حطت العيون على الأوراق وكان كبيرهم يشير بإصبعه ويشرح .
هذا الطريق هو الأقرب والآمن .المدخل الرئيسي من هنا .
رجال الأمن في الملابس المدنية ينتشرون هنا.كل التفاصيل في هذا المظروف المغلق يكون من نصيب الفائز بالقرعة .جمع كبيرهم الأوراق ووضع المصحف .قسم الشهادة، ثم نجري القرعة .بادر قاف انه سيقوم بالعملية فلا داعي للقرعه .ولا حقه دال أن العملية مرسومة على إمكانياته هو وكان بدينا وجميلا .بدا كبيرهم غير عابئ بالكلام وظلت ملامحه متصلبة باتجاه القرعة .وكان نون منكس الرأس يفكر فماذا لو اختارته القرعة؟ فقط هذه المرة، وبعدها يكون مستعدا. كان دائما مستعدا، كان متلهفا وتجاهلته القرعة كثيرا .! أعطت نفسها لغيره في كل مره وهبته الشهادة، وضنت عليه هو !. الإحساس ينبض متدافعا بداخله . هذه المرة ستعطيه نفسها وعن طيب خاطر .بالتأكيد ستعطيه !. ماذا يفعل لو صدق الإحساس لو أعطته نفسها بالفعل ؟؟ هل يتراجع ..فيلطخ نفسه بعار ابدي !؟ مدوا الأيدي واقسموا انهم جاهزون للشهادة .ثم راح كبيرهم يقلب الأوراق مرات ويطلب من الطفل آن يمد يده . التقطت ألف الصغيرة إحدى الأوراق .بدت ورقته هو ..مكتوب بداخلها اسمه هو، نون، واسم أبيه، وعائلته، وقبيلته، وبلدته، وعروبته . ماذا يفعل لو حدث .؟ اخذ كبيرهم الورقة يفضها في هدوء ..وهم يرقبون نظر في الورقة ..ثم تطلع إلى نون بكل الحماس .مبروك ..وهبتك نفسها. صاحوا جميعا وحاصروه يعانقون ويهنؤن ويستبشرون بلقاء الجنة ...بعد آن انفضوا من حوله أحس بالجوع يهرس معدته. عند ركن الطعام وقف جامدا بثقله الإحساس الامتلاء وتسرب الشهية.!تراجع متخاذلا. يشتهي أن يدخن سيجاره. لأول مره يشتهي أن يدخن .! لم يدخن من قبل ولم يعرف طعم الدخان .! مد يده واخرج واحدة من العلبة .لن تضره كثيرا .! نظر إلى المظروف هناك.. ثم إلى ساعته..تشمم السيجارة فماعت نفسه .! اصبح محرما عليه أن يخرج عن المكان، أن يتصل بمخلوق، أن يتصرف في نفسه بأي شكل، منذ أن أصابته القرعة .!اصبح كل المطلوب منه أن ينام ويستريح لمدة ساعة، ثم يقوم ويفتح المظروف ثم يصلي ركعتين ثم يترك وصيته ويذهب لينفذ !!.تمدد على الفراش .. في ضباب الرؤية كانت تقترب، وتدانيه بالوجه الجميل .. تحن وتتلمس غشاء القلب ببكارة الأمل.. ويبدو وجه أمه فائرا بالسعادة .ألم أعدك بهدية العمر يا نون ؟ عروسك يا بني ..وانتم أطفال انتقيتها لك ..شوق ابنة خالك. واين اخفيتها كل هذا الزمان يا أمي؟؟وتنكمش السعاده عن وجه امه..! ابوها هاجر إلى العالم الخارجي ليدافع عن القضية ...وعندما أكلته الغربة وطالت القضية عاد بالبنت والولد.ياخذ وجه امه في أحضانه... ليتني ما رايتها يا أمي.. حرام أن تكون الرؤية الاولى هي ألا خيره..!...يتسمع صوت امه في الفراغ البارد..من منا يعرف الاولى من ألا خيره يا نون ومن عاد يفرق بين الخرائب والحدائق ولا بين نهر الماء ونهر الدماء!؟ ويتسمع صدى الاصوات برشقه من كل جانب..دانه دانه الدبابه رشاش الاباتشي انهيار السواتر من جذورها انفجار الشظايا في رعب اللحم والعظم والنخاع.! انتبه مفزوعا وعينه على الساعه..خمس دقائق مرت..تطلع إلى المظروف هناك. شاغله دخان يتصاعد من بعيد فأطل من الشباك..وجائته نسمه هواء لها رائحة لها رائحة القهر وتارجح الفرع الاخضر وسقط عن الشجرة المتفحمة.! بلل اصبعه وشرعه ليتاكد أن النسمة تاتي من بحري..ملا رئتيه يتشربها في عمق لها طعم امه ورائحتها مرت على اطلال البيت هناك بالتاكيد تسربت بين الاطلال والحفر والجثث والدماء. بالتاكيد اسبلت العيون وزمت الافواه ولحدت الابدان...اه لو انهم اعطوه الفرصة ليتاكد..! ولكن يتاكد من ماذا ؟؟ لا أمل واحد في المليون أن تكون حية أن تكون شوق ما زالت حية...رآها بعينه تطير في دفاقات الدخان والانفجار وبدا وجهها يفترش صدر السماء صارخا ممرورا..ثقل راسه على اكتافه فتحرك وعينه على المظروف.
تخيل نفسه قطعا ملتهبة تتطاير تلاحق وجه شوق في الفضاء اللانهائي متوسلة بطلب الغفران..! لم يكن يريد أن يطاوع امه..قرر أن يقطع زياراته الاسبوعيه لها. خاف أن يقع بكلمه عفوية فتعرف انه نال الشرف الاعظم أن ابنها اصبح بالفعل احدى طلقات المدفع الكبير.. هي لا تعترض أو تمانع ولكنه خاف على قلب الأم من رعب الانتظار... من التوجس الصامت حتى يسقط عليها الخبر المفاجئ..1ولكنها الحت عليه هذه المرة وتوسلت فلم يستطع أن يقاوم..وهناك عندها عرف الالحاح وعرف أن قلبه ينخطف منه لأول مره وهو يرى وجه شوق..
...فض المظروف وقرا..ثم قرا..ثم أشعل فيه النار..دارت عيناه في المكان..بدتا مقهورتين..حتى رائحة الطين يحبها كل الاشياء ستظل كما هي برائحتها وهيئتها وجوها في الغد وبعد الغد..أما هو..الكائن البشري نون فلن يكون هنا..!لا يعرف اين سيكون ولكن بالتاكيد ليس هنا..سيكون هناك..!سياخذ معه العشرات من اعداء البشرية يتمنى أن يكونوا المئات منهم أو الالاف..هل يراهم وهم يتطاير ون معه؟؟ هل يذهبون إلى نفس الهناك الذي يذهب إليه؟؟....توضأ وبدا يصلي ركعتين..وكان راسه يضغط على الارض فتميد به رخوة هينة.
اللهم اعني على محنتي. اللهم اجعلني الضربة الموجعة لأعدائك..1 وكانت الشمس تغرب عن طرف النافذة وتسحب ظلالها عليه وهو ساجد في خشوع. وحط عليه طيف امه حين راح يدفعه خارج البيت وملا أذنيه صوتها يحثه على الانطلاق وصوت المعدات المسعورة تتكالب على المكان وظل طيف شوق متعلقا به..حائرا..مرعوبا..!
ليته ما ترك بيت امه ليته ما تركهما..! رفع راسه على صوت اطفال يجرون ويقذفون بالحجارة هناك عند مدخل المنطقة. لو انه تردد لحظه ليطمئن عليهما لاصطادته بالتاكيد طلقه محكمة. مجرد نظرة اختطفها وهو يجري راى امه تفر للداخل وشوق تتطاير في عاصفة الدخان والتراب..!
...امسك القلم وكتب..بسم الله الرحمن الرحيم..أموت لأني لم استطع أن أعيش فلعلي افعل شيئا يستحق لأهلي ولبلدي ..كنت أريد أن أرى اولادي..وان ازرع اشجاري..أن اطمئن على أمي وعلى شوق..ولكن الأمر افلت من يدي..! الكلام كثير عندي..ولكن الفعل فرض احقيته..اللهم تقبلني في رحاب رحمتك..ووضع اسمه وتوقيعه.. نظر قاف ودال إلى نون في اعجاب..واثنيا على المرأة التي كانت تقوم بعملها فيه فقد تحول إلى انثى رائعة الجمال..وبعد أن جمعت اشيائها وخرجت قال دال مغازلا نون انه ظن أن امكانياته الجسدية والجمالية يمكن أن تكتسح... ولكن امام هذا الجمال الساحر فهو ينسحب صاغرا..! بدا وجه نون رائع الاغراء وإن لم تتوار في العيون اطياف القهر الدفين..! رفع قاف اطراف الثوب الفضفاض وراح يلف شرائط المتفجرات حول الساقين من أعلى بينما يردد مناوشا وعينه تمتص منابع الدمعة الكاوية فيها..
- جمال رباني والله..نكس دال عينيه ليتجنب تساؤلات نون المتوجسة.. فما عنده من أخبار الأم وابنة الخال لا تريج نون أو تخفف عنه..بدا وجه الساعة يمتد امامهم قلقا على حلول الموعد.
تبادلوا نظرة حرجة...ثم تداخل ثلاثتهم في حضن وداع راجف..!قفزا نون وقاف إلى الموتوسيكل وطارا..كانت نون تحتضن ظهر قاف وتلوذ به القلب في القلب والدقات متوحدة وثقيلة. بدت عيون متوارية هناك ترصد وتحمس وتدعو. تطاير الهواء بصوت قاف وهو يلوي عنقه للخلف
-سانتظر لأرى ما يحدث
لاحقته نون محذره..-لا ابتعد بسرعة..
عبر الموتسيكل منطقة الدمار ودخل إلى عالم الحدائق والمباني والديكور...أحس نون باواخر الانفاس تنسلخ عن صدره وباواخر المرئيات تفر على عينيه في شريط كابوسي... فتميعت في عينيه قبل أن تصل إلى قلبه...
-أنا خائف يا قاف....واعتصر قلبه التشوق لان يرى امه.. يرى اخر كلمة تجمدت بين شفتيها وهي تسلم الروح... هل يقفز ويطير إليها؟؟ مجرد جزء من لحظة يكفيه معها..وفي حضنها... اه يا أمي....! عند المنعطف الاخير نزلت نون وجرت وهي تصرخ وتتوعد....كان الموتسيكل يطاردها عند مدخل قاعة الاحتفالات جرى الرجال متحفزين شاهرين الاسلحة..صاحت نون والدم الدم المزيف الذي سكبته للتو يلطخ ذراعها
-الارهابي... طعنني وجرى... امسكوه.. الحقوا به..
انطلق البعض مذعورا وراء الموتسيكل وحمل البعض نون إلى المدخل لاسعافها وكانت تصرخ متوجعة ونظرات الفضول والاستطلاع تتجمع من حولها محاولة أن ترى.انتفضت نون وجذبت الباروكة عن راسها وصرخ الصوت الرجولي الراعد وانكشفت الساقان عن كتل المتفجرات..ويتجمد الزمن في المكان..وتنفرج الافواه..وتشخص العيون..وتهوى القلوب للاقدام..ويستقر الرعب في الملامح..متطلعا لطائر الموت..!
ضغط نون على المفجر تحت ابطه وعلى شفتيه ابتسامه تتسع وتملا الفضاء....
(الموضوع منقول بتصرف)
momo @momo_2
عضوة جديدة
يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.
ضغط نون على المفجر تحت ابطه وعلى شفتيه ابتسامه تتسع وتملا الفضاء....
*******************
مشاهد حيه نسمع عنها
لكن ليس في ايدينا غير الدعاء
جزاك الله خير
اختك
برينسيسه
*******************
مشاهد حيه نسمع عنها
لكن ليس في ايدينا غير الدعاء
جزاك الله خير
اختك
برينسيسه
momo
•
الاخت الغاليه بحور217
الحياة دقائق وثواني...هناك من سخرهافي طاعةالله... وغيره اضاعها في التفاهات ...........
الشكر الجزيل لكلماتك الرقيقه..
غاليتي برنسيسه...... الدعاء هو مخ العبادة وكم من دعوة صادقة دفع الله بها كثير من البلاء.......
ودمتي....
الحياة دقائق وثواني...هناك من سخرهافي طاعةالله... وغيره اضاعها في التفاهات ...........
الشكر الجزيل لكلماتك الرقيقه..
غاليتي برنسيسه...... الدعاء هو مخ العبادة وكم من دعوة صادقة دفع الله بها كثير من البلاء.......
ودمتي....
الصفحة الأخيرة
شعرت بأن الحياة تضيع منا في السخافات ..
وشعرت بإجلال لا مثيل له لأؤلئك الذين عرفوا معنى الحياة ..
نسأل الله أن يخلص نياتهم لتكون كلمة الله هي العليا ..
جزاك الله خيرا ومرحبا بقلمك معنا .