Elektra_07

Elektra_07 @elektra_07

عضوة نشيطة

متاهة الاحلام

الأدب النبطي والفصيح

قررت التجول في غياهب هذا الكيان الغامض. أسرعت خطواتها بخفة.
وجدت عند الباب ضفدعًا كبيرا  يلبس بدلة صفراء ويجلس على كرسي خشبي، ممسكًا أرجيلة بيده يلتهم أنفاسها بشراهة.
اقتربت منه بدهشة، غير مصدقة ما تراه. قربت وجهها منه وقالت:
"أنت الضفدع المشهور إذن؟ كل أقاربي أخبروني عنك."
حوّل الضفدع نظره إليها ونفخ دخانه في وجهها. سعلت مبتعدة، ممتعضةً من وقاحته.
ثم دخلت الردهة واتجهت إلى الغرفة القريبة منها.
وجدت نفسها محاطة بمرايا عديدة، كلها موجهة نحوها بتركيز. سمعت صوتًا يستنجد بها.

اقتربت ببطء، فوجدت طائرًا صغيرًا مكبلًا بخيط أصفر غليظ. قال لها مجددًا:"حرريني أرجوك، أطلقي سراحي من هذا السجن."
همّت لنجدته، وبحثت عن شيء تقطع به الحبل. وجدت لحظة إدراك حادة ملقاة في زاوية الغرفة. التقطتها بسرعة وانحنت على الحبل تقطعه بهمة.
كشرت المرايا عن أنيابها وزمجرت بغضب:"لا تقطعي حبل أفكارنا… دعينا متمسكين به!"صرخ التخاطر:
"هيا أسرعي! أنقذيني منه… ألقِ بي إلى المجهول!"اضطربت يداها، لكنها واصلت العمل بجد. لحظات، وانقطع الحبل. طار التخاطر وابتلعه المجهول.
ولولت المرايا، وعلت أصوات بكائها، وامتلأت الغرفة بالدموع. لم تجد مكانًا تقف فيه، فتقدم منها النحيب، وفتح الباب بعنف، وأشار لها بالخروج.
كشرت في وجهه وخرجت مسرعة.انتقلت خطاها في الردهة الواسعة، وجذبها ضوء يشع من غرفة منزوية. دفعت الباب الموارب وانبهرت بالأضواء المشتعلة، وكأنها وسط البياض.
فجأة سمعت صوتًا قادمًا نحوها:"تفضلي بالدخول أيتها الغريبة… أم تفضلين البقاء هناك؟"
وجدت أمامها شخصًا رشيقًا يرتدي توكسيدو أسود. أغلق أزرار قميصه من الأعلى وغفل عن الباقي. رفع رجل البنطال إلى ركبته وترك الأخرى نازلة. سرّح جانبًا من شعره وترك الآخر مبعثرًا. بعد تدقيق النظر بدا لها أنيقًا بشكل فوضوي.
بادلها نظرات متفحصة وقال:"هل تفضلين الشاي أم أن القهوة مزاجك؟"ما زالت تستوعب كلماته قبل أن ينطلق ثانية:"هل أعجبتك الغرفة؟ أم ربما من الأفضل تغييرها؟"

"هل تودين الجلوس؟ أم تفضلين الوقوف هناك؟"
"ألن تقولي شيئًا؟ أم تفضلين السكوت؟"
"ما رأيك لو نشاهد فيلمًا؟ أم نخرج للتسوق؟ ربما الطقس جيد بالخارج…"

"أتساءل متى تتوقف هذه الأمطار عن النزول… لم أتناول الطعام اليوم… لا أعرف ماذا يجب علي أن أفعل الآن…"

"ما رأيك لو نغسل أفكارنا المتسخة؟ ماذا لو نحارب المجهول؟ هل أرتدي قبعة أم أبقى حافيًا؟"

اندفع سيل الأسئلة من فمه، وكأن عقله يركض بلا توقف، بينما كان مسمرًا نظراته على الجدار المقابل له. كان الجدار يتفاعل مع أسئلته، يغير لونه مع كل نبرة ومع كل سؤال.
تراجعت بهدوء. لاحظها قائلًا:"انتظري… أم ستذهبين؟ هل شعرتِ بالملل؟ هل أنا ممل؟ هل كان من المناسب قول ذلك؟ أم كان عليّ قول شيء آخر؟"

انسلت من الغرفة، متنفسةً بعمق. أربكها ذلك الرجل المتأنق على نحوٍ غريب.
وقفت في الممر تتطلع أي طريق تسلك. تعلّق بقدميها شيء ما. انحنت لتراه. إنها فتاة صغيرة متشبثة بها.
من أين أتت هذه الآن؟
حملتها بين يديها وربتت على رأسها. صفعتها الصغيرة قائلة:"أنزليني!"أنزلتها وهي تفرك وجنتها. لِمَ يبدو الأطفال عدوانيين فجأة؟

قالت الصغيرة:"أريد لعبتي."

تساءلت جودي:"أين لعبتك يا صغيرة؟"

"أريد لعبتي."

رفعت كتفيها باستسلام و أمسكت يد الصغيرة وأخذت تتحسس خطواتها وسط هذه المتاهة المظلمة. كانت تخاف العتمة، لكن هذه الصغيرة ما زالت مصرة:"أريد لعبتي."واصلتا سيرهما دون وجهة محددة. تارةً تتعثران بخيبة مكومة وسط الممر، وتارةً أخرى بمشكلة تتسول على الحافة.

حتى وجدتا نفسيهما أمام باب في آخر الردهة. فتحته لتجد هوة سحيقة عميقة، ذات وجه مبتسم بمودة.
تسمرت جودي مكانها. الخوف كبّلها من رأسها حتى قدميها. قلبها يدق بعنف.

فتحت الهوة فمها مبتسمة. تراجعت جودي بذعر. لكن يدًا صغيرة قوية دفعتها بخفة.

تهاوت جودي وسط الهاوية، وشعرت وكأن الأرض سُحبت من تحت روحها. صرخت بقوة، ومدّت يديها يمينًا ويسارًا تبحث عن أي شيء تتشبث به، لكن الهوة كانت ملساء تمامًا.

وقفت الصغيرة تراقبها مبتسمة.اقتربت دجاجة ضخمة من الصغيرة.
عانقتها الصغيرة بفرح صارخة:"لعبتييييي!"صعدت على ظهر الدجاجة التي رفرفت بجناحيها وطارت مع قطيعها محلقة في الفراغ.
راقبت جودي المشهد وهي مستمرة في السقوط.
ارتفع صوت الهوة المرحة بالغناء:"مرفرف الخيال تراه يهوى جمالي… تراه، تراه، تراه."

استمر سقوطها الحر طويلًا، حتى اختفى صوت الغناء من مسامعها تدريجيًا.

فتحت عينيها بحذر، لتجد نفسها جالسة في صحراء شاسعة، على مقعد صغير إلى طاولة جميلة، أرجلها قصيرة.
مقابلة لها، صديقتها متكئة على قطتها، محاطة بضحكاتها. انتبهت لوجودها وسألتها:"أين اختفيت فجأة دون أن تخبريني؟ ألا تتركي عن هذه العادة الحميدة؟"
استنشقت جودي هواء الصحراء المنعش وابتسمت لرؤيتها

اقتربت منها القطة وقالت برفق:"ماذا تشربين؟"أجابت جودي بهدوء:"بعضًا من الوقت، لو سمحتِ."


بقلمي
5
166

يلزم عليك تسجيل الدخول أولًا لكتابة تعليق.

تسجيل دخول

farah
farah
سلمت يمناك قصة جميلة وممتعة انصحك بطبع قصصك انتي كاتبة رائعة🌺🌺🌺🌺
فيضٌ وعِطرْ
فيضٌ وعِطرْ
المحامية نون
المحامية نون
سطور جميلة من خيال واسع
ذكرتني بأليس في بلاد العجائب
قلم مميز بارك الله فيك.
هنادي
هنادي
جميل
فيضٌ وعِطرْ
فيضٌ وعِطرْ
سرد رائع ياغالية
وقلم متمكن
وخيال خصيب
اعتقد أنك نشرت ماتكتبين
فلا يخفى أسلوبك ومهارة قلمك
زادك الله ألقاً 💐💟💐.