عَانَقْتُ الفضاء...
لكم تحمل الكلمات الصادقة مع الأهداف الأسمى معاني رائعة ..
وفقك الله لكل خير :26:
عطاء
عطاء
(4)

ترى لو أمضى عامه كله أيستطيع أن يستجلب الصدق من جنبات فؤاده الذي يمر الآن باقسى
وأصعب امتحان..؟؟
هاهو الوقت يمضي ويتفلت منه زمانه وهو هو قائم يراوح بين قدميه يراشي الصدق أن يمتثل وقوفاً
أمامه..!!
أتراه الصدق يحسن ادعاءً إن لم يمر على كير الامتحان..!!!
ماكان منه إلا أن استسلم ...وتوكل ومضى ملبياً داعياً راجياً أن يكون هو ذلك العبد الصالح
الذي يرجو أن يكون..
كأنما ألقي في فلاة..من غير زاد..في ظلمة الليل البهيم..وعليه أن يوقد مصابيحه...
في ليلته تلك..أضاءت في سمائه نجمة..فسرّه مرآها..لمعت ببريقها وكأنها تدعوه لعلو..
سار تابعاً ذلك البريق وقد سكنت منه النفس .وذل من اللسان ملبياً...وقد سبقه قلبه مع الراحلين إلى بيت الله العتيق...
عطاء
عطاء
(5)

كاد القلب يفرُّ منه حين صعد الحافلة..ومضى مع من مضى في طريقه
ليقضي يوم التروية في منى..أنكر نفسه ..كأنما هو ذاهبٌ إلى مكان
لايعرفه ...كأنما خطفَ من دنياه وأخبر أنه راحل إلى مكان من الآخرة
هكذا شعر..رحلة كانت تكتنفُ لحظاتها الهيبة والخشوع..
كان يلبي مع من يلبي..صوت تلبيته يعلو تارة وينخفض أخرى تبعاً لمشاعره..كان يرقب عبر نافذة الحافلة تلك الأفواج السائرة إلى الله ..
في هيئة واحدة...يرتسم على مظهرها خطوط سكون وعلامات
افتقار..ومسكنة..
حدّث نفسه "ترى ماذا يرجون؟؟ ماذا يريدون؟؟مم يخافون؟؟"
عاد للتلبية ليخفف عن نفسه هيبة الوصول والتلاقي..
إنه في ضيافةالرحمن..ترى كيف سيكون حال الضيف في ديار مضيفه..؟؟
مجرد التفكير بهذه المشاعر أقلقه ..فأعاده إلى شعوره الذي حاول الفرار منه... صوت الملبين ...
"لبيك اللهم لبيك لبيك لاشريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك
لاشريك لك"
أخذ يردد معهم .تلك الكلمات الشجية التي استخرجت من نفسه الكثير...فلم يتمالك نفسه... فانفجر باكياً...
وصورٌ لمعاني التلبية تتعارك في رأسه ..لتعصر ذلك القلب الضعيف
كي تتجلى له معانٍ عظيمة..لم يقرأها من قبل..ولم يفهمها..
لكنه الدرس الحي...!!!
أخذ يردد بكل قوة وثبات مع الملبِّين ..لبّيك وسعديك والخير كله بيديك
والشرُّ ليس إليك أنا بك وإليك...
لبيك مولاي..لبيك ..ها نا أجبت دعوتك ..مرة بعد مرة..أعاهدك على أن أقيم
على الطاعة ماحييت..أجبتُ نداءك..واستجبتُ دعاءك..لأني بحاجة إليك
وأنت غنيٌ عني..لبيك ماحييت..لبيك مابقيت..لبيك ولك الفضل أن ألبي
لبيك..ولك الحمد على أن دعوتني..
لبيك ياذا المن والفضل..لبيك يامولاي فامنُن على من سار إليك...
عطاء
عطاء
(6)

آهٍ ..يامنى يادياراً سكن الفؤاد بها ,فتركته فيها رغم أنه قد ارتحل..
ليلك يامنى ليل العابدين الساهرين..ليلكِ يامنى ليل الذاكرين المستغفرين
أوَ كان ليلاً يامنى!!!..
أوَ كان يامنى يوماً من الزمن !!..
كان نوراً أشرق في القلوب فاستحالت سمائك نورانية..
أينما التفتَ في ذلك المخيّم إلا ووجد من يناجي ربه بلغة متفرّدة
كلٌ له طريقته..فهذا قارىء وهذا مستغفر وهذا مصلٍ ..هذا كبيرٌ وهذا صغير..وهذا يتقلب في فراشه ثم يقوم ناصباً قدميه يناجي ربه..وهذا
مقعد الجسد حي الروح واللسان..لايغمض له جفن..

ما أجمل سهر العابدين..وما أجمل أحاديثهم..وما أجمل صحبتهم
ورفقتهم..ليلة أضاء فيها نور القمر في السماء قبل منتصف الشهر
بل أضاء في قلبه وقلب كل عابدٍ خاشع..فأمست ليلة..قدسية
تغشاها المهابة..ليلة من تلك الليالي
المعدودات تحكي أعماراً ممتدة من عمر الزمن...
عطاء
عطاء

(7)
هيبة جللت هذا الصباح..فترددت الخطوات في سيرها..كأنما هو يوم
لابد أن تخلع فيه كل رداء زيف لتقبل على مولاك بدون ألوان.
.أبيضاً طاهراً نقياً..
سارت به الحافلة ..ليتجه إلى عرفات..
عرفات الله ..التي كان يبكي نفسه فيها كل عام حالماً بلقيا ولقاء
هاهوالآن يحقق حلمه فيطأ بقدميه صعيد عرفات..
ترآءت له صورة نبيه صلى الله عليه وسلم وهو ينفر من منى إلى عرفات..
راكباً ناقته الآن ممسكاً بخطامها..يسير مع صحبه السائرين..
اغرورقت عيناه لهيبة الموقف فلم يتمالك نفسه لجميل الذكرى..
وعاد ملبياً ليستجمع شيئاًمن قوة..ليوم ٍ من أيام الدنيا ..ليس ككل الأيام..كيف لا..وهو يوم نزول الربّ..!!!!!
ارتعدت فرائصه..لمّا استشعر نزول الرب وجلاله وهيبته..
فانتفض كما طير صغيركسير الجناح..وعبارة تتردد في ذهنه
" ينزل ربكم عشية عرفة"..." ينزل ربكم عشية عرفة"
" ينزل ربكم عشية عرفة"..ما أعظم النازل سبحانه..وما أعظم النزول!!!
أفكارٌ أخذت تتزاحم في رأسه..وخوف ٌ من أن يكون محروماً في هذا اليوم
ورجاءٌ يبدد ذلك الخوف..في يوم ٍ يباهي الله به ملائكته ..فيقول: انظروا
لعبادي هؤلاء..أتوني شعثاً غبراً..أشهدكم أني قد غفرتُ لهم.."