ام القلب الخير
ام القلب الخير
يالؤلؤة السماء وبالشفا العاجل ودعواتنا لك من قلوبنا في هاذه الجمعة المباركة
ام القلب الخير
بسم الله الرحمن الرحيم

السر الذي فيه الشفاء التام والدواء النافع

للإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله

فَاتِحَةُ الْكِتاب: وأُمُّ القرآن، والسبعُ المثاني، والشفاءُ التام، والدواءُ النافع، والرُّقيةُ التامة، ومفتاح الغِنَى والفلاح، وحافظةُ القوة، ودافعةُ الهم والغم والخوف والحزن لمن عرف مقدارَها وأعطاها حقَّها، وأحسنَ تنزيلها على دائه، وعَرَفَ وجهَ الاستشفاء والتداوي بها، والسرَّ الذي لأجله كانت كذلك.

ولما وقع بعضُ الصحابة على ذلك، رقى بها اللَّديغ، فبرأ لوقته. فقال له النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « وما أدراك أنَّها رُقْيَة ».

ومَن ساعده التوفيق، وأُعين بنور البصيرة حتى وقف على أسرارِ هذه السورة، وما اشتملت عليه مِنَ التوحيد، ومعرفةِ الذات والأسماء والصفات والأفعال، وإثباتِ الشرع والقَدَر والمعاد، وتجريدِ توحيد الربوبية والإلهية، وكمال التوكل والتفويض إلى مَن له الأمر كُلُّه، وله الحمدُ كُلُّه، وبيده الخيرُ كُلُّه، وإليه يرجع الأمرُ كُلُّه، والافتقار إليه في طلب الهداية التي هي أصلُ سعادة الدارين، وعَلِمَ ارتباطَ معانيها بجلب مصالحهما، ودفع مفاسدهما، وأنَّ العاقبةَ المطلقة التامة، والنعمةَ الكاملة مَنوطةٌ بها، موقوفةٌ على التحقق بها، أغنته عن كثير من الأدوية والرُّقى، واستفتح بها من الخير أبوابه، ودفع بها من الشر أسبابَه.

وهذا أمرٌ يحتاجُ استحداثَ فِطرةٍ أُخرى، وعقلٍ آخر، وإيمانٍ آخر، وتاللهِ لا تجدُ مقالةٌ فاسدة، ولا بدعةٌ باطلة إلا وفاتحةُ الكتابِ متضمِّنة لردها وإبطالها بأقرب الطُرُق، وأصحِّها وأوضحِها، ولا تجدُ باباً من أبواب المعارف الإلهية، وأعمالِ القلوب وأدويتها مِن عللها وأسقامها إلا وفى فاتحة الكتاب مفتاحُه، وموضعُ الدلالة عليه، ولا منزلاً من منازل السائرين إلى ربِّ العالمين إلا وبدايتُه ونهايتُه فيها.

ولعَمْرُ الله إنَّ شأنها لأعظمُ من ذلك، وهى فوقَ ذلك. وما تحقَّق عبدٌ بها، واعتصم بها، وعقل عمن تكلَّم بها، وأنزلها شفاءً تاماً، وعِصمةً بالغةً، ونوراً مبيناً، وفهمها وفهم لوازمَها كما ينبغي ووقع في بدعةٍ ولا شِركٍ، ولا أصابه مرضٌ من أمراض القلوب إلا لِماماً، غيرَ مستقر.

هذا.. وإنها المفتاح الأعظم لكنوز الأرض، كما أنها المفتاحُ لكنوز الجَنَّة، ولكن ليس كل واحد يُحسن الفتح بهذا المفتاح، ولو أنَّ طُلابَ الكنوز وقفوا على سر هذه السورة، وتحقَّقُوا بمعانيها، وركَّبوا لهذا المفتاح أسناناً، وأحسنُوا الفتح به، لوصلوا إلى تناول الكُنوزِ من غير معاوِق، ولا ممانع.

ولم نقل هذا مجازفةً ولا استعارةً؛ بل حقيقةً، ولكنْ لله تعالى حكمةٌ بالغة في إخفاء هذا السر عن نفوس أكثر العالَمين، كما لَه حكمة بالغة في إخفاء كنوز الأرض عنهم. والكنوزُ المحجوبة قد استُخدمَ عليها أرواحٌ خبيثة شيطانية تحولُ بين الإنس وبينها، ولا تقهرُها إلاَّ أرواحٌ عُلْوية شريفة غالبة لها بحالها الإيماني، معها منه أسلحةٌ لا تقومُ لها الشياطين، وأكثرُ نفوس الناس ليست بهذه المَثابة، فلا يُقاوِمُ تلك الأرواح ولا يَقْهَرُها، ولا ينال من سلبِها شيئاً، فإنَّ مَن قتل قتيلاً فله سلبه.





من كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد / مجلد الطب النبوي ( 4 / 347 )
لؤلؤة السما
لؤلؤة السما


أيأسن الماء إذا الماء ركد ؟؟



تلاشت صورته .. لم أعد أرى إلا طيفه .. أرى خياله .. أسمع همسه .. أتخيل ابتساماته .. أحلم به .. ذهب وتركني .. لم أتوقع أن يتركني يوما ما لوحدي .. ماض جميل وحاضر مؤلم .. تدحرجت دمعة تلتها أختها .. مسحت دمعتي .. سندت ظهري .. اتكأت على عصاي .. جمعت قواي .. التفت فيمن حولي فسألتهم: ما فائدة الماء.
انهالت علي الإجابات واحدة تلو الأخرى، فمجيب عن فوائده الصحية، وآخر عن مكوناته العلمية، وثالث .. ورابع .. التفت إلي فتى لبيب فقال لي: اسمع أيها الجد قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} .
استوقفتني عبارته واستشهاده بالآية، علمت أن لهذا الشخص طريقة تفكير تفوق طرائق تفكير إخوانه وقرنائه، لاح لي في عينيه فهم الفهيم، وحكمة الحكيم، وكلام البليغ.
أطرقت مليا ثم قلت لجلسائي: أيأسن الماء؟
ازداد اللغط في المجلس، وارتفعت الأصوات: لماذا تسأل مثل هذه الأسئلة؟
قلت لهم: أجيبوني..
قال أحدهم: إذا خالطته النجاسة..
وقال الآخر: إّذا أضفت إليه ما ليس منه.
وقال ثالث: إذا حجب عن أشعة الشمس..
وقال رابع: إذا قل..
ثم التفت إلي ذلك الفتى اللبيب فقال: أما والله ما قالوا إلا حقا، ولكنني أعلم ما تريد!!!
أتريد أن تقول لنا: (يأسن الماء إذا الماء ركد)?!
ازددت إعجابا بهذا الفتى، فقد فتح الله عليه باب الفهم وفقه الكلمة. نظرت إليه فقلت: إني سائلك فأجبني.
فقال: هات ..
قلت: يأسن الماء إذا ركد ما الذي تفهمه منها؟
تبسم تبسم الواثق وقال لي: لقد لاح في خاطري ما تريد الوصول إليه. الماء سر الحياة، وسر بقائها وبقاء البشرية جمعاء، فمنه نشرب وبه نتطهر وبه تزرع وعليه نأكل و..
ولكن مرادك لم يكن إلا قول الله تعالى: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ} .
وقوله تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ}
ولم يكن ما تريد هو ظاهر الآية، بل تريد شيئا بعينه .. فإليك ذلك:

تسقط أشعة الشمس الحارة على المسطحات المائية فيتبخر الماء منها، فيصعد إلى السماء فيجتمع ويتكثف فيكون سحابا، فيسوقه الله إلى أي أرض شاء فتهتز وتربو فيحييها الله بعد موتها..
كذلك الداعية إلى الله عز وجل، فهو سر الحياة كالماء إن سار وتدفق وانفجر عيونا وينابيعا بارك الله فيه فحيا وأحيا مواتا، وإن ركد واتكل وخمل وكسل أسن وتعفن..
وأما أشعة الشمس فإنها حرارة الإيمان، وقوة الطاعة، وذاتية المؤمن، فتبعث فيه القوة والنشاط، فيتبخر على الجوارح فيظهر واضحا جليا في حركاته وسكناته، فهو ينتقل من ميدان إلى آخر، ومن مسجد لآخر، ومن حي إلى آخر، ومن نشاط دعوي أيا كان إلى آخر، وما ساقه إلا الله عز وجل ولو شاء لأركده..
ثم تترجم تلك الحرارة، وذلك النشاط إلى كلمات وعبارات فيها الصدق والإخلاص والتقوى وأنشطة دعوية. فأمطرت على القلوب فما كان ميتا أحياه الله وما كان مجدبا أغاثه الله، فاهتزت تلك القلوب وجلا وخوفا من الله وطمعا في رحمته ثم تشبعت بكلام الله وسنة رسوله الكريم، فنبتت فيها غراس التقوى وزروع الإخلاص وأزهار الطاعة..
قاطعته فقلت: يا بني وكيف يأسن الماء إذا؟
تبسم ابتسامة عريضة وقال لي:
نظرت للعلياء والعليـاء قــــــــد --- يدركهـا المرء إذا المرء جـد
وقلت في نفسي لنفسي أيا ترى --- أيأسن المـاء إذا المـاء ركـد
فنادى المنادي للمنـادي وقــــــد --- علمت الجواب إذا الجواب فُقد
فكم من جاهل غُر بجهل وصــد --- عـن العليـــا وللعليــــــا فقــــد
وقلت لنفسي فــي نفســي وقــد --- يأسـن المـاء إذا الماء ركــد

يا جد: إذا ركد الداعية وخمل وكسل وركن، أسن.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: \"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير\" (رياض الصالحين للنووي برقم 100).
وقوله تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20)} .
أي أنهم في عبادة دائمة ينزهون الله عما لا يليق به، ويصلون، ويذكرون الله ليلا ونهارا لا يضعفون ولا يسامون ولا يفترون) (صفوة التفاسير للصابوني 20/257-258 20/257-258 ).
يا جد:
إذا استغنى الداعية عن إخوانه ليجابه تيارات عارمة، أسن. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: \"... عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو مع الإثنين، أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة\" (أخرجه الترمذي).
وكما قيل: (المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه).
ويقول ابن المبارك رحمه الله:
لولا الجماعة ماكانت لنا سبلا = ولكان أضعفنا نهبا لأقوانا
يا جد: إذا خلط الداعية عملا صالحا بآخر سيء، أسن.
قال تعالى: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليكم إن الله غفور رحيم) (التوبة، 102).
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: \"إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وأن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال بيده هكذا\" فحرك يده عن أنفه (رواه البخاري رقم 122).
يقول الله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} .
وقوله صلى الله عليه وسلم: \"إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهم يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه\" (أخرجه الإمام أحمد في مسنده).
وقوله صلى الله عليه وسلم: \"إن المؤمن إذا أذنب ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا تاب نزع واستغفر صقل قلبه وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكره الله تعالى في كتابه: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} \" (التجريد الصريح لأحاديث البخاري الصحيح برقم 19).
يا جد: إذا غلبت الداعية شهوة أو شبهة، أسن.
قال صلى الله عليه وسلم: \"يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شغف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن\" (التجريد الصريح لأحاديث البخاري الصحيح برقم 48).
وحديث \"الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس\" (رواه الترمذي).
وقوله صلى الله عليه وسلم: \"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك\".

يا جد: إذا دخل على الداعية ما ليس منه كالدنيا، أسن. قال الله تعالى: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) (فاطر، 5)
ويقول الله تعالى: (يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور) (التغابن، 15).
وكما قال صلى الله عليه وسلم: \"فأبشروا، وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم\" (رواه البخاري برقم 112).
ويقول الشاعر (رياض الصالحين للنووي، تحقيق شعيب الأرنؤوط، ص 32):
إن لله عبـادا فطنــا = طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا = أنها ليسـت لحي وطنـا
جعلوها لجـة واتخذوا = صالح الأعمـال منها سفنا
لؤلؤة السما
لؤلؤة السما