة والماء من تطورات خلال الأزمنة الجيولوجية. وله بحوث في حقيقة الحفريات، وكان يرى أنها لكائنات حية عاشت في العصور القديمة. وما توصل إليه في هذا الصدد أقره علماء الجيولوجيا في عصرنا الحالي.
ويقر "سميث" في كتابه "تاريخ الرياضيات" بأن البيروني كان ألمع علماء عصره في الرياضيات، وهو من الذين بحثوا في تقسيم الزاوية إلى ثلاثة أقسام متساوية، وكان ملمًا بحساب المثلثات، وكتبه فيها تدل على أنه عرف قانون تناسب الجيوب، وقد عمل جداول رياضية للجيب والظل.
وفي علم الصيدلة ألف كتابه "الصيدنة في الطب"، وهو يُعد ذخيرةً علمية ومرجعًا وافيًا في مجال الصيدلة، وهو ينقسم إلى قسمين:
أولهما: هو ديباجة في فن الصيدلة والعلاج مع تعريفات وإيضاحات تاريخية مفيدة. وتمثل المقدمة إضافة عظيمة للصيدلة، وتناول في هذا القسم المسئوليات والخطوات التي يجب على الصيدلي أن يلتزم بها.
ثانيهما: للمادة الطبية، فأورد كثيرًا من العقاقير مرتبة حسب حروف المعجم، مع ذكر أسمائها المعروفة بها في اللغات المختلفة، وطبائعها ومواطنها وتخزينها وتأثيراتها وقواها العلاجية وجرعاتها.
وتفوق البيروني في مجال الجغرافيا الفلكية، وله فيها بحوث قيمة وهو يعد من مؤسسي ذلك العلم، ونبغ أيضًا في الجغرافيا الرياضية، وبخاصة تحديد خطوط الطول والعرض ومسافات البلدان، وله فيها عشرة مؤلفات، وجاءت أبحاثه في الجغرافيا الطبيعية على نسق رفيع ومستوى عال من الفهم. وله في فن رسم الخرائط مبتكرات كثيرة، فقام بعمل خريطة مستديرة للعالم في كتابه "التفهيم لأوائل صناعة التنجيم" لبيان موضع البحار، وله أبحاث كثيرة في كيفية نقل صورة الأرض الكروية إلى الورق المسطح، ومن كتبه في هذا الميدان: "تسطيح الصور وتبطيح الكور"، "تحديد المعمورة وتصحيحها في الصورة".
وكان البيروني لا يستبعد نظريًّا احتمال أن يكون النصف الغربي من الكرة الأرضية معمورًا قبل اكتشاف الأمريكتين، وعند وصفه لتضاريس الأرض ومسالك البحار والمحيطات تكلم للمرة الأولى على أنه ليس ما يمنع من اتصال المحيط الهندي بالمحيط الأطلنطي جنوبي القارة الأفريقية على عكس ما كان شائعًا في ذلك الوقت.
كتبه ومؤلفاته
خريطة للعالم كما تصوره البيروني
ولم يكُفَّ هذا العالم لحظة عن البحث والدرس، وأثمرت هذه الحياة العلمية الجادة عما يزيد عن مائة وعشرين مؤلفًا، نقل بعضها إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية واللاتينية، وأخذ عنها الغربيون، واستفادوا منها، ومن هذه المؤلفات غير ما ذكرنا:
- الرسائل المتفرقة في الهيئة، وهي تحتوي على إحدى عشرة رسالة في علوم مختلفة، وقد طبعتها دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن بالهند سنة (1367هـ= 1948م).
- الجماهر في معرفة الجواهر، وهو من أهم مؤلفات البيروني في علوم المعادن، وطبع في حيدر آباد الدكن بالهند (1355هـ=1936م).
- استخراج الأوتار في الدائرة بخواص الخط المنحني فيها، وطبع أيضًا بالهند.
- جوامع الموجود لخواطر الهنود في حساب التنجيم.
-تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن، وطبع محققًا بعناية المستشرق الروسي بولجاكوف، ونشره معهد المخطوطات العربية سنة 1962م.
-في تهذيب الأقوال في تصحيح العرض والأطوال.
وإلى جانب التأليف نقل البيروني اثنين وعشرين كتابًا من تراث الهند العلمي إلى اللغة العربية، وترجم بعض المؤلفات الرياضية من التراث اليوناني مثل كتاب أصول إقليدس، وكتاب المجسطي لبطليموس.
أيامه الأخيرة
وظل البيروني حتى آخر حياته شغوفًا بالعلم مقبلا عليه، متفانيًا في طلبه. ويروي المؤرخ الكبير ياقوت الحموي في كتابه معجم الأدباء ما يغني عن الكلام في مدى تعلق البيروني بمسائل العلم حتى الرمق الأخير، فيقول على لسان القاضي علي بن عيسي، قال: "دخلت على أبي الريحان وهو يجود بنفسه قد حَشْرَج نفسُه، وضاق به صدره، فقال لي وهو في تلك الحال: كيف قلت لي يومًا حساب المجدَّات الفاسدة (من مسائل المواريث) فقلت له إشفاقًا عليه: أفي هذه الحالة! قال لي: يا هذا أودّع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة، ألا يكون خيرًا من أن أخلّيها وأنا جاهل لها؛ فأعدت ذلك عليه، وحفظه… وخرجت من عنده وأنا في الطريق سمعت الصراخ…"، وكان ذلك في غزنة في (3 من رجب 440هـ= 12 من ديسمبر 1048م).
من مصادر الدراسة:
ياقوت الحموي: معجم الأدباء ـ دار الفكر ـ بيروت ـ 1400هـ= 1980م
علي أحمد الشحات: أبو الريحان البيروني ـ دار المعارف ـ القاهرة ـ 1968م.
محمد جمال الغندي وإمام إبراهيم أحمد: أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني ـ دار الكتاب العربي للطباعة والنشر ـ القاهرة ـ 1968م.
قدري حافظ طوقان: تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك ـ دار القلم ـ القاهرة ـ 1382هـ= 1963م.
محمد كامل حسين وآخرون: الموجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب ـ المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ـ جامعة الدول العربية ـ بدون تاريخ
أبو الريحان البيروني
كان البيروني عالمًا فذا، متعدد الجوانب، غزير الإنتاج، عظيم الموهبة...
لـدكتور:-لطفي الشربيني
التدخين أسوأ اختراع عرفه العالم
وضعته بمناسبة قدوم الشهر الفضيل والتى هي من انسب الاوقات للتفكير الجدي في الاقلاع عن التدخين...
عافاكم
واليكم كلام الدكتور لطفي الشربيني الذي يقول:-
هناك رأي يقول أن السيجارة هي أسوأ اختراع عرفه العالم !! وأنا على يقين ان هذا الكلام له ما يؤيده من واقع الأرقام التي وردت عن منظمة الصحة العالمية والتي تؤكد أن التدخين يتسبب في ضحايا يفوق عددها ضحايا كل المخدرات الأخرى مجتمعة 0
حقائق وأرقام :
تؤكد الأرقام أن ضحايا التدخين تبلغ 3 ملايين إنسان يلقون حتفهم بسبب الأمراض التي يسببها دخان السيجارة الذي يحتوي على 4000 مركب ضار بالصحة أهمها النيكوتين والقطران وأول أكسيد للكربون ، ويعني ذلك أن شخصا يودع الحياة كل 10 ثوان بسبب التدخين ، لكن أحدا لا ينتبه الى خطورة التدخين لانه قاتل بطئ بينما الأنواع الأخرى من المخدرات كالهيروين مثلا تتسبب في تدهور سريع وترتبط في الأذهان بالإدمان الذي يؤدي الى أثار ضارة واضحة ، وذلك بالرغم من أن ضحايا هذه الأنواع من السموم البيضاء أقل بكثير من ضحايا التدخين كما تذكر الأرقام التقريبية 00 ونقول ان كل الأرقام الخاصة بضحايا المخدرات وحجم مشكلة الادمان هي انطباعات تقريبية وليست إحصاءات موثوقة 00 فكل شيء يتم في الخفاء ولا يمكن الوصول الى أرقام دقيقة عن المخدرات في أي بلد في العالم 0 وهناك حقيقة يتفق عليها الخبراء وهي" كل مدمن مدخن" أي أن الشخص الذي يتجه الى إدمان أي نوع من المخدرات الأخرى ، ولهذا فان حملات مكافحة المخدرات لا يمكن أن تحقق نتائجها الا إذا كانت مرتبطة بمكافحة التدخين وهو الباب الذي يعبر منه الشخص مبكرا الى عالم الادمان0
التدخين 00 الادمان 00 المرض النفسي:
هناك ارتباط وثيق بين التدخين الذي يعتبر حاليا من منظور الطب النفسي إحدى حالات الادمان وبين إدمان المواد الأخرى كما أن التدخين والإدمان يرتبطان بالاضطرابات النفسية ، وهذا ما نجد أننا بحكم علمنا في مجال الطب النفسي – علينا مسئولية توضيح هذه الجوانب التي تلقي الضوء على مشكلات متشعبة 00
وهنا نعرض بعض النقاط :-
تأثير مادة النيكوتين في دخان السيجارة على الجهاز العصبي يشبه عمل العقاقير المنبهة ، ويحدث زيادة في تركيز النيكوتين في الدم ليصل الى مراكز المخ في خلال 20 ثانية من استنشاق دخان السيجارة ويتسبب التدخين في اضطرابات التركيز وضعف السيطرة على بعض الوظائف العصبية 0
الاشخاص المضطربون انفعاليا يتجهون الى التدخين بصورة أكبر من غيرهم ، وفي دراسة على المرضى النفسيين أجريتها مؤخرا في الإسكندرية تبين أن نسبة المدخنين منهم 70 % بينما لا تزيد النسبة في غيرهم عن 36% مما يعني اتجاه المريض المضطرب الى الإفراط في التدخين بحثا عن تهدئة انفعالاته بطريقة غير سليمة 0
استعمال المخدرات المختلفة وأهمها الكحول ثم الحشيش وبعد ذلك مشتقات الأفيون والأدوية المهدئة يحدث بصورة كبيرة في الأشخاص الذين يعانون من أمراض نفسية ويكون الدافع هو البحث عن علاج للقلق والتوتر ثم يتحول الى إدمان لهذه المواد مما يضيف مشكلة جديدة الى حالة المريض النفسية 00 ونلاحظ هنا أننا نذكر في البداية مصطلح " استعمال" ثم ينتهي الأمر الى " إدمان"
قد يسير " السيناريو" بصورة عكسية فتكون البداية هي استعمال بعض المواد المخدرة أو الكحول 00 ثم يعقب ذلك ظهور أعراض نفسية تستمر حتى لو امتنع عن تناول المادة التي أدت الى اضطراب وظيفية الجهاز العصبي والمرض النفسي0
ماذا يتعاطي هؤلاء :-ولماذا ؟
في دراستي لظاهرة التدخين والإدمان في المرضى النفسيين ومقارنتهم بغيرهم من الأشخاص الذين لا يعانون من المرض النفسي كان التدخين في المقدمة ونسبة المدخنين في المرضى النفسيين تساوي ضعف نسبتهم في الآخرين ، وتفسير ذلك أن تدخين السجائر رغم أنه أحد أنواع كما تذكر المراجع النفسية لا يزال من العادات المقبولة وليس محظورا ، أما بالنسبة للكحول فان نسبة التعاطي في المرضى النفسيين تزيد 5 مرات عن غيرهم ،وبعده يأتي الحشيش والبانجو بنسبة 8 أضعاف في المرضى النفسيين أكثر من الآخرين ونسبة أخرى تستعمل مواد الادمان كعلاج لما يعانون من قلق وتوتر حين يتعرضون لمشكلات الحياة ، وقد تبين من تحليل مرضى العيادة النفسية أن أصحاب الشخصية المضطربة الذين يميلون الى الخروج على القواعد الاجتماعية ونطلق عليهم الشخصية المضادة للمجتمع هم أكثر الفئات استعمالا للمخدرات بجانب سلوكهم غير السوي ن وذلك بعض مرضى الفصام والقلق والاكتئاب الذين يبحثون عن العلاج لحالتهم في هذه المواد المخدرة 0
زملائي الأطباء 0 لماذا التدخين؟؟؟
لعل من أسوا المؤشرات بالنسبة لعادة التدخين انتشار هذه الظاهرة في أوساط الأطباء ، ولا شك ان نسبة عالية تم تقديرها بأكثر من 50% من الأطباء واكثر من 35% من الطبيبات يدخنون السجائر ، وهذه النسبة تدعو الى القلق حيث ان الأطباء يفترض أنهم نموذج يحتذي بالنسبة لمرضاهم ، كما أن صورة الطبيب الذي يضع في فمه سيجارة داخل عيادة أو مكان عمله هي صورة مؤسفة اختفت تقريبا من كل المستشفيات والعيادات والمراكز الطبية في الدول وكثير من الدول الأخرى في وقتنا الحالي ولم تعد السيجارة أو البايب أو السيجارة من مظاهر الفخامة والمظهرية التي ترتبط بالشخصية القوية الجذابة بقدر ما ترتبط في الوقت الحالي بانطباعات سيئة لدى الجميع أذن لماذا التدخين يا زملائي الأطباء؟؟ أنني أتوجه بنداء الى الزملاء الأطباء في كل مكان بالتوقف فورا عن الظهور أمام مرضاهم وفي ذلك جزء من رسالتهم ومسئوليتهم التي يحاسبوا أنفسهم عليها ولا ينتظروا من أي مصدر آخر أن يلفت نظرهم الى ضرورة التوقف عن التدخين فورا 00 أتمنى أن يكون الأطباء في مقدمة الفئات التي يعرف الجميع أنهم ليس بينهم من يدخن نهائيا ولنا أن نتوقع ما سوف يكون لذلك من تأثير إيجابي على فئات المجتمع الأخرى 0
الحل 00 بالوقاية قبل العلاج :
ليس من عادتي أن أبدا بالتشاؤم في مواجهة أية مشكلة لكن علاج مشكلة استعمال وإدمان التدخين والمخدرات وآثارها النفسية والاجتماعية هو أمر يدعو الى الإحباط ولا يدفع الى التفاؤل ومن خلال الأرقام فان نسبة الذين ينجح العلاج في إنقاذهم من دائرة إدمان المخدرات المختلفة لا تزال متواضعة ولا تزيد على 10 – 20 % من مجموع الحالات بينما يستمر 80-90- في الدوران في فلك هذه المشكلة رغم العلاج لكن الأمل معقود على جهود الوقاية التي يمكن أن تكون أكثر فعالية في منع المشكلة قبل وقوعها 0 ورغم أن الحرج وشدة الجفاء تحول دون الحصول على أية معلومات دقيقة 00 رغم ذلك فان جهود الوقاية يمكن أن تبدا مباشرة دون تأخير ووسائل الأعلام والتوعية الدينية مع الاهتمام بالشباب والمراهقين من صغار السن وتقديم القدوة الجيدة وشغل أوقات الفراغ في أنشطة مفيدة لمحاصرة فرص الانحراف 0 وأخيرا نطرح في نهاية هذا العرض لبعض جوانب مشكلة التدخين السؤال التالي :- هل هناك أمل في يوم تشرق الشمس فيه على عالم خال من الدخان وأنواع المخدرات الأخرى؟؟؟ والإجابة هي أننا نتمنى أن يحدث ذلك في المستقبل القريب جدا وقبل أن يتسبب التدخين والإدمان في مزيد من الضحايا 00